الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

سليمان بن عبد الملك الأموى

Share

-٨-

ومرض سليمان مرضة الموت فى مرح دابق بشمال حلب ، وهو معسكر هناك إذ أصيب بالحمى أو بذات الجنب ، فأستحضر مشيره رجاء ابن حيوة ودارت بينهما المحاورة الآتية فى شأن ولاية العهد لمن بعده بالملك :

- ما ترى فى ولدى داود ؟ ) وكان ولى عهده ابنه الكبير ايوب فتوفى - هو غائب فى القسطنطنية ولاتدرى أحى أم لا ! - فمن ترى ؟ - رأيك ! - كيف ترى عمر بن عبد العزيز ؟ - اعلمه خيراً فاضلا سليما !

- هو على ذلك . ولئن وليته ولم أول احداً سواه ) اى بعده ( لتكون فتنة ، ولا يتركونه ) يقصد بني عبد الملك ( ابداً يلى عليهم الا ان يجعل احدهم بعده ثم أمر أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعده ، وكتب :

بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز ، انى قد ولينك الخلافة بعدى ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له واطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم "

هكذا صنع هذا الرجل العظيم ، ثم توفي في ٢٠ صفر سنة ٩٩ ه - ٢ أكتوبر سنة ٧١٧ م وله من العمر تسع وثلاثون سنة قمرية او ثمان وثلاثون سنة شمسية ، بعد ان ملك سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام بالحساب القمرى أو سنتين وسنة أشهر وخمسة أيام بالحساب الشمسى وهى مدة قصيرة ومع اعتقادنا بان الآجال محدودة فان هذا القصر يوحى الى الذهن هذا الملك .

ملك شاب صحيح البدن ، ما السبب في انه لم يتمتع بحياة طويلة ينقلها هذا العاهل العظيم متربعاً على عرش الامبراطورية العربية الاسلامية حياة تعادل أو تقارب تلك الحياة الطويلة التى تمتع بها كل من معاوية وعبد الملك وهشام او الوليد على الاقل ؟

اننا اذا التمسنا الجواب فى صحة سليمان نجد انه مات شاباً صحيح الجسم قوياً جميلاً لا أثر في جسمه لكبر أو مرض أو عدم مناعة يرحب بالتلف السريع !

واذا التمسنا الجواب فى سيرته نجد انها سيرة صحيحة مشرقة مملوءة بالعدل والاعتدال والاستقامة وافاضة محبته على الشعب

واذا التمسناه فى علاقاته السياسية نجدها حسنة عامرة فى الداخل والخارج واذا التمسناه فى علاقاته الغرامية مجد حياته خالية من . دسائس الحب وقصره معموراً بالغيد يتمتع منهم ويتمتعن منه بمالا مزيد ولكن فى غير سرف أو إضطراب

فاين نلتمس الجواب الصحيح ؟ اننامع تكرير تسجيلنا الاعتقاد بحدود الآجال فى عالم الغيب ومع ايماننا بالقضاء والقدر نجد ما يغرينا بالتفكير فى سبب خارجى ظاهرى جعل حياة هذا الملك الفذ على العرش قصيرة البقاء . هذا السبب فيما ترى مبدئياً هو فذاذة هذه الشخصية وجدة الأفكار التى كانت تتبطنها وترمى اليها مما يضمن لها خاود الذكر وانطلاق لسان الصدق فى الأخرين  ومحاولتها الامتياز بما يرجح كفة عملها على غيرها وقد كان فى مقدمة هذا العمل زحزحة الافراد الذين لم تؤهلهم ملكاتهم للاضطلاع بأعباء الملك من بنى مروان الا انهم رشحوا له من قبل اسلافهم حباً فى بقاء النوع ليس الانلا بدع ان يتحفز لسليمان - وهذه فكرته بقية افراد بنى مروان الاقوياء فيتآمرون سراً على التخلص من حياته بالسم وهم لا يعجزون عن تنفيذ هذه المكيدة فى اسلوب دقيق كما فعلوا بعد ذلك بخليفته عمر بن عبد العزيز مكمل مشروع سليمان على ما يرجحه منطق التاريخ .

هذه مجرد فكرة لا نجزم بها ولا نتردد عن اذاعة شعورنا بها وبرهاننا على احتمال وقوعها ما اسلفناه ويقم لنا العزر ان اخطأنا اننا نقوم هنا بدور المحلل لابدور المؤرخ . والتحليل فن يباح فيه من تناول النفسيات وظروفها بالتقليب مايباح للطبيب من تشريح الأجسام والغاية فى الفنيين إنما هى الوصول الى حقيقة مخبوءة لا تكشفها الادراسة وتجربة ومزاولة

فأذا اهمل المؤرخون هذا الرأى فهم نقلة مقلدون لوتصدى احدهم للدراسة الحرة والبحث التحليلى المنطقي لكانت هذه المسألة واشباهها من اوليات ما يعرض للباحثين .

اشترك في نشرتنا البريدية