-٤-
اذن اقر سليمان فضائل اسلافه ؛ ونفي مذامهم وأوجد فضائل جديدة طبع بها عصرا جديدا كان من بعض مناقبه خلافة عمر بن العزيز التى مهد لها هو فى عصره بابراز مظاهر العدل والحكمة فى السياسة ومخافة الله .
وليست ايام عمر في نظرنا الا امتدادا لأيام سليمان واضافة كان يراد منها تركيز الفضائل الاسلامية مثلما كانت ايام اخيه الوليد قبله امتدادا لأيام أبيه عبد الملك .
فسليمان البعيد النظر - بشهادة هنادسة التاريخ ) ١ ( - لم يشأ أن يحصر الملك فى أبناء ابيه ولم يشأ أو ير أن المصلحة تقضى باقصاء بني أمية عن هذا الملك وهم الذين اسوه ، وتحملوا فى سبيله المشاق الصعاب فكان يفكر فى الفرد الذي يجمع الى العصبية الأموية سجاحة الحكم الأسلامى العربى ، فلم يجد اجدر بتحقيق هذه الفكرة من عمر بن عبد العزيز بن مروان ، فهو اموى ومروانى من جهة ، ومن غير ابناء عبد الملك من جهة اخرى . وبهذا اصاب سليمان المحز ، وأصاب الرضا من نفوس الشعب والبيت الأموى ، من حيث لم يشا بعض هؤلاء ان يفسر موضع الرضا فى هذا الصنيع الحكيم
فان كان عهد عمر مفخرة من مفاخر الامويين ، فصاحب هذه المفخرة هو سليمان وحده ، لان ولاية عمر وأعماله نصفها فكرة ونصفها عمل ، ونصف العمل تاسيس ووضع ، ونصفه مباشرة وتتميم ، فاما الفكرة ففكرة سليمان وأما
العمل فالتاسيس والوضع فيه لسليمان ، والمباشرة والتتميم لعمر ، فلو لم يمهد سليمان لهذه الفكرة ، ولم يضعها موضع التنفيذ لما ظفر عهد بني امية بايام عمر ، واذن فما الفخر الذي يفخر به المؤرخون من اعمال عمر بن عبد العزيز ، الا عملا ثانيا من اعمال سليمان بن عبد الملك الذي قلد الخلافة ابن عمه وتليذه الذى قال فيه محمد الباقر الهاشمي : ) لكل قوم نجيبة ونجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز ( وقال فيه مجاهد : ) اتينا عمر نعلمه فلم نبرج حتى تعلمنا منه ( وقال فيه ميمون ) كانت العلماء عند عمر تلامذة ( ، وقال هو عن نفسه : " ما كذبت مذ علمت ان الكذب يضر أهله " وقال فيه كثير عزة الشاعر :
تكلمت بالحق المبين وانما تبين آيات الهدى بالتكلم
وصدقت معروف الذي قلت بالذي فعلت فأضحى راضيا كل مسلم
ألا إنما يكنى الغنى بعد زيفه من الاود البادى ثقاف المقوم
لم يكن في عصر سليمان ، وهو وجيز المدة ثورات داخلية ، فقد هدأت الثورات منذ ان سكنت ثورة خراسان بمقتل قتيبة بن مسلم ، وأشرابت اعناق الناس فيه إلى رؤية مجد الأمة العربية وعظمتها وما تتسع به رقعتها من الفتوح وقد بلغت فى عصر سليمان ازهى الوانها وتغلغلت فى تخوم الشرق الاقصى وافريقيا الشمالية وأوربا الجنوبية ، ومات تضم هذه المسافة من شتى الممالك والبلاد وارتاح الناس إلى عدالة العاهل الذى ازال المظالم واعاد للشعب حريته فى حزم ورهبة
وقد استطاع الفرزدق الشاعر ان يصور بعض التصوير جوانب من هذا العصر حيث يقول من قصيدة له فى وصف أعمال سليمان :
