لا اذكر رغم صفاء الذاكرة ، كيف ومتى عرفته ، ذلك ان الصداقة التى ربطت بيننا تابى ان تحددها بداية .
لم تزل بخاطرى منه رؤيا ، رؤياه الاولى ، رؤيا لم ينل منها تقادم العهد ولا تفاقم الداء المزمن الذى ظل ينخره سنين طوالا .
عرفته مريضا لا يتحدث عن مرضه الا كما يتحدث المرء عن الصحو او عن رداءة الاحوال الجوية ، فى غير شكوى او توجع ، حتى كأن مرضه عرض خارجى لا يمسه الا من بعيد . ولذلك كان لا يقتصد فى انهاك صحته المتداعية على غرار الكثير من شعراء العصور الحديثة الذين جربوا وجربوا فى سبيل تبصر انفذ واطلاع اشمل فاذا حياتهم ماساة الماساة . . .
وعلى العكس من الشعراء المرضى ، لا تجد فى شعر مصطفى خريف وهنا ولا تشاؤما ولا انحلالا ، فاذا كان الشعراء المرضى يغرقون فى رومانطيكية ضبابية تكثر فيها الاوصاف والنعوت الحزينة ، فان الكلمة الغالبة على اسلوبه ، البارزة فى تراكيبه هى الفعل . الفعل بما فيه من ايجابية وعمل وحركة ، وحتى فى القصائد الوصفية الصرف كثيرا ما يحتل الفعل مكان النعت .
مصطفى خريف من هو ؟
شبح كان يعبر انهج الاحياء العصرية ويجول بازقة المدينة القديمة التى كان يعرف تاريخها وما جرى بها من احداث من عهد الاحتلال الاسبانى الى الاحتلال الفرنسى . كان لا يشبه احدا ولا يشبهه احد . قامة نحيفة مستقيمة فى جبة باهتة ، بدن متعب يستند الى عصا فضية الراس تزيد من اتئاد مشيته . ومع ذلك فانها ليست عصا شيخ ، انها عصا يهش بها على احلامه ورؤاه المبعثرة على الطريق .
حضر مرة احدى الامسيات الشعرية المقامة بدار الثقافة تولى تقديمها عبد المجيد بنجدو الذى ما ان رآه ضمن الحاضرين بالقاعة حتى حياه واستفتى الجمهور فيما اذا كان يرغب فى سماع قصيد (( لشيخ الادباء )) مصطفى خريف حسب تعبيره ، وتعال تصفيق حاد طويل وما كان من المدعو الا ان لبى الدعوة ، فاخذ مكانه من المنصة وقرأ قصيده الرقيق (( حورية الموج )) ولكنه ابى الا ان يعلق على دعوة بنجدو فى كلمة طريفة كرر خلالها مرات كلمة
(( ولدى عبد المجيد )) وعند انتهاء الامسية مال الى وقال انى احتج على بنجدو لتلقيبى (( بشيخ الادباء )) فهذه حلة ارفض لبسها فانا لست شيخا وعبثا حاولت اقناعه بان لقب شيخ الادباء يساوى لقب امير الشعراء بدون اعتبار للسن ، فمصطفى خريف يرفض الشيخوخة شكلا ومضمونا وجناسا ومداعبة .
قد يبدو الغيظ على وجهه الصغير المستطيل الشاحب ولكن سرعان ما تعاوده الابتسامة المعهودة ، ابتسامة يغلب عليها التهكم حينا والتصنع المقصود حينا آخر ، ولكنها تضفى دائما على ذلك الوجه حظا وافرا من البشاشة والقبول . ومن وراء نظارتين لا لون لهما ، عينان كانما اخفت من بريقهما طول التامل وتكاثف ما اختزنتاه من صور ورؤى ، وبصوته المتهدج المتقطع يعطى مصطفى خريف كل كلمة بعضا من ذاته ليبعث فيها الحياة ، فى احاديثه وتعاليقه ونكته التى تمتاز بالاقتضاب وتتسم بطابع الجدل .
