الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

سورة الانتخابات،

Share

قال محدثى وقد غمرته موجة من الحماس وعلا وجهه قطوب وازدحمت الكلمات فى فيه قال . وياهول ما قال ، فى حدة وانفعال

انتم يارجال الدين ومن قد اخذ الله عليكم العهد والميثاق فى التبيان ونصح الضال وكشف الحقيقة عن طلبة الباطل ، قد والله فرط فيما اؤتمنتم عليه ، وسوف يطول امام الحق نقاشكم ويعسر حسابكم . . قلت خيرا ياصاح ، وماذا عسى ان يكون الخبر ؟ أى ذنب جناه رجال الدين ؟ وأى اثم اقترفوه ؟ انهم لن يعدموا من المنصفين نصفة ! كما أنهم يسالون الله العفو والغفران ، فما من أحد الا وقد فرط فى جانب الله وقصر . ولكن انت مالك وهذا الحماس الدفاق الذى لم ألحظه فيك منذ عرفتك ومنذ وصلت حبالنا الايام ؟ هل من طارئ ياصاح ؟ وهل من جديد غير من شأنك ؟ لقد بلوت فيك برودا يجعلك فى صفوف الجبناء ؛ لا مؤاخذة ! لا بل عرفت فيك أناة وجلدا على احتمال المكروه فما بالك اليوم تطالعني بهذا الجفاء ؟ وهذه الحملة الشعواء أعيذك بالله أن تكون من الجاهلين !

قال محدثى بعد أن استمع الي أتمم عباراتى وقد احتملنى - والحق أقول اذ لم أكن قبل اليوم قد بادأته بمثل هذا الاحتجاج العارم ، ولم أكن

قبل حملته على قد جابهته بما يكره ، وكنأنه ادرك غلطته ، أول لعله دار بخلده قول الله تبارك وتعالى : ) وجزاء سيئة سيئة مثلها ( وادرك انى قد انتصرت لنفسى ومن أجل ذلك لم يعد الى مثل حملته بل تلطف فى الرد ، واستثار شعورى اذ قص على قصته ، وهي فى الواقع قصة كل مسلم تملكته الغيرة على دينه ان يخدش وعلى أسسه ان تعمل فيها معاول الهدم والتخريب . قال محدثي : - بعد ان داعب خبايا ثوبه ، واخرج لى صحيفة تدعى * بالصحيفة " وتصدر فى الكاظمية . ورمى بها الي قال :

- دونك هذا العبث ، والاستهتار ، بكلام الله جل جلاله والتجني عليه . وأخذت الصحيفة أقلبها ، فلفت نظرى هذا العنوان : سورة الانتخابات . تحته رسوم كاريكاتورية لنواب مجلس الامة ! !

وقرأت العنوان بفتح السين وسكون الواو هكذا : ) سورة ( فرد على محدثى قائلا انه سورة ) بضم السين ( !

وهي معارضة لور القرآن ولم ينصرف ذهنى الا إلى المعنى الأول : الحدة والشدة فى الانتخابات ولكنى عندما قرأت سطورا بعد العنوان ادركت ما يهدف اليه الكاتب ، وهي المحاكاة فعلا لسورة من القرآن وهي سورة : ) قل يا أيها الكافرون ( اذ ان كل ما أورده الكاتب على نسقها .

ثم ختمها بقوله : لا نعبد ما تعبدون ، وذيله ب : " صدق الله العظيم " محاكاة لقارئ القرآن اذ يختم تلاوته . عندئذ

عظم الامر فى نفسى وعلمت سر حماس محدثي ومر بخاطرى فى تلك اللحظة قول الله تبارك وتعالى : ) واتقوا فتنة لا تصيبين الذين ظلموا منكم خاصة (

