إنها مدينتنا تستوجب منا الخدمة والتعظيم ، أنبتتنا فغذانا هواؤها وماؤها ، وآوتنا دورها وأحياؤها وفتنتنا طبيعتها الساحلية بشواطئها الذهبية اللازوردية ، وعلمتنا مدارسها حب الحياة ولذيذ طعم الكد وعشق الوطن والاهل والدار ، فعز علينا فراق سوسة ساحرتنا كلما تجاذبتنا الفرص خارجها فى بلاد الغربة ، فشرعتنا حب أرضها الطيبة التى فتنت كل مقيم وغازل بها من أهلها وقصادها عبر الزمان .
انظر معالمها العتيقة من دوامسها الى سورها ، وزر قصر رباطها ومسجدها الكبير ، وتجول فى قصبتها ومتحف فسيفسائها ترحل ببصرك وخيالك عبر الايام فى مسيرة تاريخية حضارية شيقة ، فتسترجع ذكريات الاجداد ، وتتوغل فى صميم ماضيك حتى تنحدر الى القرن الحادي عشر قبل الميلاد حينما أرست سفن بونيقية على شاطئ سوسة ، فطاب لنوتيتها وأربابها المقام بأرضها ، فأسسوا مرفأهم التجارى ، ثم تعاقبت بعدهم امبرياليات نسفت حضارات وشادت على أنقاضها حضارات أخرى من الرومان الى الوندال فالبيزنطيين ، ثم جاء الفتح الاسلامي وتلاحقت الدول بافريقية وتركت آثارا نشهد بعظمتها حتى نكب وطننا فى عهد البايات بالاحتلال الفرنسي فتوهم الاغراب أن هذه الدار لهم قطعة من ترابهم اللاتينى فتصرفوا فيها تصرف الغزاة الاسياد حتى جاء المنقذ النصير للحق ، فجمع شتات الامة ، وفك اسارها ، وخلصها من عذاب الاغتراب فى وطنها ، وشاد دولة الشعب لاول مرة فى تاريخ تونس ، فحظيت سوسة بعديد من انجازات العهد البورقيبي ومازالت تتطور وتزدهر فى ظله .
وما قصدت ربط الماضي بالحاضر الا لتواجدهما على أرض سوسة فى هذه الرحلة التاريخية حيث تتاح للمتأمل فى أرضها ومعالمها فرصة التوغل في صميم الماضى وهو مرتبط بحاضره مدفوع نحو مستقبله محاط بمرافق الحياة العصرية والمنشآت الصحية والترفيهية والاجتماعية بأصنافها ، والثقافية والرياضية والسياحية والصناعية والتجارية والعمرانية السكنية التى تكاثرت وتعاقببت بسرعة مذهلة منذ عهد الاستقلال وما زالت في نموها مطردة بمن من الله وعزم أهل المدينة .
سوسة التى تهز مشاعرنا قريبة وبعيدة مناظرها رخارف ابداع تروق محبيها وزوارها وتهدى لكل راغب فى معرفتها فشكلها الحالى يعكس على أرضها ماضيها وحاضرها ومستقبلها .
انها تعيش اللحظة الواحدة فى الماضى بآثارها ومعالمها ومعابدها ومنتوج حفرياتها وتقاليد الاجداد وروح الابطال كما تعيش فى الحاضر واقعنا بسهولة استيعاب التمدن وبيسر احتضان محدث المنشآت ، وتواجه المستقبل بخيال مجنح يولد المشاريع ويخلق الامكانات .
وقد أصابوا عندما لقبوها جوهرة الساحل اذ أنك من حيث قاربت هذه المدينة الساحلية المشمسة السابحة في عذوبة الضياء المنحدر من سماء زرقاء نادرة التغيم بدت لعينيك كعرق لؤلؤة ناصعة البياض فى عمق لازوردى بشاطئ بهيج ذى رمال ذهبية .
ومتى تأملت من بعيد هذه الدرة الفريدة التى أودعها على الساحل بكل لطف تدبير العناية الالهية ، فنعمها بدرج حلى من خضرة المنتزهات وحدائق دور الاحياء وأحاطها من جانب الغرب بغاية الزيتون تملكك شعور بالروعة والذهول .
