الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

سلوى..!

Share

" ومضة من نور، انارت حياته المظلمة، ردحاً من الزمن، ثم اختفت وتلاشت في الافق البعيد فعادت حياته سوداء مظلمة .. يخيم عليها الحزن ويكتنفها الاسى .. واصبح لا يرى الا في الفترات المتباعدة بعيدا عن الناس صامتا يتعثر .. وكانت فاجعة ولكن؟! "

ماتت " سلوى " !؟ .. ماتت سلوى، عزاءه الاكير، ومشعله المنير، وسلواه الوحيدة، فى حياته الموحشة الحزينة .. ماتت ابنته الوحيدة وكانت كالزهرة المتفتحة جمالا ورونقا ماتت وقد كانت خلاصة آماله وعصارة أمانيه، تستقبله له اذا عاد من عمله فتتعلق بثوبه وتجذبه منه وتداعبه وهو سعيد مغتبط .. وقد يداعبها فيطفوا على فؤاده

الفرح فتطفر العبرة من عينيه فتمسحها بيديها الصغيرتين وهى تقول له مستفسرة بصوتها اللين الحنون.

ماذا يبكيك يا ابتاه؟! لاشئ .. لاشئ يا بنيتي! ثم ينهال عليها لثما وتقبيلا، وامها تنظر اليهما جذلة مغطتبة لهذه السعادة تغمرها وتفيض عليهما فتزيدهم هناء وطمأنينة الى الحياة

احقا ماتت " سلوى "؟؟! ويستغرق الرجل فى تفكير عميق مضطرب، يسائل نفسه وتسائله نفسه، ويرد عليها وترد عليه، ويخرج فى النتيجة - من هذا الحوار العنيف - بأن " سلوي " قد ماتت حقا فتضطرب حواسه، ويجيش عواطفه فتنهمر دموعه غزيرة ويروح فى غيبوبة عميقه شاملة .. وينتبه ليذكر لنفسه ان الموت حق وانه لا بد لاحق بها في يوم من الايام، فلماذا الحزن؟ وعلام البكاء؟ ثم تعود احشاؤه الى الثورة فتذهب نفسه حسرات .. وهكذا.

كانت فاجعة نفسية عنيفة ، دكت بنيانه، وهدمت سعادته وقوضت صرح هنائه، فتلاشت الابتسامة وانطفأ بريق العينين واصفر بياض الوجه وهزل جسم الرجل فما عادت فيه بقية من أمل..

هو رزء من أرزاء الدهر يفجع بها القلوب الآمنة، ويكلم بها النفوس السعيدة الوادعة، فيحطمها ويدوسها؛ ولا بد للمرء من الصبر والعزاء .. ولكن اين الصبر والعزاء؟! وفلذة كبده تموت فجأة بين يديه وهو ينظر اليها ذاهلا ولا يستطيع أن يعمل شيئا .. يالله انها لمصيبة وثارت به نفسه فخرج بعد نوبة من النوبات التى تعترية، ظل يتجول في الطرقات ويتخبط فى الشوارع، شارد الفكر صامتا يتعثر..

كان " نعيم " شابا فى الخامسة والعشرين من عمره، بنى بابنة عمه ( فاطمة ) وظل معها خمس سنوات لم تعقب له فى خلالها ذرية، رغم شوقه الشديد ولهفته العظيمة على مولود ينير حياته المظلمة ويضئ ايامه السود الكئيبة .. ولكن هيهات! فقد ماتت ( فاطمة ) وهي في ريعان صباها وميعأ شبابها ولم تترك وراءها ابنا، ولا بنتا تقر بها عين زوجها وتبقيها له ذكرى على ممر الايام والدهور..

وبقي " نعيم " بعد وفاة زوجته يتقلب على فراش الحزن ويعاني مرضا كان قد الم به قبل وفاتها بايام، فلما برئ من دائه ظل ثلاثة أعوام كاملة يعاني بقاياه وهو حزين على زوجته لا يذكر الزواج ولا يكاد يطرأ على ذهنه؛ حتى فاتحته والدته فى الامر شفقة به ورحمة بحزنه؛ لعله يجد فى الزواج عزاء لنفسه، وسلوة لفؤاده؛ ولعل الله يعوضه بذرية صالحة تنير غياهب حياته السوداء؛ وتفتح امامه أبواب السعادة والهناء..

