ولعل من أهم مميزات التجربة التونسية فى مجال التنظيم العائلى والسكان ما لاقته من عناية وتأييد من طرف الرئيس الحبيب بورقيبة ، رئيس الجمهورية ذلك أن السياسة الاجتماعية التى سنتها الحكومة التونسية منذ الايام الاولى من الاستقلال كانت تهدف الى تحرير الانسان التونسى رجلا وامرأة ، من آثار عصور التخلف.. لارساء الاسرة والمجتمع على قواعد جديدة من الحرية والمساواة والمسؤولية . وقد كانت هذه السياسية الثورية حريئة حيث انها آلت على نفسها مقاومة مخلفات قرون من التصورات والتأويلات الخاطئة كبلت العقول فمنعتها عن الحركة والحياة والاجتهاد وان هذا العمل الثورى لم يكن له أن يحقق أهدافه بمثل ما فعل فى اطار من الانسجام والاقتناع لو لم يكن باعثه يتمتع بشخصية فذة نسجت بينها وبين الشعب طيلة سنوات الكفاح المشترك علاقات من الحب العميق والتواجد الصادق قل أن يجود بمثلها التاريخ . فبعد أشهر قليبة من تكوين أول حكومة وطنية بعد الاستقلال شرع الرئيس الحبيب بورقيبة فى انجاز مشروع تحويل احتماعى ثورى اعاد للمرأه منزلتها الحقيقية فاسترجعت حقوقها ووعت واجباتها فى اطار اسرة حره متناسقة منسجمة وسارت تونس على هذا المنوال تنسح سياسية اجتماعية حية ، متحركه ، متطورة ، تنحت المستقبل وتبشر بالتحرر والتقدم والانعتاق وفى هذا الاطار وانطلاقا من هذه القيم اختارت تونس سياسة لتنظيم الاسرة تنبنى أساسا على مبدئين هما حق الانسان فى اقرار عدد أبنائه وجحم أسرته , وكذلك الايمان بان فى ذلك اقرارا لنظرة جديدة للاسرة ترمى الى ضمان حظوظ الانسان فى الصحة والرفاهية والسعادة ووجدت هذه السياسية فى باعث لدولة التونسية خير نصير ومؤيد وقد أسفرت عنها أبعاد انسانية وتربوية وثقافية جعلت من التجربة التونسية فى محال التنظيم العائلى والعمران البشرى مثالا طريفا لتفاعل عميق وحى بين متطلبات التنمية الاقتصاديه والاجتماعية الشاملة وضرورة ملاءمة التطور السكان لامكانات البلاد وطموحات المواطنين .
ان العمل التاريخى الذى قام به الرئيس الحبيب بورقيبة خلال مختلف مراحل الكفاح سواء اكان ذلك ايام مقاومة الاحتلال الاستعمارى أو عند المعركة من أجل ارساء قواعد دولة ومجتمع قارين وعصر بين ، يتميز بالمكانة الهامة التى يحتلها فيه العامل التربوى او البيداغوجى ، ذلك ان الخطة البورقيبية ارتكزت على التوعية ايمانا ان التحولات العميقة والجذرية هى تلك التى تحدث عن اقتناع فتغير التصورات والسلوك . وقد حضى التنظيم العائلى جزء هام من هذا العمل وخصص له رئيس الدولة العديد من الخطب تناول فيها مختلف جوانب الموضوع وابعاده الاقتصادية والاجتماعية والدينية والتربوية .
