الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

سهرة

Share

أهل هذه المدينة غريبو الاطوار . . فى الليل يرتدون ملابس الخروج وتبدأ رحلتهم الحالمة بين أنفاس العطر ورائحة الكحول المسكرة وأكل الشواء وانغام الموسيقى والحب . . أطياف من الاحلام لا تنتهى إلا آخر الليل..

الشارع بأضوائه القاسية أشعرها انها مفككة كاشعاعات هذا الضوء ...

شارع طويل مرصوفة على جوانبه دور اللهو ... أعين الاطفال مصابيح تزين هذه الدور . . .

- الى " صحارى سيتى " من فضلك . .

قالت صديقتها ذلك إلى سائق التاكسي بعد أن حدثتها عن ميزة هذا الملهى الطريق إلى " صحاري سيتى " صحراوى . . . ساكن ... ملفوف بوحشة حزينة ... يا لهذا الصمت الوحشي . . . كم تخاف الاشياء الساكنة . . إنها تثير فى نفسها جراحا ملغومة دون أن تعرف أسبابها . .

تململ السائق فى مقعده وأخذ يدندن بأغنية شعبية كأنه أخذ ينفض عنها الخواطر وينتشلها من خوفها وهو ينعطف بالسيارة نحو طريق رملية آخرى . . . والثلج يغزو أعماقها فيجعل داخلها صحراء جليدية قاسية . .

أوقف السائق السيارة بقوة زلزال مفاجئ . . انفتحت عيناها . . الوصول . . . نهض جسدها . . غادر ونزل . . احتواها الميدان . . لفحت وجهها نسمة مسائية نقلت لها عبيرا أزليا آتيا من بلادها الحبيبة . . مزقت غلاف الضباب عن عينيها . .

خيام منصوبة . . . تتبعث منها الموسيقى شرقية كأعذب ما يكون . . دخلتا خيمة . . استقبلهما النادل بابتسامة عريضة . . بالغ في الترحاب . . . لكنه اعتذر عن وجود مكان لهما . .

زرعت نظراتها فى العتمة الخفيفة . . . الاجساد البشرية تغطى المقاعد . . . نماذح بشرية . . . طاولات تسبح فى الضوء الخافت . . همس . . قبلات وخدر . . .

أصرت على البقاء . . . كان الامر غريبا عندما اقتربت منهم كان يبدو بين اسنان كل منهم قطعة من لحم أخيه أو جاره . . كان اللحم شديد الاحمرار . . وكانت نقاط الدم القانية تتساقط على الملابس والأرض والايادى . .

جالت بعينين غريبتين فى المجال المعتم . . الاشياء تتلاصق ... لمحت فى ركن قصى مقاعد لم يجلس عليها أحد ... احتلت اثنين منها هي وصديقتها ... في المكان المقابل نساء اجتمعن حول الطاولة بصدور نصف عارية ورجال من حولهن يمتصون بانتشاء رحيق العطر الباريسى ...

نساء رجال يقرعون كؤوس الوسكى ... يدخنون سجائر مستوردة يرتفع دخانها فى الفضاء يدور فى نصف دائرة يستقر مشيرا إلى أسفل ... وفجأة يرتفع صوت مسلوخ من وسطهم بنكتة فيضحكون ضحكات غير مكتملة الخلقة وبقايا قطع اللحم تبدو بين أسنانهم ...

بقيت مصبوبة فى مكانها مثل تمثال . . . عيناها واقفتان فى محجريهما كعيني قط محنط كل صور النهار قد اختلطت بذهنها . . تصطدم بمخيلتها ... صور شاهدتها أثناء تنقلها فى أزقة المدينة . . .

أزقة قذرة . . مسرح للبعوض المتقافز فوق الفضلات المنتصبة المحاذية للجدران قريبا من الابواب . . . أطفال بعيون غائرة يلعبون بعلب صفيح بجانب مجرى المياه القذرة . . لضحكهم البرئ مذاق مر ليست تدري هل كانوا يضحكون أم يبكون .. ؟

فى الازقة المزدحمة نساء شاحبات الوجوه ... زائغات النظرات ... مكدودات الحال تتجلى المرارة والكبت في كل حركة وايماءة من قمصانهن الحزينة الحالكة . . . جلسن وفي أحضانهن أطفالهن الهزل المرض يلقمنهم أثداء متهدلة شحيحة إلا من آهات الضياع والانسحاق والقهر . . . فتشع من مآقيهم دموع صامتة تتلألأ فوق الوجنات حباتها الكبيرة الخرساء . .

مر النادل بأطباق الشواء الى رجل بدين يجلس بالركن المجاور حذو فتاة تكاد تكون حفيدته . . . بدأ وجهه مجعدا ومحفورا كوجه تمثال بدائى ... يسحب أنفاسه ببطء . . . تبدو علاقته بالحياة على وشك الانقطاع . . .

البلادة تبدو على وجهه الممتلئ بينما ترتخى كرشه أمامه وهو يتنقل بأبهة زائفة كتمثال مسطح بين عقله الفارغ ووجهها الخمرى محاولا جلب انتباهها عن المغنى الشاب الذى يعتلى الركح . . ابتسم الرجل البدين لفتاته فى سعادة وهو يغمز بعينه الكبيرة الجاحظة كعين ضفدعة ثم طبع على عنقها قبلة طويلة لها صوت مقزز . . .

رسمت فوق شفاهها النائمة تحت لزوجة الاحمر اللامع الذي يغطيها ، ابتسامة مغصوبة . . مقتولة . . وفى العينين العميقتين مثل لطختي حبر أسود تنحبس تأوهات عديدة مقهورة . . . محبوسة . .

من خلال الجو الرمادى الذى كان يجوب فيه دخان أصفر باهت يغادر رئات الجالسين ... حاولت أن تخترق ستار الدخان وأن تتوغل في الاحداق ... فراغ ... انسانية مدفونة تحت ركام التوافه ... فظاعة ... منظر زرى ... أناس يموتون من الارتواء والتخمة ... والأخرون هناك فى الأزقة الملتوية القذرة يموتون من الجوع والعطش ..... ظلت عيناها مرتخيتين يخر منهما نهر عميق من الالم ... يعبث الضباب فيهما ... وصوت الاطفال ينمو في كيانها كنداء تائه مخترقا الضجيج والدخان ....

- الاعيان يسرقون ملح الارض... - يلتقطون اللقمة من أفواه الجياع ... - يخطفون لقمة الكادح ... - يرسلون خيوط الحقد طعاما إلى جوفه ... - يجلسون هم فى أحضان الكسل والنساء

ويبقى الفقراء يحملون على أكتافهم عبء الرغائب الصغيرة والاحلام التى لا تجد لنفسها متسعا فى الارض .....

اشترك في نشرتنا البريدية