وما قام مذ مات النبى محمد وعثمان فوق الارض راع يعادله
وقد علموا ان لن يميل بك الهوى وما قلت من شئ فانك فاعله
أرى الملك فى تسعين عاما مضت له وست مع التسعين عادت فواضله
وكان الذى سماه باسم نبيه سليمان ان الله ذا العرش جاء
على الناس أمنا واجتماع جماعة وغيث حيا للناس ينبت وابله
فأحييت من أدركت منا بسنة أتت لم يخالطها مع الحق باطله
كشفت عن الابصار كل عشا بهاوكل قضاء جائز أنبت عادله
وقد علم الظلم الذى سل سيفعلى الناس بالعدوان انك قاتله
وليس بمحيي الناس من ليس قاضيابحق ولم يبسط على الناس نائله
فاصبح صلب الدين بعد التوائهعلى الناس بالمهدى قوم مائله
حملت الذي لم تحمل الارض والتيعليها ، فأديت الذي أنت حامله
الى الله من حمل الامانة بعد ما أضيعت وغال الدين عنا غوائله
جعلت مكان الجور فى الارض مثلهمن العدل اذصارت اليك محاصله
وماقت حتى استسلم الناس والتقيعليهم فم الدهر العضوض بوازله
فأضحوا بأذن الله بعد سقامهم كذى التف عادت بعد ذاك فواضله
والصورة التى ترسمها القصيدة لذلك العصر صورة حية ملونة لا خفاء فى دلالتها ولا تزييف .
عصر يمتاز بان راعيه لم يعادله راع منذ انقضاء عهد الخلفاء الراشدين ، راع قد علمت رعيته أنه " لا يميل به الهوى ولا يكذب فيما يقول " .
عصر ساد فيه الامن واجتماع الكلمة وتفاعل الحياة بين الامة والخلافة بحيث يتم التجاوب في شعور الامة لاقل حركة من الخليفة
عصر عرفت فيه النفوس طريقها الواضحة التى لا تختلط فيها شبهات الباطل مع سمات الحق ، وكشف فيه عن الابصار ما كان يعتريها من العشا .
عصر اعترفت فيه سلطه القضاء العادل الذي لا يفرق بين سيد ومسود فى حق مدني ، وقتل فيه روح الاستبداد والظلم الذي كان سيفه مصلتا على رءوس الناس ، وقام مكانه روح جديد من الشورى والعدل لا يملأ ذلك الفراغ فحسب ولكنه يمنح الافراد والجماعات من الرضا والقدرة على العيش الصحيح بمقدار ما كان يرزؤها به العصر السابق من العسف والخمول ، فاصبح صلب الدين كائما بعد التواء ، واصبح الناس فى عافية ومنعة بعد السقم والانحلال
هذه المعانى التى تنبض بها ابيات الفرزدق هي صورة ان لم تكن تامة الجوانب فهى واضحة المعالم ، وان لم تكن دقيقة الاداء فهى حية تزخر بالقوة وتخلد الأثر الوهاج الذي قدمه عصر سليمان بن عبد الملك للتاريخ والسياسة والحياة الاجتماعية النبيلة أحسن تخليد .
والفرزدق رجل صادق الشعور ، صادق الكلمة ، حر الفكر ، صريح وقد تعرض للسجن ، وسجن بسبب حرية فكره بعد ذلك ايام هشام بن عبد الملك عندما ما دافع عن زين العابدين الهاشمى ، دفاعا لا يرضى الامويين . وهو معروف بنزعته الهاشمية ، فما الذى يدفعه الى اطراء مزايا ملك آمووى لم يكن مضطرا الى اطرائه لولا ذلك الشعور الصادق بحقيقة هذه المزايا ولولا تلك الحرية الفكرية ، وذلك الصدق في الكلام ! ؟ .
الفصل الاتى : شريط الحياة