اجل ، لم يكن شيخا ، فقد كان يؤمن بالشباب وبرسالة الشباب وبإمكانيات الشباب التى لا تحد ، وبقدر ما كان يبارك طموح الشباب وتحفزه ، كان ينقم عليه كلما ركن الى الميوعة والانخذال . ولذلك كان يلتف حوله الكثير من الشبان الذين كانوا يجدون لديه صدى وتجاوبا لما يفيضون به من حيوية وآمال ووعود . كل هذه العوامل كانت تجعل منه رجلا خاليا من العقد والمركبات مؤمنا بذاته وبفنه وبالعبقرية التونسية الخلاقة فى جميع الميادين .
لقد عرفت كثيرا من كبار الادباء - سنا لا قيمة - ممن يخشون على اركان سمعتهم الواهبة التى قد تتداعى عند هبة نفس جديد فهم يبخلون على الناشئة بكلمة تشجيع او بارشاد او باصلاح يحاولون جهدهم اطفاء بوادر النبوغ الباكر ، ولكن مصطفى خريف لم يكن من هؤلاء ، فقد كان لا يخشى ما يخشون . كان يؤمن بتطور الأدب وبضرورة تضامن الأدباء من جميع الاصناف والاجيال فى سبيل تقديس الكلمة .
عاش مصطفى خريف نصف حياته فى الحدود الفاصلة بين الحياة والموت فلمع شعره برؤى عجيبة وبحقائق جمالية وفلسفية اختص بالكشف عنها ، والشاعر الاصيل من اتاك برؤيا كونية لا ياتيك بها سواه .
مصطف خريف من شعراء الثلاثينيات ، قد صاحب الشابى وتجاوب معه ، ولكنه يختلف عن الشابى ويختلف عن بقية الشعراء ، ولعله الشاعر التونسى الوحيد الذى يمثل بحق اوج المدرسة الكلاسيكية الحديثة ، هذا الى جانب تفتحه لجميع المحاولات والتحارب الشعرية المعاصرة ، فقد كانت قابليته لاستيعاب كل تجديد وكل ابتداع وابتكار لا تعرف الحدود .
لقد سكت مصطفى خريف إلى الابد ، والشاعر الاصيل ارفع من ان نبكيه او ان نجتر بشانه عبارات الرثاء التقليدى الذى لم يعد يثير ولا يؤثر ، والشاعر الاصيل هو من لا يفتقده الا رفاقه الاقربون . اما القراء والاجيال
القادمة فلها فى شعره حضور حى يلهم ويوحى وينير وحشة الفكر فى مسالك الفن والحقيقة ، سنذكر مصطفى خريف لاننا سنحن الى جلساته الشيقة المفيدة ، سنذكره لان مقعده سيبقى خاليا . سنذكره كلما هبت انسام واحات الجريد فى ليلة قمرية ترتعش فيها غصون النخيل اهدابا يراودها الكرى ، سنذكره عند مرأى كل راقصة تموج غلالاتها الرقيقة ، سنذكره فى ايام الصيف على الشواطئ وعرائس الماء وعذارى البحر تحتضنهن امواج ظمآى طالما لثمت منهن الاقدام المعبودة ، سنذكره لدى مراى كل آية فنية ، كل طيف جمال :
ساغنى للايام نشيدى والايام تردده
فالشعر لسان القلب وصوت الحق وجيش ينجده
والشعر دم يجرى فى الشعب يقومه ويسدده
والشعر طموح مطرد ، طوبى لفتى يتزوده
اجل ، لم يكن الشعر عند مصطفى خريف ملهاة او مسلاة او لعبة فكرية ، لقد كان الشعر عنده مسألة جدية . ولم يكن الشعر عنده ابتذالا او دموعا رخيصة بل كان سراجا يهدى الانسانية فى طريقها الى الحق والفن والجمال ، ولذلك ستردد شعره الايام ، وسيذكره الشعب ما دام قد صب من دمائه فى عروقه .
1967/3/22
