اشتغل الاندلسيون فى شعرهم بالوصف حتى لقد بلغ من ولعهم بالوصف انهم وصفوا النحل والبرغوث وقالوا فى ذلك شعرا دونه تاريخهم الادبي وليس هذا الاشتغال بالوصف الا من فيض الشاعرية وهي تتدفق بالوصف والتصوير لشتى المجالات وهكذا نجد شوقي بعد أن حلق فى كثير من المعاني وتألق فى ابرازها وصوغها بأسلوبه الرائع أخذ بما أخذ به الاندلسيون وتذوق هذا اللون من الشعر ونظم على غراره دررا تسطع بها الشوقيات كما تسطع بروائعه الخالدة وكأن خصب الشاعرية عند الاندلسيين حدا بهم الى ان يطرقوا هذه الموضوعات ويقولون فيها شعرا انفردوا به فى عهدهم ولا بد أن نعرض لنماذج من هذا اللون فى شعرهم لنعرف مدى تأثرهم بهذا اللون الجديد فقد قال أحدهم وهو الوزير الكاتب ابو عامر احمد ابن عبد الملك بن شهيد فى صفة النحلة
طائرة تهوى كأن جناحها
ضمير خفي لا يحدده وهم
ملازمة للروض حتى كانما
لها كل ما تفتر عنه الربى طعم
تمج بفيها الشهد صرفا ويختفي لمشتاره ما بين احشائها سهم
منافرة للانس تانس بالفلا
مفرقة للشهد من بعضها السم
فادناؤها رشد ، وهتك حجابها إذا احتجبت في غير ايامها ظلم
وقال فى صفة البرغوث :
ومنفر للنوم مسكنه ، إذا نام المملك ، بين اثناء الثياب
يسرى الى الأجسام يهتك عدوه عن كل جسم صيغ بالنعمي حجاب
ويعض ارداف الحسان وماله كف ولكن فوه من اعدى الحراب
متحكم فى كل جسم ناعم متدلل ما بين الحاظ الكعاب
فاذا هممت بزجره ولى ولا يثنيه عما قد تعوده طلاب
وترى مواضع عفه مخضوبة بدم القلوب وما تعاوره خضاب
قرم من الليل البهيم مكور يمشى البراز وما تواريه ثياب
عظمت رزيته ولكن قدره اخزى واهون من ذباب في تراب
ولم يكن غريب فى الادب العربى هذا الاتجاه ولم يكن شاذا هذا اللون فى الشعر العربى بل اننا نجد فى الشعر الجاهلى وللشعراء الجاهليين من يمارسون هذا اللون بانطباعاتهم ومشاهداتهم وظروف
أجوائهم ) ١ ( فمنهم من تغني بالناقة ووصف سرعتها وجودتها ووصفوا السيوف والرماح وهكذا نجد هذا اللون من الشعر تطور في عهد الاندلسيين إلى الصورة التى المحنا اليها فى وصفهم للنحلة والبرغوث وشوقي عندما مارس هذا اللون لم يكن مفتقرا الى المعاني وعاجز عن التحليق الى ابعد من هذه الآفاق فهو قد اخرج لنا في الأدب العربي مسرحياته الشعرية التى اجتذبت ولاتزال تجتذب المعجبين بفنه الرفيع وانما هو خصب الشاعرية وملكة التصوير والقدرة على حسن الاداء أدى بالاندلسيين وشوقي
أخيرا ان يطرقوا هذا الموضوعات وان يعرضوا لنا هذا اللون من الشعر الوصفي الرقيق واذا ما استمعنا إلى نقد ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة نجده أضفى على هذا الشاعر ابي عامر تقديرا لفنه وجلالا لمواهبه اذ يقول فيه ) وقد ضارع أبو عامر
هذا محاسن الطبقة العالية فصار يتناول المعنى الحسن فيصيره محسا بحسن مساقه . فمنها وصفه للنحل والعسل ، ولسعه الاكفال والصدور مرهفة ووصف البرغوث فقال : اسود زنجي ووصف البعوضة فقال : مليكة لا جيش لها سواها . ووصف الثعلب . فقال : ادهي من عمرو . فهذه اوصاف لو رامها غيره لكبا جواد بنانه . ونبا حسام لسانه . (
وأذن فقد أولع الاندلسيون بالوصف وطاب لهم فى هذا الوصف أن يطرقوا شتى المواضيع وان يقولوه شعرا في
صنوف من الشكليات وجاء النقد الادبي في عهدهم يضفي على هذا الاتجاه تمجيدا وثناءا
ولسنا بسبيل الحكم على هذا الاتجاه ولا بمجال النقد لهذا التفرغ في غرض معين من اغراض الشعر وهو الوصف واشتغالهم به فى شتى الصور والاشكال ولكنني توتر أن اقول ان لكل عصر طابعا يمتاز به عن غيره واتجاها يختلف فيه عن غيره من العصور فاذا كان لهذا الاتجاه في عهد الاندلسيين ظاهرة يتسم بها أهل ذلك العصر وشعراؤه فلا يعنى هذا ان نتهم المشتغلين به بالتقصير أو نوجه اليهم نقدنا قاسيا فنقول ان الاشتغال بهذا
لقد اولع الاندلسيون بالوصف وطاب لهم ان يطرقوا شتى الموضوعات وان يقولوه شعرا في صنوف من الشكليات
اني لأضيق بمن تذوب شخصيته في آراء الاخرين فيثبت بذلك جمود ذهنه عن تفهم الحكم الصحيح