وبتفتحها شرقا على ضفة البحيرة السخية لحوض البحر الابيض المتوسط - وهو مهد الحضارات - ثم بحرصها الكبير على أن تتحمل بكل دقة واخلاص قدرها المتمثل فى كونها عاصمة لاكثر الجهات حيوية فى بلاد المغرب لعبت سوسة دورا هاما عبر التاريخ وما زالت على ذاك الدرب مواصلة دورها الحركى .
سوسة تلك المرآة الصافية التى تعكس لناظرك صورة بلاد وجدت فى ملتقى الطرقات فكانت موطن اللقاءات تهبك علم الارض ، فتأملها جيدا من جهة المتحف فى موقعه الحالى .
فى هذا المتحف المهيا بعد الحرب العالمية الثانية لحفظ نفائس الحفريات وبالخصوص الفسيفساء العجيبة ببهاء ألوانها وأصالة ايحاءاتها الافريقية التونسية وطريقة صنعها كما فى اللوحة المشخصة لانتصار ديونيزوس بتنضد بوضوح طبقى ظاهر للعيان عديد من المستويات الحضارية التى تعاقبت على المدينة .
في مدخل تلك البناية المندمجة في القصبة والكائنة حذو قاعدة البرج الاغلبي الذي بناه خلف الفتى مملوك زيادة الله بن الاغلب فى أواسط القرن الثالث للهجرة = التاسع الميلادي = كشفت حفريات سنة 1959 عن أنفاق قبرية بونيقية فأمكن تاريخها بالاستناد الى اثاث المأتم وثلاث قطع نقود قرطاجنية وجدت على صدر الميت ونقش على وجهها تمثال نصفي وعلى قفاها رأس حصان، ويرجع عهدها الى القرن الثالث قبل الميلاد - وينخفض مستوى تلك الانفاق القبرية المشاهدة فى احدى قاعات المتحف عن مستوى الآثار الرومانية المتأكد من وجودها فى نفس المكان بفضل بقايا فسيفساء بني فوقها الجدار الغربي .
وشهد حصن القصبة حيث هيئ المتحف الحاضر تعاقب الدول التى حكمت البلاد ثم استعمل فى عهد الحماية معسكرا للجيش الفرنسى ، أما الآن فقد وجد اختصاصا جديدا ثقافيا وأثريا فنيا ، وهو بناظوره لا يزال يواصل انارة الافق البحرى .
وتطول المناقشات حول أصل المدينة فيتساءل الباحثون أكانت فى بداية نشأتها بربرية أم بونيقية لان الوثائق المتوفرة لهم فى هذا المجال قليلة مختصرة - الا انك تستطيع اعتبار تأسيسها قد تم منذ ما يزيد عن ثلاث آلاف عام من جراء مغامرة سارة أقدم عليها شعب من الملاحين المهرة ومن التجار الجسورين أعنى البونيقيين الذين خرجوا من مدينة صور ببلاد الشام واعتادوا الملاحة الساحلية فأرسوا سفنهم في المياه الدافئة على شواطئ المنطقة التى كانت تدعى قديما بيزاسين فى موقع بندة بربرية حسب الظن .
انهم لقبوا حضرموت ذاك المرفأ الآمن فعد من مرافئهم التجارية الاولى على الساحل الافريقي واعتبر فى البداية سوقا لتبادل البضائع ، ثم صار فيما بعد مستعمرة توطينية بنيت قبل تأسيس قرطاج فى موقع سوسة الحديثة بجنوبى الرصيف الحالى لبرج خديجة - وقد تحملت حضر موت قدرها كمدينة وديعة مزدهرة فسطع نجمها - وهذا يجعلنا نتساءل هل حققت بتصرفها
الذاتي في مصالحها استقلالها عن قرطاج ؟ اننا لا نستطيع الجزم بذلك - فقد بقى استقلالها الادارى وهميا أوان السلم وأكثر وهما أوان الحرب تحت الضغط الاقتصادى والسياسي والعسكرى المسلط عليها من العاصمة القرطاجنية القوية وورثت سوسة من تلك العهود المزدهرة عن مؤسسيها المشارقة القريبين من البربر روح الاقدام وتعلقا كبيرا بالاتجار لكن اتجار أهلها كان سمحا فيما يبدو .
