-٥-
شريط الحياة
لا مندوحة ، قبل الامعان فى تحليل شخصية هذا الملك الخالد ، من عرض صفحة تاريخية من حياته واعماله ، تستوعب هذه الحياة العملية كما يستوعب شريط سينمائى حياة بطل من ابطال الحياة العصرية ، وذلك لكى يقف القارىء اولا على صورة تاريخية كاملة لهذا المترجم لن نعلن عليها الا بما لابد منه لتوضيح جانب مستور ، وبما يندمنا جريا على عادتنا فى الكتابة حيث لم نعتمد كتابة مالا يتخلله التحليل أو النقد والتعليق .
واليك هذا الشريط مرتبا شاملا :
ولد فى سنة ٦٠ الهجرية الموافقة لسنة ٦٨٠ الميلادية فى مستقبل عهد يزيد بن معاويه ، وقيل انه ولد فى سنة ٥٤ هجرية . وقد نشأ فى خلافة جده مروان وابيه عبد الملك بن مروان بن الحكم ابن ابى العاص بن امية بن عبد شمس من اسمى قبائل الحجاز بل وسائر العرب . اما امه فهى ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث ابن زهير بن خديجة بن ربيعة ابن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عيسى بن بغيض من اسمى وابرز القبائل العربية فى نجد .
درس من صغره مسائل السياسة والحكم عن كتب دراسة مشاهدة وتمرين وكان نجيبا ممتاز الحداثة ، وزاد ابوه فى تثقيفه وكان يباهى بفصاحته وعقله فرشحه للحكم مع اخوته ، وولاه امارة الحج فى سنة ٨٠ ه وهو فى العشرين من عمره .
ثم تولى الخلافة بعد اخيه الوليد في منتصف جمادي الآخرة سنة ٩٦ ه فى ٢٥ فبراير سنة ٧١٥ م وعمره ست وثلاثون سنة على راجح القولين
قال الصفدى : " اتته بيعة الاجناد وهو بمشارق البلقاء ، فأتى القدس ، واتته الوفود بالبيعة ، فلم ير الناس وفادة احسن منها . جلس فى قبة صحن المسجد وقد بسطت البسط لديه والمخارق لديها والكراسى ، فيجلس ويأذن للناس ، فجلس الناس على الكراسى والوسائد ، والى جانبه الاموال والكساوى وانية الذهب والفضة والدواوين ، فيدخل وفد الجند ويتقدم صاحبهم فيتكلم عنهم ، وعمن قدموا من عنده ويقول : " ان من حال جندنا كذا ومن حاجتهم كذا وكذا ، ومما يصلحهم كذا ؛ فيأمر سليمان بذلك كله ، ثم يقبل على حاجته فان ساله زيادة فى عطائه وبلاغا فى شرف امر الكتاب ، فما يطلب احد شيئا الا نوله مرامه " .
بدا اعماله باكمال عمارة المسجد الاموى الذى شرع فى بنائه اخوه الوليد ولم يتمه . وبارجاع الصلوات الى أوقاتها وكانت تؤخر
ورد المظالم على اصحابها
وعزل عمال الحجاج لبطرهم وسوء سيرتهم . وولى على الامصار رجالا عادلين صادقي العزيمة ، مامولى الخير اشتهر اكثرهم بالنبل والأفدام والسداد
فولى على خراسان ، وهواهم قطر كان فى زمن بني امية ، يزيد ابن المهلب ابن ابى صفرة الأزدى ) وقد افردنا له فصلا خاصا فى هذا الكتاب لخطره وتفوقه ( ، وقد كان على هذا القطر وكيع ابن ابى سود ، من قبل الوليد ، ثم اقره سليمان ، وهو الذي قاتل قتيبة ابن مسلم عند ما جهر بخلع الخليفة فقتله ، ولكن وكيعا ليس بالكفؤ الذى يسد قطرا كخراسان يحتاج الى حنكة القواد واناة السياسيين ، ورحابة عقل الوجهاء . ولم يكن هذا الرجل اكثر من بدوى شجاع متهور يصلح ان يكون زعيما لفرقة او لقبيلة كما كان شأنه ، فابقاه سليمان على زعامته ارضاء لمن وراءه من القبائل ومكافأة له على
مناوأة القائد المتغطرس الخارج على الدولة ) قتيبة ( وسلم شؤون القطر الداهية الغطريف والسائق اللبق يزيد بن المهلب فاحسن تدبيره .
ثم امر سليمان يزيد بفتح جرجان وطبرستان ففتحهما ، وقد كان يتفزه عليهما وهو عنده بدمشق ، قبل ان يوليه خراسان ، فكان كلما فتح قتيبة فتحا يقول ليزيد : الا ترى الى ما يفتح الله على قتيبة ؟
فيقول يزيد : ما فعلت جرجان التى قطعت الطريق ؛ واخذت تومس ونيسابور ؟ ويقول : هذه الفتوحات ليست بشئ ، الشان هي جرجان . ولما فتح يزيد هذا القطر العظيم كتب الى الخليفة يخبره بان مقدار خمس الخمس لهذه الغنيمة هو مبلغ ستة آلاف درهم
ستة آلاف الف أو ستة ملايين من الدراهم هو خمس الخمس من غنيمة هذا الفتح الواحد ، فاذا رجعنا إلى مبلغ محصول الغنيمة الاصلى وجدناه عبارة عن مائة وخمسين مليونا من الدراهم ، واذا كان الدرهم عبارة عن جزء من ثمانية واربعين جزءا من الجنيه المصرى على وجه التقريب ؛ كان مبلغ الغنيمة بالجنيهات المصرية ثلاثة ملايين وخمسة وعشرين الف ) ٣٠٢٥٠٠٠ ج م ( جنيه مصرى ، وهو محصول فتح بلد واحد ، هما بالك بمحاصيل غيره من الفتوح وقد كانت تتوالى فى زمن سليمان يوما اثر يوم ? وما بالك بمحاصيل الأتاوات والخراج والجبايات والتجارة الواسعة الاكناف فى هذا العهد القريب المدى الذى لم يكمل سنتين ونصفا ؟ بينما قدر بعض المؤلفين خراج الدولة الفاطمية بمليونين وأقل من ربع مليون من الدنانير ، وعد هذا المقدار ثروة ، وعد ذلك العهد عهد رخاء وعدل وطمانينة وسعادة لم تر مصر مثله منذ عهد عمرو بن العاص !
ومن هنا نستطيع ان نلمس فداحة غنى سليمان وغنى خزائن الدولة فى زمنه .

