الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

سلسلة بحوث عن الادب الاندلسي

Share

٤

اتجه الادب الاندلسي اتجاها اقليميا يشيد فيه الشعراء بالمواطن والديار ويبعثون في النفوس حب الوطن والإيمان بهذا الحب والإشراقة التى تكسو هذا اللون من الحب ، فانت تلمس في شعر الاندلسيين تمجيدا لاوطانهم وتغنيا بمناظرها الطبعية ومواقعها الجميلة لاتكاد تجد في الشعر العربي ممن سبقوهم او عاصروهم من المشارقه هذا الاتجاه الادبي فى اشعارهم كما انصرف له الاندلسيون ولا الاشتغال الذهنى بعاطفة الوطنية الصادقة كما تجد ذلك قويا وبارزا في شعر الاندلسيين ، وكان الاندلسيين بما شغفوا به من طبيعة العمران الذي تم فى عهدهم وبما دخل عليهم من الاختلاط بغيرهم من الامم الاوربية وبما كان بينهم وبين هذه الامم من الصراع والتنازع على حفظ الكيان العربى مستقلا قويا ، عكس كل ذلك صورته فى طبيعة الشعراء واشرق فى مخيلاتهم واتجاهاتهم العاطفية ، ان طبيعة الاندلس الغناء ومروجها الخضر وانهارها وجداولها ورياضها وحدائقها المنسقة تبعث فى نفوس اهلها الامتنان بهذا الجمال والتغني به ، ومن يكون اجدر بهذا واحق من الشعراء ؟ فاذا لم يكن للشعراء فيه اناشيد واغان واغاريد وهم الذين تنفعل احاسيسهم وتجيش خواطرهم لمحاسن الطبيعة ومفاتنها ذلك فلن  

يكون ، كل هذا ظهر بديعا  ورائعا في شعر الاندلسيين حتى ان مدائحهم لا تخلو من هذه العاطفة الوطنية المتاججة في قلوبهم وتنعكس صورها الفنية في مقدمات المدائح وبين سطور ابياتها . . لنستمع معا الى هذه المدائح وهي تبدأ بهذه العاطفة الوطنية والتصوير الفني لتعكس عليه صور الحياة الاندلسية ومباهجها وجمال مواقعها الفاتنة عند هذا الشاعر الاندلسي ابن شهيد الذي ذكره ابن بسام في كتابه فقال : ) وقد اخرجت من اشعاره الشاردة ، ورسائله الباقية الخالدة ، ونوادره القصار والطوال ، وتعريفاته السائرة سير الامثال ، ما يحل له الوقور حباه ، ويحن معه الكبير الى صباه . ( اه قال هذا الشاعر الاندلسي فى مدحه لعبد العزيز بن عبد الرحمن بن ابي عامر قصيدة هذا مطلعها :

اما الرياح بجو عاصم

فحلبن اخلاف الغمائم

إلى ان قال

سهر الحيا برياضها

فاسالها والنور نائم

حتى اغتدت زهراتها

كالفيد باللج العوائم

وصغار ابكار شكت

خجلا فعاذت بالكمائم

ورد كما خجلت خدو

د العين من لحظات هائم

ويخلص بعد ان يصور جمال المواقع  وحسن المناظر وانسها بتصوير الفنان البارع يحسن الدخول الى ممدوحه فى  براعة فنية وتصرف ادبى رائع يشيد فيه بالإمجاد فيقول :

حتى انتضى عبد العزيز

عزيمة من صدر عازم

فبدت لنا سبل الهدى

بنواجم غير الهواجم

ترب الاعاجم سودها

بالسد من بيض الاعاجم

فاستجفلوا فكانما

ضرب الثعالب بالضراغم

وهنا وعند هذه الابيات تعدد المفاخر   وتعلن الامجاد فيقول :

ابناء ملك حمير

ى قام بالعز القماقم

من عامر اهل المصا

نعم والصنائع والكرائم

الكفر عنهم قاعد

قدما ودين الله قائم

ونمضى مع هذا الشاعر الاندلسي منصتين لنلمس أى روعة هذه فى ادب الاندلسيين انهم ينطقون الاحاسيس ويحركون الخواطر ويثيرون القلوب يستوحون من طبيعتهم الحسناء صيغ التصوير والتعابير الرقيقة فى شعر المديح وفي غيره من اغراض الشعر المتعددة . لنقف  باعجاب عند هذه القصيدة التالية وهو يقدمها لممدوحه . . انها تنطق بافتتان الشاعر بجمال الطبيعة ومباهجها فلا يصل الى ممدوحه الا وقد قدم لمستمعيه آية من آيات الحسن بروائعه الساحرة :