وأرضها المحتوية على المعبد البونيقى " التوفات " Le Tophet المكتشف فى سنة 1946 تحت الكنيسة التى كانت قبل الاستقلال قائمة قبالة المسجد الكبير فأظهرت حفرياتها أنصابا وأوانى وعظاما حولت رمادا بالحرق وعرضت فى المتحف تشهد بقساوة شريعة تانيت وبعل حمون التى فرضت على الاتباع فى طقوس الازمان الاولى قرابين من صغار الاطفال يلقى بهم فى النار .
وبعدما أصبحت حضر موت مع قرطاج منافسة لروما عرفت التقلبات التى أوجدتها الحروب البونيقية طوال مائة وثمانى عشرة سنة من سنة 264 الى سنة 146 قبل الميلاد - وهذه السنة الاخيرة شهدت احتلال روما لقرطاج بعد تدميرها فى أعقاب حرب طويلة - وبالرغم من صمودها فى الحرب البونيقية الثانية فى عهد حنبعل نجت حضر موت من الثأر الرومانى .
أما رجوع حنبعل الى افريقية فقد تم بكل سرعة فنزل ذاك القائد العظيم سنة ثلاث ومائتين (203) بلمطة على الساحل فى جنوب سوسة ومنها قصد حضر موت بعدما اضطر الى فك الخناق المضروب على روما عقب اجتيازه جبال الآلب على أفياله فى مسيرته الملحمية ضد الرومان الذين وجهوا جحافل شبيون Scipion الى قرطاج لمشاغبة حنبععل ومقاومته على أرضه عندما شعروا بتهديد جدى لكيانهم فى عقر دارهم .
وآنذاك اتخذت المدينة خزانا للحبوب وملجأ لقيادة حنبعل وقاعدة انطلاق لعساكره التى كانت تخوض بجامة فى منطقة الكاف معركة حاسمة ضد جيش شبيون الافريقي .
واذ كان الاهالى لا يستطيعون فى زمن الحرب النجاة من الجور فان حضرموت التى هزتها تعسفات مرتزقة القائد الكبير استخلصت العبرة من الاحداث عقب الحرب البونيقية الثانية عندما أرغم حنبعل بسوء حظ السلاح على الهجرة الى المشرق حيث مات .
واذا استطاعت المدينة ان تلازم الحياد اثناء الحرب البونيقية الثالثة فقد تحصلت من المنتصرين الرومان على امتياز المدينة الحرة فى افريقية المنقادة تماما آنذاك للسلم الرومانية المحروسة الحدود بحزام قوى سمى " الليماس " .
ومنذ ذلك العهد عرفت حضر موت فترة هادئة حتى أوان انتقال التطاحن على الحكم بين بومبي وقيصر الى افريقية .
وفي مطاردته عساكر خصمه نزل قيصر سنة سبع وأربعين قبل الميلاد حضرموت فسلط على المدينة جزية قوية عقابا لها على احتضانها أنصار منافسه بومبى ، وجردها من امتيازها كمدينة حرة - وبعد مدة طويلة رفع الامبراطور " تراجان " قدرها فجعل أهلها يتمتعون بحقوق الانتساب للوطن الروماني .
وفيما يخص تطور المدينة العتيقة فقد بلغ أوجه فى عهد أسرة سيفير فى القرن الثالث مدة الحضور اللاتيني .
تلك المدينة الوديعة التى قطنها تجار حازمون وأصحاب حرف مترفون كانت قليلة الميل الى حمل السلاح - واذ ما عرفت من الحروب الا أهوال النهب والتقتيل الصادرين عن أقاتوكل سراقوزا سنة عشر وثلاثمائة قبل الميلاد أثناء الصراع بين القرطاجنيين واليونان وتنكيدات احتلالها من قبل حنبعل ومرتزقته فى سنة ثلاث ومائتين والجزية القاسية المسلطة على أهلها بأمر من قيصر سنة ست وأربعين فكم كانت تود لو بقيت بمنأى عن تلك الخصومات الدامية التى كانت تعرقل نشاطها ومسيرتها الحضارية ، الا أن الواقع ما سمح لها دائما بارضاء رغبتها فى السلم والعمل المثمر .
