الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

سوانح وبوارح، في الأدب والفكر والفن

Share

مقالات خاصة بمجلة . المنهل . بجدة

خصائص الاسلوب في الشعر الحديث :     تختلف أساليب الشعر باختلاف فنونه، وعلى ضوء القواعد الأصولية التى وضعها أئمة النقد ينبغى لنا أن ننظر الى خصائص الاسلوب فى الشعر الحديث .

فاللغة التى كان يفضلها القاضى الجرجانى صاحب (( الوساطة بين المتنبى وخصومه )) هى تلك التى (( تسمو عن السوقى ولا تصل الى الوحشى )) وقد اختار الجرجانى، البحترى، وجريرا ، وذا الرمة ، ومتغزلى أهل الحجاز ، أمثلة للشعراء الذين كان شعرهم غنيا بروعة اللفظ وكان يدل على صدق الطبع ومقت التكلف والصنعة الثقيلة .

وكان (( ابن قتيبة )) يطيل مواقف نقده وتحليله عند أساليب الشعراء فيرى فيهم ، المتكلف والمطبوع ويجد للشعر دواعى ، منها : الطمع ، ومنها الشرف ، ومنها الطرف ومنها العبث .

وأما قدامة بن جعفر الذى عاش ينقد النثر والشعر ويخط لهما خطط السلوك فيرى أن يخضع الشعر لاربع قواعد عامة هى :

١ - ائتلاف اللفظ مع المعنى ٢ - ائتلاف اللفظ مع الوزن . ٣ - ائتلاف المعنى مع الوزن ٤ - ائتلاف المعنى مع القافية

وابن قتيبة يد ل على الشعر المطبوع حتى يجد (( المطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافى وأراك فى صدر بيته كيف تجىء قافيته ، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشى الغريزة ))

تلك خلاصة أقوال علماء النقد فى شعر العرب وهم مجمعون على أن الشاعر المطبوع هو الذى يجمع بين صحة اللفظ وجمال التركيب وروعة المعانى ، غير ان نقاد عصرنا راحوا ينظرون الى الشعر نظرة ابداعية بأكثر مما نظر الأوائل فأرادوا له ان يعبر عن خلجات الشعور . وانتفاضات الأحاسيس، وأن يكون فى هذه الحياة مرآة البدائع ليمشى فى مواكب الفنون فى الطليعة .

وان الأوائل المحدثين يجمعون على العناية بسبك الكلام وصحة التعبير فى الشعر مع وجود المعانى التى يحيا فيها الخيال وتبدو تلاوين الصور وتموج الفكر والتأمل والشعور والموسيقى .

يقول الاستاذ أحمد الشايب (١) :    (( ان الفن الشعرى الواحد يختلف أسلوبه باختلاف معانيه وأنواعه ، فالنسيب الوصفى يخالف الشاكى الحزين او الثائر ، وكلاهما

يختلف عن القصص ونحو ذلك يقال فى المديح والحماسة والهجاء ، وأن لشخصية الشاعر تأثيرا فى لون الأسلوب فتضيف هذه الشخصية اليه مزايا خاصة فوق هذه المزايا الموضوعية العامة ، فرقة النسيب أو العتاب قد تتوارى خلف قوة الشخصية وجفافها . ))

وان الاختلاف العام الذى نشعر به فى الأساليب ، يبدو فى الكلمات ، والصور والتركيب والعبارات مع طيف موسيقى عام، هو فى الأصل من عبقرية الشاعر وموسيقى نفسه الشاعرة .

وكانت محاولات القدماء والمحدثين فى تصنيف أنواع الشعر فى لفظه ومعناه وأغراضه ، مجمعة على الملاءمة بين اللفظ والمعنى ، وبهذا أخذ أبو تمام حين انتخب نماذج من شعر العرب وضعها فى(( ديوان الحماسة )) وكذلك فعل الشاعر محمود سامى البارودى حين انتخب نماذج من الشعر أيضا طبعت فى مجموعة سميت ((مختارات البارودى))

وحين تكلم الأقدمون على فنون الشعر قسموها الى نسيب ومدح وهجاء وفخر ووصف والى غير ذلك . وكانوا حين يتحدثون عن الاساليب فى الشعر يقتصرون الكلام ولا يصبونه على الاحوال النفسية وتحليل المشاعر العميقة . ولكن نقاد العصر الحديث وخاصة فى الآداب الغربية يرون للنفس دخلا كبيرا فى الشعر وأساليبه فالغضب والسخط ينتج عند الشاعر أشعار الحماسة والتهديد ، والهجاء والشكوى ، والاعجاب ينتج المديح والوصف الجميل ، والحب ينتج شعر الغزل ، والمديح ، والشكر والازدراء مثل البغض ينتج الهجاء والتهكم

واللمز والحزن يكون منه الرثاء والعتاب والفجائع ، والطرب ينشئ الفخر والخمريات ويمكن تقسيم الاساليب من حيث القوة أيضا الى أساليب عنيفة كالحماسة وأساليب رقيقة كالغزل ، والنسيب والعتاب ، وأساليب تكون وسطا كالمديح والهجاء ، وأساليب يبسط عليها الهدوء جناحه حينا كوصف بحيرة هادئة وروض مزدهر وحينا تكون روحها ثائرة كوصف الحرب والموج المزيد والعاصفة .

ولعل لاتصال العالم العربى بالعالم الغربى صلة وثيقة فى تطور أساليب الشعر العربى الحديث فلم تعد تسيطر على الشعراء المحدثين تلك النماذج القديمة فى القصيدة الواحدة بموضوعاتها المتعددة ، وانما صاروا يأخذون قصائهم بوحدة الموضوع يستوفون فيها أغراضهم المتماثلة لا المتعددة ، وسيطرت عليهم عواطفهم وحياتهم النفسية وسيرة

شعوبهم وما كان فى تاريخها من حوادث وطلت النماذج الغربية مثالا لهم للاقتداء فتأثروا بما فيها من فن الالفاظ الموسيقية وتلاؤمها فى الوزن والمخارج الصوتية .

وكيف كان أمر الأساليب فى الشعر الحديث فانها لم تأت بجديد حتى الآن ، وظلت منسحبة على أذيال الماضى ليس فى امكانها مغادرته ، لان صلة الادب القديم بالأدب الحديث وثيقة تكاد تكون من مقوماته وهى فى الحقيقة تراث عصور مديدة ولاقيمة لأدب حديث اذا لم يقم على أسس فنية ثابتة فى تاريخه الأدبى .

غير أن الشعر الحديث قد تخلص أوكاد من الألفاظ المرصوفة والجمل التقليدية وأصبحت ألوانه الزاهية الجديدة تعطيه وصفا خاصا بأنه شعر حديث .

دمشق

اشترك في نشرتنا البريدية