التنظيم العائلى عامل من عوامل التنمية الاقتصادية :
بين الرئيس الحبيب بورقيبة فى كثير من خطبه وتوجيهاته العلاقة القائمة بين تزايد السكان ومشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وقد جاء فى خطاب القاه بمناسبة عيد الشغل العالم يوم غرة أوت 1969 : " يجب الملاحظة بأن تزايد عدد السكان الذى يزيد فى خطورة البطالة يعرقل بصورة عظيمة المجهودات التى تبذلها لتنمية البلاد وفعلا فان تزايد السكان الذى لا يخضع للمراقبة من شأنه ان يشل تنمية البلاد الاقتصادية ويحط من كرامة الانسان .. ولا توجد فى الدنيا وسيلة تضمن تنمية اقتصادية تتماشى فى سرعتها مع سرعة تزايد السكان لتضمن لكافة الناشئين الصحة والتربية والقدرة على احتلال المنصب الراجع لهم شرعا فى مجتمعنا الحديث عندما يبلغون سن الرشد "، وبعد هذا التحليل لاستحالة التوفيق بين ارادة توفير ظروف الحياة الكريمة كافة المواطنين ، وهو واجب كل الدول العصرية ، والزيادة الفوضوية فى عدد السكان ، يقول الرئيس الحبيب بورقيبة فى نفس الخطاب : " يجب علينا أن نتجنب اضمحلال الزيادة فى الانتاج لسبب تزايد الاستهلاك الناجم عن تزايد عدد السكان . فان كانت زيادة الانتاج معرضة للاضمحلال لسبب تزايد السكان فان هذه المحنة سترمى بنا فى حلفة مفرغة وستجعلنا نيأس من تغطية عجزنا . "
التنظيم العائلى لا يتنافى مع الاسلام
عمل الرئيس بورقيبة من خلال خطبه على توضيح موضوع التنظيم العائلى وتحليل مفهومه وتصحيح التأويلات الخاطئة التى علقت بموقف الاسلام
من مسائل النسل والنمو السكانى ، وقد كانت المناسبات الدينية كالاحتفال بالموالد النبوى الشريف فرصا للارشاد والتوعية والحث على الاجتهاد والبحث فى شؤون الدنيا والدين ، ومن أعلى منبر جامع عقبة بن نافع فى القيروان تحدث الرئيس الحبيب بورقيبة عن هذا الموضوع فى الخطاب الذى ألقاه بمناسبة المولد النبوى الشريف ليلة 13 أفريل 1973 فقال : " ولا ضير ان ندعو الى الحد من موجة النسل التى تجتاح البلاد المتخلفة ريثما تقوى على تصنيع اقتصادها ويصبح فى مقدورها أن تضمن العيش الكريم لكل أبنائها. وليس فى ذلك مخالفة لحكم من أحكام الدين ولا تنكر لحديث شريف يقول: " تناسلوا.. فانى مباه بكم الامم يوم القيامة " فشؤون المسلمين تختلف باختلاف أحوالهم فليس اذن من الرأى أن نفهم الحديث على ظاهره . بان الرسول عليه الصلاة والسلام ، مباه بعدد المسلمين ، حفاة ، عراة مستضعفين فى الارض - وانما الرأى ان نذهب الى أن شروط الاعتزاز بالامة أن تكون لها مع العدد العدة ومع الوفرة القوة وأسباب المناعة ".
مسؤوليات الاسرة ازاء الابناء:
ان هذا المفهوم للعدد يستلزم تحديد دور الاسرة ووجباتها فى تربية الابناء وتكوينهم وتمكينهم من أسباب الحياة الكريمة ، المنوازنة المسؤولة, وقد ألح الرئيس الحبيب بورقيبة فى كم من مرة على هذا الدور الذى يجب أن تقوم به العائلة من حيث تأثيرها الكبير والعميق على توازن الطفل من النواحى النفسانية والعاطفية والجسمانية وكذلك من حيث ارتباط هذا الدور بحجم الاسرة وعدد أفرادها ، وقد جاء فى الخطاب الذى ألقاه الرئيس الحبيب بورقيبة ليلة 14 أفريل 1973 بالقيروان قوله : " واضافة الى أن عملية النهوض الاقتصادى تستلزم التناسق بين نمو الثروات وازدياد النسل فان النسل اذا تضخم وتفاقم ، شططا دون قيد عجزت العائلة عن القيام بأبسط واحباتها فى تهذيب النشء وتربيته وتعليمه . فالعائلة والامة من هذا الاعتبار ، متماثلتان فى المسؤولية تجاه النسل ، فكما أن الامة ، إذا تجاوز العبء طاقتها ، لم تقدر على تهيئة المرافق اللازمة لتحويل النسل الى قوة ضاربة ، فان الاسرة كذلك اذا تجاوز عدد الاولاد فيها الحد ، فانها لم تعد تستطيع القيام بما تفرضه مسؤولية الابوة والامومة فى تربية الصغار وحمايتهم من المكاره وتوجيههم الى مكارم الاخلاق ومنافع الحياة " ويؤكد الرئيس بورقيبة على الغاية من الحياة الزوجية فيقول فى نفس المناسبة " لذلك لا بد من التنبيه الى ان الصلة بين
الزوج وزوجه لا تقف عند حد الشهوة الجسدية . بل هى اقتران فى احتياج كليهما إلى ما أشار اليه سبحانه وتعالى من سكون أحدهما الى الآخر - ولا سكن الزوج الى زوجه مطمئنا راضيا الا بالاشتراك فى وعى المسؤولية التى يتحملانها فى تربية الولد تربية صالحة تجعله فى المجتمع عضوا صالحا منتجا ."