واذ ظلت المدينة مخلصة لنداء أرض اللقاءات الجبلى فيها ، متفتحة للافكار الجديدة فسرعان ما احتضنت الديانة المسيحية ابان ظهورها ودفعت ثمن التضحية بعديد من شهدائها الذين سقطوا فى عهد الامبراطور السفاح سبتيم سيفير عندما اضطهد معتنقى تلك الديانة وطاردهم في المقاطعات اللاتينية .
وتظل دواميس الراعي الطيب وهرمس وسيفير الكائنة بسوسة حذو خزان الماء ببوحسينة وكذلك الكتابات القبرية العديدة والفسيفساء المأتمية شاهدا نفيسا على ماضى افريقية المسيحية .
ثم جاء الوندال فى سنة 349 ومكثوا بالمدينة حتى سنة 534 واذ كانوا غلاظا جفافا فقد عجزوا عن خدمة الثقافة وبناء الحضارة في مدينة سوسة التى سموها " هونريكو بوليس " سنة 480 تخليدا لذكرى ملكهم الثاني هو نريك .
وبعد محنة الوندال الدموية وما تسببوا فيه من دمار استقبلت المدينة محرريها جيوش بيزنطة فسميت آنذاك "جستنيانوبليس" Justinianopolis فيما بين سنة أربع وثلاثين وخمسائة (534) وسنة سبعين وستمائة (670) اعترافا بجميل الامبراطور جستنيان الذى خلصها من قيودها .
وفى فجر الاسلام لما تدفقت جحافل الفرسان المسلمين من شبه الجزيرة العربية لفتح افريقية فى القرن الاول للهجرة الموافق للسابع الميلادي ولنشر دين الله والمبادىء الاسلامية القائمة على الحرية والمساواة والاخوة لم تتأخر سوسة عن اعتناق الدين الحنيف وأصبح فقهاؤها حججا وبراهين فى الفقه المالكى ونجم منها أعلام فى فنون أخرى كالشاعر أحمد بن أفلح السوسي القائل :
سيبلغ ذكر سوسة كل أرض ويغشى أرضها الجم الغفير
وسرعان ما احتلت المدينة مركزا مرموقا فى اشعاع الحضارة العربية الاسلامية فانطبعت منها بطابع لا يمحى ، ومن يبغ الاقتناع بهذا الاثر العميق فما عليه الا أن يتذكر أن سوسة قد ساهمت مساهمة فعالة منذ أربعة عشر قرنا فى مصير المغرب العربى مع تعاقب الدول الاسلامية فى الحكم بافريقية من أغالبة وفاطميين وزيريين وموحدين وحفصيين ومرادين وحسينيين - وقد أولت كل تلك الدول أهمية كبرى للمدينة فاعتبرتها دائما مركزا هاما فى استراتيجيتها السياسية .
ولما اندلعت ثورة على بن غذاهم في سنة 1864 احتجاجا على الحكم القهرى للبايات تولت ادارة شورية من الشرع " مجلس الفهقاء " تسيير شؤون المدينة مبشرة هكذا قبل الاوان بالنظام الشعبى الذى شمل البلاد عقب الاستقلال فى ظل الجمهورية .
ولموقعها الاحترابى استعملت المدينة قاعدة انطلاق لكبار الفاتحين المسلمين الذين تولوا نشر الرسالة المحمدية فى ربوع قلورية Calabres وقوصرة Pantallaria وصقلية وسردينيا ومالطة .
