لابد لمن اطلع على الادب الاندلسي وقرا ما لادبائهم من نثر وشعر ان يلمس مدى التفاوت بين ادب أهل الشرق وادبهم ويدرك ما لحق الادب العربي من تجديد فى الاساليب واتجاه في المعاني على يد شعراء وكتاب الادب الاندلسي فاذا ما قرآنا لابن بسام وهو يقدم لكتابه ) محاسن أهل الجزيرة ( الفيناه يشير الى نواحي التجديد التى سار عليها الادب الاندلسي فهو يقول فى مقدمته : ) فاضربت انا عما ألف ، ولم أعرض لشئ مما صنف ، ولا تعديت أهل عصرى ، ممن شاهدته بعمرى ، او لحقه بعض اهل دهرى ، اذ كل مردد تقبل ، وكل متكرر مملول ، وقد مجت الاسماع : " يادارمية بالعلياء فالسند " وملت الطباع : " لخولة اطلال ببرقة تهمد " ، ومجت : " قفانبك " في يد المتعلمين ورجعت على ابن حجر بلائمة المتكلفين ، فأما " امن ام اوفي " فعلى آثار من ذهب العفا " . الى ان قال : ) وليس الفضل على زمن بمقصور ، وعزيز على الفضل ان ينكر ، تقدم به الزمان او تأخر ، ولحى الله قولهم : الفضل للمتقدم ! فكم دفن من احسان ، وخمل من فلان ! ولو اقتصر المتاخرون على كتب المتقدمين ، لضاع علم كثير ، وذهب ادب غزير . ( ولا نمضي مع مقدمة ابن بسام الى نهايتها بل ننقل منها ما يدعو اليه المقام من الحاجة للتدليل على ما اتجه اليه الادب الاندلسي وما اتجه
اليه ادباؤه من شعراء وكتاب قال وهو يصف الشعر الاندلسي : ) ذهب كلامهم بين رقة الهواء وجزالة الصخرة الصماء كما قال صاحبهم عبد الجليل بن وهبون يصف شعره :
رقيق كما غنت حمامة ايكة
وجزل كما شق الهواء عقاب
- على كونهم بهذا الاقليم ، ومصاقبتهم لطوائف الروم ، على ان بلادهم آخر الفتوح الاسلامية ، واقصى خطى المآثر العربية ، ليس وراءهم وامامهم الا البحر المحيط والروم والقوط ( .
نخلص من هذه النبذة التى اوردناها من مقدمة ابن بسام ان الادب الاندلسي نحا نحوا خاصا لانه صاقب الروم وقرا من آدابهم ولانهم الاقليم الذي تنتهى عنده الاقاليم العربية ، ويشرف على مواقع الاوروبيين
فينهل من ثقافات الحضارات التى استقرت فى اوروبا انذاك لذلك اراد ادباء الاندلس شعراء وكتابا ان ينهجوا نهجا جديدا في ادبهم الاندلسي ورأوا ان الفضل لا يكون مقصورا على زمن ، ولا ينكر الفضل لمتأخر ، فكانوا بهذا متحررين من التقييد منفكين من التقليد وكان لانتاجهم طابعه الخاص طابع الزمان الذي عاشوا فيه والمكان الذي تأثروا به وكانت بذلك الاساليب الادبية متمشية مع مقتضيات واتجاهات عصرهم وبيئتهم التى نشأوا بها وبذلك فقد تفهموا احاسيس قومهم فنسجوا على منوالها متأثرين بأدب المشرق متسلعين بشتى فنونه آخذين من ادب الروم ما وسعهم للتحسين والتجديد فى اساليبهم الادبية ما يتفق وذوقهم العربي متحرين بهذا الانصاف لمن نثر أو نظم فقد قال ابن بسام : ) ولست اقول اخذ هذا من هذا قولا مطلقا ، فقد تتوارد الخواطر ، ويقع الحافر حيث الحافر ، اذ الشعر ميدان والشعراء فرسان ( .
ومما اورده لنا ابن بسام من النصوص الادبية قطعة لاحد ملوك بني امية بالاندلس وهو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله ، ينتهى نسبه الى عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي قال في قطعة يعارض بها هارون الرشيد الخليفة العباسى عندما قالها ايام خلافته بغداد :
ملك الثلاث الآنسات عنانى
وحللن من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلها
واطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك الا ان سلطان الهوى
وبه قوين ، اعز من سلطاني
فقال سليمان المستعين معارضا لهذه القطعة :
عجبا يهاب الليث حد سنانى
واهاب لحظ فواثر الاجفان
فاقارع الاهوال لا متهيبا
منها سوى الاعراض والهجران
وتملكت نفس ثلاث كالدمى
زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لحن لناظرى
من فوق اغصان على كثبان
هذى الهلال ، وتلك بنت المشترى
حسنا ، وهذي اخت غصن البان
حاكمت فيهن السلو الى الصبا
فقضى بسلطان على سلطاني
فابحن من قلبي الحمي وتركنني
فى عز ملكي كالاسير العانى
لا تعذلو ملكا تذلل للهوى
ذل الهوى عز وملك ثانى
ما ضرانى عبدهن صبابة
وبنو الزمان وهن من عبداني
ان لم اطع فيهن سلطان الهدى
كلفا بهن فلست من مروان
اننا نلمس في هذا الشعر الاندلسي ابداعا في الوصف يدل على صفاء الذهن وسمو الوجدان وارهاف الحس لدى اهله ورقة في الذوق واتساع في الخيال . لقد فاقوا غيرهم فى الوصف وابدعوا فيه فوصفوا جمال الطبيعة من رياض وانهار وطيور واشجار وثمار وازهار وسحاب ورعد وقوس قزح ، كما وصفوا القصور والآنية والنوافير والنواعير والاساطيل ومجالس الانس والطرب كما ذكر عنهم المؤرخون ، وبالجملة لم يدعوا شيئا مما وقع عليه حسهم الا وصفوه بل وصفوا
النفوس وما يعتورها من لذة ولم وما يجول بها من ميول واهواء ، ذلك انهم عاشوا في جنة من جنان الدنيا - انهار متدفقة وجبال متوجة بالثلوج مؤزرة بالزهور ومروج خضر وسهول فسحة الارجاء وثمر شهى وماء روى وظل ظليل ونسيم عليل . وهذه الانطباعات والمشاهدات تترك اثرها الفعال
في النفوس فتنفعل بها الاحاسيس وتصفوا الاذهان وتهتز من مظاهرها الجميلة المشاعر وتسمو اتجاهات الفكر سموا رفيعا .
والى الحلقة الثانية من هذا البحث وما يتبعها من حلقات نوفى هذا الموضوع حقه ونؤدى لهذه الدراسات امانتها من عرض ونقد وتحليل لذلك الاثر الادبي الرفيع .