وغمام باكرتنا عينه

تنرع الافق بدمع صيب

مثل بحر جاءنا من فوقنا

جرمه من لؤلؤ لم يثقب

فدنا حتى حسبنا انه

يمسح الارض بفضل الهيدب

فسألناه وقد اعجبنا

حشوه العين بمراي معجب

انت ماذا قال : مزن علمت

كفه النجعة كفا درب

سامنى بالشرق ان اسقيكم

رحمة منه باقصى المغرب

اننا نلمس من هذه الصورة الرائعة صيغة الفن المصور لجمال الطبيعة وحسنها وحب الوطن الغالي وتغلغل هذا الحب وعمق اثره فى النفس المؤمنة بحق الوطن ، ويتغنى فيه بجماله ومناظره الطبعية ومظاهره المؤثرة فنقف معه عند هذه الصورة وغيرها فنجد ان الشاعر قد حلق فى وصف هذه الاجواء بخياله وبرع فى تصوير هذه الآفاق بفنه فيقول وهو يسأل المزن الجواب والجواب مضمر في مديحه !

فسألناه : ابن من ذاك لنا

قال هل يخفى ضياء الكوكب ؟

ملك ناصب من خالفكم

عامري المنتمي والمنصب

فعلمنا انها نعمة من

ورث الجود ابا بعد اب

ثم يختتمها باهداء ممدوحه قصيدته  الرائعة ، وكان من عادة شعراء الاندلس ان يختتموا مدائحهم بالاهداء فى حسن تخلص ورقة تعبير فيقول بعد ان اشاد بامجاد ممدوحه واثنى على كفاحه وارجع هذه المزايا والمفاخر ابائه واجداده :

انجبته للمعالى اسرة

نزلوا للمجد اعلى الرتب

بنفوس من سناء ، غضة

فى جسوم بضة من حسب

وهذا التجانس في بديع البيان - من  سناء ، النفوس تكونت بيض الجسوم - من  حسب ونسب رفيع . غاية فى الابداع

والتبيين . . ثم يمضي بعد هذا التجانس الى

المطابقة وهو اروع مافي بديع البيان :

ووجوه مشرقات او مضت

ضاحكات في وجوه الكرب

ترى كيف يكون الانسان ضاحكا في  وجوه الكرب ان لم يكن ذا بأس وعزم ورباطة جاش ، تلك هي الصفات العالية التى  يتمثلها الشاعر الاندلسي في ممدوحه دون ان يغرق في المبالغة او يغرب في المعنى  وهذا هو الإهداء في ثوب الولاء والاخلاص :

يا ابن ام المجد خذها عبرة

جد قول يشتهي كاللعب

من بنات اللب زانتك كما

زان صدر المهر حلى اللبب

وكان جديرا بالشاعر ان يعبر في هذا  بتعبير ادق معنى فيقول :  

ياوريث  المجد خذها عبرة

وهي ادق معنى مما قصد اليه لان كلمة  وريث شاملة لمكانة المجد في الارث . وليس  التغني بامجاد الوطن هو ماجاء على لسان  هذا الشاعر وحده ولكننا نقرأ لهذا ولغيره  من الشعراء الاندلسيين من يبدى لنا هذا الاعتزاز فى اعلان وتوكيد فيقول ابن  خفاجة :

يا اهل اندلس لله دركم

ماء وظل ، واشجار ، وانهار

ماجنة الخلد الا في دياركم

ولو تخيرت ، هذا كنت اختار

وهو اختيار المبالغة ، لا اختيار القصد ، فلا يمكن له وهو شاعر مسلم ان يختار عن جنة الخلد مكانا ومستقرا . ونستمع لابن  الزقاق وهو يترنم بجمال وطنه ويصفه  بما يحلو له الوصف وقد شغف بمحاسنه :

ورياض من الشقائق أضحت

يتهادى بها نسيم الرياح

زرتها والغمام يجلد منها

زهرات تفوق لون السراح

قلت ماذنبها ؟ فقال مجيبا

سرقت خمرة الخدود الملاح  

وهكذا كان افتتان الاندلسيين بمفاتن  الجمال فى طبيعتهم واجوائها الباسمة فاتسع  خيالهم وواتتهم التعابير الحلوة الرقيقة والتشابيه . العذبة اللطيفة ، فابدعوا في الوصف واجادوا . في حسن القول وشاعت  فى اشعارهم الرقة وامتازت بها قصائدهم  وجمال الطبيعة في الاندلس يوحى للفطر  السليمة والنفوس الذواقة للجمال بهذا  الافتتان وقد تأثروا به من طبيعتهم الغناء  بعد ان احبوها وافتتنوا بها .  

وسنمضى مع الشعراء الاندلسيين فى الحلقات التالية مترسمين حق الدراسة لاتجاهاتهم ونزعاتهم واشراقاتهم الفنية  لنكمل مابدانا به متصلا بقدر ما يؤهلنا  استعدادنا وامكاننا .

للبحث صلة "

اشترك في نشرتنا البريدية