واستعملت سوسة آنذاك ترسخانة لصنع الاساطيل وحصنا منيعا فى سلسلة القلاع المقامة على طول الساحل بغية تزهيد الغزاة فى الاستيلاء على دار الاسلام بانتباه المرابطين في تلك القلاع ويقظتهم الدائمة وحماسهم وصلابتهم
وكانت سوسة ملجأ للبحارة الذين زاحموا بسفنهم أساطيل شعوب أخرى على السيادة بالبحر الابيض المتوسط كنرمان صقلية وهم الذين ردوا لنا الزيارة باحتلال سوسة لمدة أحد عشر عاما في القرن الثاني عشر ، فعساكر شارلكان الاسبانى الذين أطلقوا أساطيلهم على السواحل التونسية بدءا من
عام 1535 فمنوا بهزيمة أمام شاطئ سوسة عام 1538 ولكنهم وفقوا فى احتلالها بعد عامين ، ثم بحارة البندقية Les Venitiens الذين قذفوا المدينة بقنابلهم فألحقوا بها خسائر فادحة بين سنة 1784 وسنة 1786 .
هكذا يتجلى الدور العسكرى لسوسة الاسلامية طيلة عديد من القرون لكن المدينة لم تكن أداة حرب فحسب ، فهى الكادحة المنشطة للتبادل المثمر بينها وبين باقى أنحاء البلاد والامم المجاورة ، والشعاب المعمرة لضفاف البحر الابيض المتوسط ، فكانت بالخصوص مركز لتبادل البضائع ومرفأ تجاريا هاما بحكم موقعها فى ملتقى الطرقات وانفتاحها على البحر .
انها حاضرة العلم أيضا ، فحلقات الدرس والمذاكرة بها كان ينشطها شيوخ جمعوا بين المعرفة والتقوى كسيدى يحيى بن عمر أحد الاولياء القديسين بالمدينة ومؤلف كتاب " أحكام السوق " وهو كتاب فى الحسبة جمع فيه صاحبه تراتيب الاسواق ونظام المنتصبين فيها للمعاملات التجارية .
وما أبعد ذاك الولى الصالح المستريح بأمان فى ضريحه بالساحة الكبرى وسط المدينة الدراويش المهابيل .
وقد شجع حسن القبول والضيافة المتأصلين منذ عهد بعيد فى سكان المدينة جاليات أجنبية كالصقليين والمالطيين والاسبانيين واليونانيين وطوائف أخرى من سكان ضفاف البحر الابيض المتوسط على الاستقرار بسوسة - وشهد بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة عند أهلها الجغرافي العربى ابن حوقل فى القرن الرابع الهجرى " العاشر الميلادى " فى كتابه " صورة الارض " وأكد تلك الشهادة الرحالة يوحناليون الافريقي في القرن السادس عشر .
واستيحاء من نفس سند كرم الضيافة واستغلالا لموارد موقعها الطبيعي الجميل وللحلاوة الخاصة لمناخها ولثراء تراثها استطاعت سوسة أن تطور طاقة الايواء السياحي وأن تجوده بعشرة آلاف سرير وفرتها الى حد الآن شبكة نزل حديثة ممتدة على طول الشاطئ بعض الكيلومترات وستتضاعف بمشروع سوسة الشمالية فى آخر المخطط الخامس ، ولذا عدت المدينة من أهم المراكز السياحية .
واتسعت مساحتها فتطورت من ثلاثمائة الى أربعة آلاف هكتار فى مدة قصيرة كما أن عدد سكانها المستقرين بها يقارب اليوم المائة ألف نسمة وربما يتجاوزها دون اعتبار السياح والعابرين والعملة والموظفين من الولاية
الوافدين صباحا من القرى المجاورة وحتى البعيدة كهرقلة للعمل بها - وهم ينتفعون بخدمات بلدية سوسة بالنهار - ومع الايام تتصنع المدينة وتتخذ مظهر مركز جامعي بكليتها الفتية للطب ومدرستها العليا للملاحة التجارية ودار المعلمين العليا المنتظرة ، وتزدهر بها اليوم التجارة على عادتها .
