الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

سوانح وبوارح، فى الأدب والفكر والفن

Share

أساليب النثر الادبي

مقالات ادبية خاصه لمجلة (( المنهل ) بجدة

القاهرة فى ١-٥-١٩٤٤ أخي العزيز . .

معذرة أن تأخرت فى الكتابة اليك ، فقد مرضت مرضا خطيرا طال شهرين . لقد اضعف المرض جسمى ، ولكنه صهر نفسى اتاح لي أن  استعرض حياتي الماضية فرأيتنى فيها بالسطح دون العمق تشغلني التوافه ، اطمح الى الاوهام ، فاخذت - فى مرضى - اتعرف إلى الغرض من الحياة واشتاق الى تفهم معناها ، فأجتهد أن جلى حقيقتها المغطاة بالاشكال والأسماء ، وابحث عن نقطة الاتصال بين الله والانسان ، كأن نفسي كانت نبعا مدففونا فتفجرت .

أشد ما يكون الانسان أقرب الى ربه فى مرضه وفى شدائده ، لانه يطلب النجدة فلا يجدها فى الاصدقاء والاقرباء ، وانما يطلبها ممن لا تحد قوته ، ولا تقصر قدرته ، ولانه فى مثل هذه المواقف تتكشف له النفس الانسانية فيراها ضعيفة بذاتها ، قوية بربها .

قلبت - اثناء مرضى - فى دفاتري القديمة ، فوجدتني قد نما عقلي وفتر قلبي ، وأقسم اني لم احزن على شيب رأسي كما حزنت على دبيب الشيب الى قلبي ، فالقلب صلة الارض بالسماء ومهبط الوحى من السماء الى الارض ، والقلب هو الحب ، وهو الانسجام ، وهو الجمال . والقلب هو الدين وهو الاخوة وهو الانسانية ، وما الحياة بغير هذا كله ، أن العالم لم يسعد بنمو العقل بقدر ما شقى بضعف القلب ، انما هدى فى الحياة من العقل ، انه منبع السرور والالم ، انه منار الحياة .

وشغفت فى نظري - فى مرضى - بنوع من الصلاة لطيف ، أن امجد الله فى جمال الطبيعة ، واعبده بالنظر الى سمائه وأرضه وفى جميع خلقه ، واقرأ فى كل ذلك فما دونه أى فن ، وقلبا ينبض بالحياة ، موسيقى أنغام وجمال انسجام ، والبراعة فى التكوين ، وتدرجا فى الارتقاء ، وحياة متشابهة فى الجميع ( أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) .

الى أن يقول الاستاذ أحمد أمين فى رسالته لصديقه :

آسف لاني حدثتك كثيرا عن نفسى ، على كل حال احسب صداقتنا تسمح لك أن تسر بجدى وهزلي ووقارى ولغوى .

اكتب لى كثيرا فكتبك تقع منى موقع الماء من ذى الغلة العادى .

اهلك وأصدقاؤك بخير يسلمون عليك .

وبدراستنا لهذه الرسالة التى كتبها اديب كبير من أدباء العصر الحديث تمرس بفن الكتابة على نحو رضي عنه الخاصة

والعامة ، نجد أن موضوعها يكاد يكون مقالا وهذه طبيعة من طبائع ادب الرسائل التى يكتبها العلماء والادباء فانهم يقصرونها على الافكار والتأمل ، فاذا نظرنا إلى هذه الرسالة من الناحية الشكلية ونعنى بالشكل ههنا طريقة الاداء والاسلوب ، تبين لنا الامور الآتية :

١ - تصلح هذه الرسلة لتكون نموذجا لكتابة احمد أمين واسلوبه كان اقرب الى اسلوب المؤلفين منه الى اسلوب الادباء الفنيين الذين يعنون بجمال النثر وروعة التعبير .

٢ - تبدو المزاوجة المعنوية فى بعض مواقف الرسالة ، وهذه المزاوجة قليلة فى فن احمد أمين وايراد الجمل بتكرار المعنى أمر يكاد يكون عاما فى النثر العربى قديمه وحديثه وقد قل فى النثر الحديث من يرسل الجملة مقررة بمعناها دون أن يعقب عليها بجملة أو جملتين فى تكرار المعنى او ما يشابهه من المقاصد .

٣ - تصفو نفس أحمد أمين أثناء مرضه فيتأمل فى اسرار الحياة . والمريض يلجأ الى الله اذ يشعر بمثل شعور الكاتب ابان مرضه .

٤ - يدخل الكاتب فى رسالته موضوعا نفسيا تأمليا ثم يخرج منه ليودع صديقه فى آخر الرسالة معتذرا له اذ تحدث عن نفسه .

٥ - لو حذف صدر الرسالة وآخر الكلام فى الرسالة لكان الباقي قطعة ادبية فكرية من مقال .

اشترك في نشرتنا البريدية