وبعد محاولات؛ وصعوبات؛ وأخذ ورد؛ تغلب حنان الام على تشبث الابن؛ ذلك لأنها حببت اليه الزواج لانه واسطة للنسل فربما كانت زوجته الاولى عقيما، ولعل الله يعوضه فتكون زوجته الجديدة ولوداً تعقب له ذرية، فتحقق آماله، وعلى ذلك بنى بزوجته الجديدة " زينب " أملا فى أن يرزقه الله مولودا تقر به عينه، وتهدأ به ثورة نفسه، مولودا أيا كان! ذكراً أو انثى فما عليه الا أنها ذرية تسبح الله؛ وتوصل حبل حياته، وتخلد ذكراه وكفى!!

وشاء الله ان ينليه امنيته، فحملت زوجته ووضعت بعد أشهر الحمل بنتا كأنما هى حين وطئت قدماها الارض، نور انبثق ليضئ حياة هذا الرجل الذى عاش حياته

يتوق الى الذرية ويتمناها ويضرع الى الله ليله، ونهاره، وفي صلواته ودعواته ان يرزقه ولدا أو بنتا يكونان بهجة وسمى ابنته " سلوى "

ونمت البنية وترعرعت، يرعاها اب رحيم؛ وتحنوا عليها أم حنون بارة وهي بين هذا العطف وذياك الحنان، سعيدة مغتبطة لا تشكو ولا تتذمر كانما الحياة عندها - حلم من احلام الخلود لا تشعر فيها بالم ولا تحس بوحشة.

وبلغت السابعة من عمرها، فكانت زهرة متفتحة، يتعهدها والدها، وتحنو عليها امها، وهما سعيدان بها مغتبطان بهذه النعمة يسبغها الله عليهما؛ فيشكر انه ويقدمان له آيات الحمد والثناء.

ولكن عين الزمان لا تغفل عن الآمنين ولا تترك الوادعين، أولئك الذين تلمح على وجوههم بسمات الرضى وآمارات الغبطة والسعادة وهكذا فجع الزمان ذينك القلبين واختطفت يداه من بينهما هذه الزهرة الفواحة ولما تتجاوز سن الطفوله

كانت طفلة مرحة طروبا. تنظر الى الحياة كما ينظر اليها الواثق من المستقبل السعيد بالحاضر فذبلت وهي في ذلك السن الباكر، غضة الاهاب، لا تزال البسمة تلمع من ثناياها، وكأنها العقد النضيد..

" و كانت ومضة من نور انارت حياة " نعيم " المظلمة ردحا من الزمن ثم اختفت وتلاشت في الافق البعيد .. فعادت حياته سوداء مظلمة، يخيم عليها الحزن والاسى وأصبح لا يرى الا في الفترات المتباعدة بعيدا عن الناس صامتا يتعثر "

وهكذا أصبح المسكين مصدوع الفؤاد .. ينظر الى الحياة نظرة سواده يبيت

أكثر لياليه ساهداً، ينطوى على نفسه ويجتر همومه وآلامه وهو حزين القلب محطم النفس لا يذوق للحياة طعما ولا يشعر لها بلذة..

وابتسم القدر!. وبزغت شمس يوم من أيام عمره وهي تحمل معها بشري جديده .. لقد حملت زوجته مرة أخرى.

ووضعت طفلة كانت كانها " سلوى " بوجهها المنير وبسمتها المتلألئة، فدعاها " سلوى " وانساه فرح الحاضر، حزن الماضى. ولكن بقيت هناك سحابة من الحزن تعتلج في فواده هي الذكرى .. ذكري " سلوى " الماضيه. وما أقسى الذكرى الاليمة على النفوس المكومة المفجوعة جده

اشترك في نشرتنا البريدية