بيد أن هذا التطور السريع للمدينة وهو ضرورى لضمان كرامة سكانها بتوفير الشغل والمسكن لهم يفرض عليها فدية لا تنفصل عادة عن تقدم المستوطنات البشرية ونمائها وتظهر فى المشاكل العديدة المنجرة عن النزوح وكذلك في مشاكل التهيئة العمرانية وحركة المرور والتطهير والسكن والتجهيز الاساسي والخدمات الاجتماعية المطروحة بحدة أحيانا على أنظار المسؤولين والمستشارين البلديين
وحرصا منا على ضمان جودة العيش بجوهرة الساحل فانا نبذل قصارى الجهد لايجاد الحلول المناسبة لحل المشاكل القائمة فى حدود امكانياتنا باحداث قرية يحيى الزهور للاستحابة للطلبات الملحة المتكاثرة فى السكن ، وبالدراسات المفصلة للاحياء انطلاقا من مثال رئيسى للتهيئة وكذلك باعداد مثال رئيسي لحركة المرور يمكننا من الشروع فى نصب الاشارات الضوئية بسوسة لاول مرة ، وإعداد مثال رئيسى للتطهير منتظر عن قريب ، وبناء قاعة للرياضة نحن بصدد انحاز مثال لها جميل واعداد ملفها الفني ، واقتناء معدات للقيام بأشغال مباشرة بامكانياتنا ورجالنا ، واحياء حديقة بوجعفر وجلب بعض الحيوانات اليها ، واحداث مناطق خضراء أخرى كالحزام الاخضر المحيط بالاسوار ، وبناء أسواق بالاحياء وادارات للدوائر البلدية ومد القنوات الرئيسية الرابطة بين محطتى تصفية المياه المستعملة وما الى ذلك من الانجازات والخدمات .
كما أننا بصدد التباحث مع الدوائر المسؤولة فى مشاريع أساسية أخرى كتحويل خط السكك الحديدية والمنعرج المزمع احداثه للطريق الرئيسية رقم واحد ونقل الثكنات وتوسيع الميناء فى اتجاه الجنوب قرب المنطقة الصناعية .
وعلى الصعيد الادارى أدخلنا الاعلامية الآلية على مصالحنا فيما يتعلق بأجور العمال والموظفين والاداءات على القيمة الكرائية ومسك الحسابات ومراقبة الميزانية وادارة المخزونات ريثما نتهيأ للاعلامية الالكترونية فى سنة 1980
وبالاضافة إلى مظاهر هذه الحياة البلدية الحديثة يأتي اهتمامنا بصيانة بصيانة المدينة العتيقة بوجه خاص اذ نحن حريصون كل الحرص على حفظ
مآثرها ومناخها الاجتماعى والثقافى والاقتصادى والديني وصيانة معالمها النفيسة من التلاشى والخراب والتشويه .
وقد أسسنا لهذه الغاية جمعية ستسهر على تلك الرعاية الضرورية الباهضة التكاليف واتخذنا مقرا لها فى المعلم الاثرى زاوية الزقاق .
ولئن كانت سوسة الحديثة محتفظة بالعديد من ميزاتها الموروثة عن الاصول البونيقية وعن العصور الرومانية والبيزنطية التى نسترجعها بقراءتنا وزياراتنا للمتحف والدواميس ، فانها فخورة بانتمائها الى الحضارة العربية الاسلامية .
ولا تزال شواهد المجد العربى ماثلة للابصار فى العديد من المآثر الرائعة التى تزين المدينة العتيقة ؛ وبعض تلك المعالم لا يزال حتى يومنا هذا وظيفيا يعج بالحركة و ينبض بالحياة كالمسسجد الكبير .
سوسة بالجنوب الشرقى لقد أصيبت مدينتى الث الا فى أواخر الاربعينات و حتى يومنا هذا مبعث خطر فتتسبب فى ترييحات وار ومهددة على المدى القريب و
لقد أصبت مدينتى الشبه مدينتى الشهيدة فى الصميم ولم يتسن لها استرداد أنفاسها الا فى أواخر الاربعينات ولا تزال مخلفات الانفجارات تمثل للاسف الشديد حتى يومنا هذا مبعث خطر كامن فى تسرب المياه من الآبار والصهاريج المصدوعة فتتسبب فى ترييحات وارتخاءات أرضية معجلة بدمار الدويرات المتحوفة ومهددة على المدى القريب والبعيد عديدا من الاحياء المتداعية للسقوط بالمدينة كنهج الاغالبة وهو المسنى مثلما ألفنا من عهد الصبا تسمية تلك السكة .