التنظيم العائلى عامل من عوامل رعاية الصحة :
ان التنظيم العائلى الى جانب أبعاده الاقتصادية والاجتماعية ، عامل من اهم عوامل رعاية صحة الام والطفل والنهوض بالصحة العائلية . وقد انبت السياسة التونسية فى مجال العمران البشرى على هذا المبدأ وهى ترمى الى توفير خطوط المواطن التونسى فى الصحة والتوازن الذهنى والنفسانى , وقد قال الرئيس بورقيبة فى خطاب ألقاه يوم غرة ماى 1969 : " . . . وان شعوره بكرامته كانسان بصير ينبغى أن يحمله على كبح جماح الوضع الذى تدفعه اليه الغريزة الحيوانية وعليه أن يعتبر زوجته شريكة لحياته ويعاملها على هذا الاساس ويتجنب قبل كل شئ انهك صحتها وارهاقها بما فوق طاقتها "
وفى خطاب ألقاه الرئيس بورقيبة يوم 13 أوت 1973 وهو يوم ذكرى اصدار مجلة الاحوال الشخصية وعيد المرأة : " نحن نريد أن يكون المواطنون سليمين من كل الامراض ينعمون بالصحة الجيدة غير أنى أرجو أن أذكركم بأننا نحب تزايد النسل فى حدود معقولة فلا يضر الزوج والزوجة أن يقتصرا على انجاب أربعة أطفال حتى يستطيعا العناية بهما ماديا وأدبيا ويساعدا الدولة على توفير فرحة الحياة للجميع تدريجيا ".
العناية بنوعية البشر
ان هذه النظرة الشاملة المتماسكة الى مواضيع العمران البشرى تقود الى مفهوم جديد للحياة يرتكز أساسا على الكيف وعلى نوعية البشر وان الغاية من التنظيم العائلى هى المساهمة فى خلق انسان حر مسؤول ، ذلك أن " الرحل الذى يخرج عن الحدود المعقولة . كما قال الرئيس بورقيبة فى غرة ماى و 1969 ، ويستسلم لشهواته لا يلبث بدنه أن ينهار بعد خمس او عشر سنين وهو ما زال فى سن الثلاثين ويتولى حفر قبره بأسنانه ويجب تربية
المواطنين على التعلق بالحياة الكريمة والسيطرة على الغرائز.. ويتميز الانسان عن الحيوان بالعقل الذى يجعله قادرا على تحديد مصيره باختيار ذاتى ومدروس ".
ان الغاية هى الكيف ونوعية البشر ولذلك كان من الضرورى ، كما قال ذلك الرئيس الحبيب بورقيبة فى الخطاب الذى ألقاه يوم 5 مارس 1973 ، أن يصل الرجل والمرأة الى درجة كافية من النضج ليفهما بصفة جلبة أهمية الكيف وان كل الغنم فى ان لا يتجاوز عدد الاطفال الاربعة حتى يستطيع والديهم الاعتناء بهم وجعلهم أربعة اطارات طيبة مفيدة بدلا من انحاب أربعة عشر طفلا يثقلون كاهلهما ويستنفدون قوتهما . ويفسدون جميع المخططات التى لا تلبث أن تمنى بالفشل أمام الزحف المطرد غير المنظم للشاب ".
وفى نفس الموضوع جاء فى خطاب للرئيس بورقيبة فى تاريخ 25 فيفرى 1973 قوله " ان كل جهودنا لن تأتى ثمارها اذا لم نحد من عدد الولادات , وفى ذلك شرط التقدم ونمو مستوى عيش المواطن التونسى لاننا لا نقتصر على التفكير فى الكم بل من مشاغلنا كذلك توعية المواطن التونسى " .
ان كل هذه المعطيات والابعاد غايتها تنمية ثروات البلاد لما فيه رفاهية الانسان وسعادة الاسرة والمجتمع و لا يمكن لهذه الثروات ان تنمو الا بزيادة القدرة الدهنية والمادية . والتنظيم العائلى عامل من عوامل تنمية قدرات الانسان وامكاناته على رفع تحديات العصر والحياة "