اللون هي للشعر لا يكسب للشعر قيمته الفنية فأمامنا مجالات اوسع وارحب لأدق التعبير واحسن التصوير تتلاءم ومكانة الشعر وقدرة الشاعر وحسن ادائه وبراعته فى امتلاك اسمى المعانى وأجلها . ولذلك نطالع لناقد هذا الاتجاه في عهدهم اعجابا وانبهارا لهذا الانتاج الشعرى وهو الطابع الذي اتسم به عصرهم و لغتهم حتى سلك شوقى فى عصرنا ونسج على منوالهم وقال فيه الشعر على غرارهم وقد يحكم الناقدون منا على هذا بأنه عمل - النثر به أولى من الشعر - وان للشعر لمحات تعبر عن شوارد الخواطر ونفحات النفس فى اسمى خوالجها وأرق مشاعرها وقد يكون هذا الحكم نافذا فى حدود ومجالات عصرنا الذي اصبح الوعى فيه يطالبنا بالمشاركة في التعبير عن أهدافه ومراميه واتجاهاته التقدمية التي تمليها روح العصر وتوثب ذلك الوعى ليتلاقى الشعر مع التقدم الفكرى فى أبدع تفكيره وأسمى تعبيراته ، لذلك كان الطابع لذلك العهد الاندلسي طابعا يميزهم به . ويبرزهم فيه باللون الذي يتأثر به معاصروهم وأهل الادب آنذاك ولا أقصد بهذا الابتعاد عن الرأى فيما ورثناه في ادبنا العربى عن هذا الاتجاه وما تركه لنا أولئك الشعراء فى هذا اللون من شعرهم ، ليس هذا ماأقصد فان من حق كل انسان ان يقول رأيه صريحا . وانا أضيق بمن تذوب شخصيته فى آراء الآخرين دون مناقشة ولا تفنيد فيثبت بذلك جموده ذهنه عن تفهم الحكم الصحيح ، وانا لم ابتعد بالرأى ولكنني اود ان اكون منصفا فاقرر بهذا ان مانراه فى عصرنا مقبولا قد لا يكون فى عصر آخر موضع القبول ومحل التقدير وكذلك ما رآه الاندلسيون فى عهدهم يحكم به على قدر طبيعتهم وطابع عصرهم ، فاذا ما قرأنا مثل هذا لهم ولغيرهم ممن سبقونا
او عاصرونا فنحن فى حل من التقيد به ، والسير على منواله إذا لم يتفق وميولنا واتجاهنا الادبى ، فقانون الزمن له فى النفوس عوامل مؤثرة كما اثر فينا عصرنا هذا بمخترعاته واتجاهاته من الناقة الى السيارة إلى الطائرة الى أضواء كهربائية الى نظريات حديثة الى فلسفة مستحدثة الى افكار تقدمية كل هذه العوامل يفرضها قانون الزمن وينساق وراءها الناس مبدعين او تابعين واذا حاول الفكر أن يرجع عنها الى وراء ، فى الناقة وسيرها وسرعتها والى الخيل وكرها وفرها والى السيف يداوى رأس من يشكو الصداع فان قانون الزمن برده حتما الى واقعنا الفسيح وتقدمه الملحوظ واننا لنقرأ هذا الحكم صريحا عند الاندلسيين انفسهم فقد قرانا للشاعر ابى عامر فى فصل من فصول مقالاته ما يأتى " وكما ان لكل مقام مقالا . فكذلك لكل عصر بيان . ولكل دهر كلام ، ولكل طائفة من الامم المتعاقبة نوع من الخطابة . وضرب من البلاغة . لا يوافقها غيره ولا تهش لسواه . وكما ان للدنيا دولا ، فكذلك للكلام فعل وتغاير فى العادة . الا ترى ان الزمن لما دار كيف أحال بعض الرسم
الاول فى هذا الفن الى طريقة عبد الحميد وبين المقفع وسهل بن هرون وغيرهم من اهل البيان ؟ فالصنعة معهم افسح باعا . و اشد ذرعا ، وانور شعاعا ، لرجحان تلك العقول ، واتساع تلك القرائح فى العلوم . ثم دار الزمان دورانا ، فكانت احاله اخرى الى طريقة ابراهيم بن العباس ومحمد بن الزيات وابني وهب ونظرائهم ، فرقت الطباع ، وخف ثقل النفوس . ثم دار الزمان فاعترى أهله باللطائف صلف . وبرقة الكلام كلف ، فكانت احالة أخرى الى طريقة البديع وشمس المعالي وأصحابهما "
وكن ابا عامر لم يرض لما وصل اليه تكلف المشتغلين بالبيان فى عهده الاخير ثم نتأمل ماقاله عن الشعراء فنجد منه الحكم صريحا كحكمه على الكتاب وتأثرهم بقانون الزمن فى كل عصر فقال ما يأتى
) وكذلك الشعراء انتقلوا عن العادة
فى الصنعة بانتقال الزمان . وطلب كل ذى عصر ما يجوز فيه . وتهش له قلوب أهله ، فكان من صريع الغواني وبشار وأبى نواس وأصحابهم فى البديع ما كان . من استعمال أفانينه ، والزيادة فى تفريع فنونه . ثم جاء ابو تمام فأسرف فى التجنيس وخرج عن العادة . وطاب ذلك منه ، وامتثله الناس . فكل شعر لا يكون اليوم تجنيسا او ما يشبهه تجمه الآذان ، والتوسط فى الامر اعدل . ولذلك فضل أهل البصرة صريع الغواني على ابي تمام ، لانه لبس ديباجة المحدثين على لامة العرب فتركب له من الحسن بينهما ما تركب . (
وهكذا نأخذ عن الاندلسيين في نثرهم وشعرهم اتجاها للتجديد ورغبة فى الابتكار مع مراعاة الاسلوب فى المأخذ والقاعدة في التفكير فكان بذلك لاتجاههم الادبي انطلاقات فكرية امتد ظلها مشرقا بالروعة والجمال متصلا بأدبنا الحديث .