ولئن تم ترميم العديد من المعالم والمباني فان العدد العديد من مييلاتها الاخرى قد طمست أعلامها وغيرها البلى فصارت موحشة بعد الانس وخرائب بعد الحسن ومآوى للدواجن ومراعي للاغنام كمسجد سيدى الكيلانى ومسجد الخصيبى - وما امتدت بعد لتلك المعالم يد الرعاية بسبب قلة الامكانيات المادية وعدم توفر الدراسات الفنية - غير أنا حادون في ايجادها شيئا فشيئا ومعولون أيضا فى توفيرها على تحمس أبناء هذه التربة الزكية ومواليد المدينة الساحرة جوهرة الساحل وأحبائها أبناء الجهة ومسؤوليها وغيرهم من رعاة المعالم الاثرية .
انها لساحرة لعينيك فتبصرها بالمهجة والمقلة - فحيثما أدرت نظرك فى الابنية والمآثر العتيقة بمدينة سوسة طالعتك دقة التناسق وجودة الانسجام وروعة الفن المعمارى الاسلامى فى عفوية جماله متجلية بوضوح فى المسجد الكبير الذى تحدثك جدرانه بأمجاد الاسلام مذ عهد الامير ابى العباس محمد بن الاغلب منشئه فى سنة مائتين وست وثلاثين (236) للهجرة بشكله الهندسى الطريف بلا صومعة على غرار المسجد النبوى الاول بالمدينة المنورة فيوحى لك المسجد الكبير بالهدوء والامن والسلام والخشوع .
والقصبة المطلة على المدى البعيد برا وبحرا ببرج خلفها المركب من هرمين مزدوجين فى طبقين متعاقبين تتمتع بمشهد فريد .
والرباط - أحبب به من رباط - يعد بحق من أندر الحصون وأبهى القلاع الساحلية فلا يزال - أدامه الله - قائما شامخا فى بساطة ساحرة يتحدى الزمان ، وهو تحفة فنية رائعة قابعة فى أدراج فن الهندسة المعمارية تزين المدينة وتعد لك مفخرة - فهذا الرباط يحدثك - لو أصغيت الى همسه - عن العباد المتبتلين من جنود الله الذين تحصنوا به للذود عن دار الاسلام وانطلقوا منه فى سفنهم الحربية الى صقلية ومالطة وقوصرة " بونتلارية " وقسم من جنوبى ايطاليا " قلورية " " الكلابر " لاعلاء كلمة الله .
هذا بالاضافة الى متاهات الازقة ونعومة أضواء الاروقة المقببة بالاسواق وجمال السور الحزامى للمدينة ، الى جانب العديد من التحف المعمارية التى لا يستطيع الزائر أن يبقى جامد الاحساس تجاة مفاتنها ، فتذكره بأن الماضي الاسلامى المجيد لا يزال حيا نابضا عابقا بأنفاسه فى أرجاء مدينة باتت لكل ذى نفس طلعة ينبوعا دافقا لا ينضب.
ان سوسة أرض الانسجام والتناسق وأرض اللقاءات المتعاقبة والحضارات المتلاحقة ظلت لمدة أربعة عشر قرنا وطوال الحضور الاستعمارى الفرنسي بها على ما تميز به من محاولات المسخ لتراثنا وشخصيتنا وفية للتقاليد العربية الاسلامية بدون أن تتخلى لحظة واحدة عن قدرها المتمثل في أرض لقاءات تستوعب الحضارات القديمة وتتفتح على الحياة العصرية وتستجيب لمقتضيات التطور .
تلك هى مدينتى ساحرتى أحببتها ملء جوارحي فصورتها وهى مائلة لك فى لوحات من وحي التاريخ والواقع وحلم المستقبل بمشاعرى الدافقة لتحبها وتصونها ، فهى بالرعاية والانقاذ جديرة وبخدمة أهلها ومحبيها حرية .