وتذكرت حادثا لبعض الأمم الماضين جاءت به الاخبار خلاصته أن الله تبارك وتعالى أمر بهلاك قوم من العصاة فبهم بعض الاخيار فقالت الملائكة : يارب ان فيهم فلانا العابد ، قال الله تعالى : " فيه فابدأوا ، إنه لم يتمعر وجهه في يوما قط " أى لم يغضب يوما لانتهاك حرم الله وتعدى حدوده : وسبح بى التفكير فى تنائف بعيدة المدى فعرض فى خاطرى حادث جمع الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام وقيامه فيهم خطيبا بقوله : ) انه لم يكن نبى قبلى الاكان حقا عليه أن يدل امته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم من شر ما يعلمه لهم وان أمتكم هذه جعل الله عافيتها فى أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تكرهونها وتجيء الفتنة يردف بعضها بعضا ، فيقول المؤمن هذه مهلكتى ثم تنكشف ويجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتى وتجيء الفتنة يرهق بعضها بعضا فمن أحب ان يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلنأته منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر (

مر بخاطرى وعرض لذهني كل هذا وغيره فلبثت واجما استعرض مدلول هذه الاخبار وأطبقها على ما نلاحظه كل يوم من الفتن ومجالب النقم وما يطالعنا بها المفتونون والمخدوعون بالمادية وزخرف الدنيا وغرورها من العبث بمقدساتنا ، والتجنى على رأس مال المسلم الا وهو

الدين ، ففي كل يوم لهم طابع جديد يحاولون به الصد عن سبيل الله والبعد عن هدى الراشدين . . بقيت فى سبحاتى فترة طويلة ثم حاول محدثي أن يخرجني من هذا الصمت الطويل ويستطلع رأيى فى موضوع سورة الانتخابات . فقال :

- كأنك قد أخذتك الرحضاء لهول المفاجأة

فقلت : أي والله وحز فى نفسي أن يكون فيمن ينتسبون الى الاسلام من تصدر عنهم أمثال هذه الألاعيب والسخرية بكتاب الله ربهم يضعونه فى هذا الاطار الهزلى المقيت كى يتخذوا من هذا العبث تسرية لنفوسهم المريضة ، وحافزا للضحك والمجون والتفكهة . ووالله لو كان هذا القرآن خطبة لعظيم ، أو حديثا للمحظوظين والمرموقين لرفعوه على الرؤوس وعلقوه فى الالواح فى صدور المجالس اعتزازا به واكبارا

قال محدثى : ) نعم فعلوا ذلك ( ولكن اريد كلمة الدين فى عمل كهذا وهل يبقى معه ادعاء إسلام وتمشدق بأيمان ؟

قلت : لقد قص التنزيل حادثة مشهورة لبعض المنافقين فى عصر النور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واشهر كفرهم على ما اجترحوه من السخرية بالرسول الكريم . وتفصيل الحادثة : ان اناسا من المنافقين قالوا منصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك : انظروا الى هذا ، ويعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سوف يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات !

فبلغ رسول الله صلى الله وسلم وجاؤ اليه يعتذرون ويقولون انما كنا نخوض فيما يخوض فيه الركب نقصر به الطريق فوبخهم الله تعالى على صنيعهم وأعلن كفرهم وانزل بشانهم قوله تعالى : ) قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم ( ولا فرق بين من يهزل برسول الله أو دين الله وشرعه وكتابه وآياته ، ولقد عد أئمة المحققين كل ذلك وما جاء على غراره - عدوه ناقضا من نواقض الاسلام وقالوا بعدم الفارق بين من يأتى ذلك جادا أو هازلا أو خائفا الا ان يكون مكرها فيعذر ، مستدلين بآية : ) الا من أ كره وقلبه مطمئن بالايمان

قال محدثي : واذن اتفقنا ولقد كان هذا حافز ما لحظته على من سورة الحماس والتجني عليكم يارجال الدين

قلت : عفوا يا صاح فلأنت والله مثالى النزعة فى زمن ندر فيه المثاليون وعز فيه الغير ،

ووفاء لهذه الغيرة واعجابا بهذه المثالية والاخلاص . المتغلغل في نفسك للدين والمقدسات الاسلامية سوف اعلن هذا الحوار على الملأ وافرد له حديثا أخص به مجلة ) المنهل ( الغراء فى هذه الآونة التى تملا فيها جموع الحجيج بلد الله الحرام . فرب مبلغ ادعى . من سامع . والله الهادى الى سواء السبيل .

اشترك في نشرتنا البريدية