الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

سليمان بن عبد الملك الأموي، قيمته الاجتماعية من طريق تحليل شخصيته

Share

٣

عصر سليمان

بيت حجازى ممتاز ، وطد اركان الملك العربي فى سوريا والجزيرة العربية وما حولها ، فانقادت له العرب طائعة معتزة لأنها تشعر انها تجمع عنفوانها كله تحت رايته .

ولانتساب هذا البيت الى الحجاز والى عبد مناف ، وهى قبيلة حجازية ممتازة بافرادها واعمالها دخل اصيل فى اعتزاز العرب بهذه الدولة اللامعة .

وقلما يستطيع ان يضبط مقاييسه كاتب يغلبه الانفعال او كاتب يكتب تحت تأثير ظرف خاص تدبر افكاره فيه سياسة معينة ، او مصلحة عاجلة وقد تباينت احكام النقاد على بنى امية وعصرهم ، فتكونت معارض شتى للاراء بعضها واضح وبعضها غامض ، وفى بعضها تفصيل وفى الاخر اجمال . ولكن الباحث المحلل الذي يرتفع بموازينه ومسابره عن مطارح الاهواء وبواعث الانفعال هو الذى يخرج من الميدان ظافرا بنتيجة ترضى الضمير النفسى ، ولا تعق الواقع الذي يدركه حق ادراكه الباحث المتعمق ، ويضل فى فهمه صاحب النظر السطحى أو صاحب النظر المدخول .

ولعل المناسبة الآتى ذكرها - وهي مثال للحرية فى تبادل الفكر ومثال للاعتزاز بالشخصية فى ميدان البحث وان اتحدث الوجهتان تلقي ضوءا متوهجا على بحثنا فى هذا الصدد ؛

قال لى كاتب الشرق الكبير الاستاذ عباس محمود العقاد وهو يحدثني عن هذا الكتاب عندما زار مكتب جريدة أم القرى ، وقد اكد لى انه قرأ مسوداته الأولى فى مصر عند الأخ عبد الشكور فدا : " ان الامويين - وهو يعنى بالطبع ملوك الدولة الاموية - يمثلون سلطة الملك العادل القوى " فقلت : " إذا نظرنا نظرة شاملة الى مجموعهم فالاولى ان نقول انهم ) إذا استثنينا سليمان ( كانوا يستبدون بهذه القوة " . واعتقد ان هاتين العبارتين تلخصان اسلوب السياسة التى كانت تتبع فى حكومة الامويين بوجه عام وهو اسلوب يدور على القوة ؛ سواء ادت هذه القوة الى عدل ام ادت الى استبداد ، وهي قوة اوحاها الظرف السياسي الذي عاشوا فيه ، ووكدها انهم اناس عمليون وقد احتاجوا الى القوة فى عصر الاعتزاز بالقومية وبعصبية القبيلة فاستعملوها لاقرار العزة العربية التى كان يتناوشها المتناوشون . وهى العزة التى صورها سليمان نفسه فى رده على اعرابى بسط لسانه فى نقد دولته فاجابه سليمان : " اما والله يا اعرابي ! لا تزال العرب بسلطاننا لا كناف العز متبوئة ، ولا تزال ايامنا بكل خير مقبلة ولئن ساسكم ولاة غيرنا ليحمدن منا ما اصبحتم تذمون " ) ١ (

هذه صورة مصغرة تقرب الى القارئ فهم طابع العصر الاموى بوجه مجمل عام ، وفى السطور التالية تفصيل وتحليل لعصر سليمان خاصة من الوجهة الاجتماعية :

احداث اثر عميق فى مجرى التفكير العام ، او ايجاد فكرة او نظام يتبين صلاحه ، يعد طابعا يطبع به محدثه عصرا مستقلا بميزته ، منسوبا اليه معروفا بشخصيته لاسيما إذا كان من احدث الاثر ملكا مرموقا او عظيما قوى الشخصية من عظماء التاريخ .

وهذا ما صنعه سليمان بن عبد الملك بعصره .

كان العهد الذى تقدمه من عهود ملوك الامويين من ابتداء يزيد بن معاوية ) ٦٠-٦٤ ه ( ) ١ ( الى انتهاء ملك الوليد بن عبد الملك ) ٨٩-٩٦ ه ( وهى مدة تضم نحو اربعين سنة - عهدا يغلب عليه طابع الحكم المطلق ، وهو طابع يمليه فى العادة ضعف المكانة او قلة ارتياح الشعب لحكم سائسه ، فكانت الرعية تشعر اذ ذاك شعورا قويا بالسلطة الاستبدادية وانانية افراد البيت الاموي وضغطهم الناشئ عن ذلك العنفوان ؛ ولكنها كانت تؤثر الاعتزاز بهذا الحكم بدافع الرغبة فى جمع الشمل .

وكان العهد الذى تلاه من عهود ملوك هذه الدولة اى من ابتداء عهد يزيد بن عبد الملك أو يزيد الثاني ) ١٠١-١٠٥ ه ( الى انتهاء عهد مروان ابن محمد أو مروان الثاني ) ١٢٧-١٣٢ ه ( ؛ وهى مدة تضم نحو ثلاثين سنة كانت آخرها خاتمة حكم الامويين ، عهدا يغلب عليه طابع الحكم المنحل أو الحكم الاتكالى وليس عهد سليمان كهذين العهدين

كان وهو وجيز المدة ، لا يزيد على اربع سنوات ) ٣ ( عهد الخلافة الموقرة والملك العادل المرهوب . كان عصرا يمشى فيه الحب فى قلوب الرعية الى جانب الاجلال فقد كان سليمان الملك الفاتح ، كما كان الملك المقيم العدل والمساواة المشروعة بين الولاة وغير الولاة ، وكان الملك المحاسب الدقيق ، كما كان الملك المعطاء السمح ، وكان يقيم شعائر الدين الحنيف الى جانب اقامته مراسم الملك المنيف .

سأس الشعب بقوة ومحبة وتفكير ، كما يفعل القائد المحنك بفرق الجيش الكثيف المتباعد الاطراف ، فسادت الرهبة اللذيذة التى تدفع الى الشعور بالرضا ، واعاد الى الامة العربية وثاقة الخلق السوى ، واطلق لهم حرية القول والعمل فهبت ريح الحرية والاطمئنان يتنسمونها فتدب بها الحياة فى ارواح كانت تتلقف نسيم الحياة

اشترك في نشرتنا البريدية