آه سبع دفعة واحدة ! هذا الصباح المبارك سبع ؟ ! (( ادخلن ، ادخلن )) . ما أقبح منظرك أنت الأولى فى ثوبك الداكن ، كأنك فقدت ابنك أو ابنتك أو زوجك أو كلهم جميعا . تنظرين الى الأرض بخشوع، فمك يرتعش، يهمهم ماذا يقول ؟ أيسبح ؟ أيستعيذ من الشيطان ؟ أيلعن ؟ أيسب ؟ سأعرف ذلك بعد دقائق . (( اجلسن ولا كلام )) . سبع برؤوس مطأطأة ، تقبلن على فى مشية ذل وانكسار . ماذا أصابكن هذا الصباح ؟ تقتربن منى ببطء وتجلسن حولى فى سكون ، ماذا دهاكن ؟ (( أغلقى الباب أنت الأخيرة ، ولا كلام حتى آمركن واحدة واحدة )) .
تظل العيون لا ترتفع ، تبقى مظلمة ، مغلقة ، أو شبه مغلقة ، تنظر الى الأرض أو الى لا شئ .
سبع أمامى فى نصف حلقة ، أيديهن مختفية تحت أثوابهن ، أفاعى منتصبة ، مرفوعة الرأس كأنها تتأهب للفحيح والنهش ، قبح الله شكلكن جميعا ، أتيتن لتقلقننى هذا الصباح ، أتيتن لتملأن أذنى بخرافاتكن ، بثرثرتكن الطويلة اللامتناهية ، ببكائكن المزيف . . . أنت الأولى الجالسة بالقرب منى أتيقن أنك لا تعرفين أنك عجوز مشوهة الخلقة ، ثنايا وجهك الكالح تبعث الخبث والدهاء ، أنفك الطويل الملتوى ، فمك المنكمش المنطوى على لسان أفعى حامية . ما أقبح هذه الشعرات الطويلة البيضاء الناتئة من هذه النقطة السوداء البشعة البارزة من جنب ذقنك الأيمن . عليك آيات العجوز الشمطاء يا منحنية الظهر .
يقول وهو يشير اليها بأصبعه أن تدنو : - اقتربى وقولى ما فى نفسك ولا ترهبى يا امرأة . ما اسمك ؟ - خيرة . - ما اسم أمك ؟ - زينة . - أبيك ؟ - فاتح ، فاتح شعبان . - ماذا تريدين منى ؟ ترفع خيرة رأسها ثم تفتح عينيها وفمها وترسل زفرة هائلة كاد يرتج لها
الولى ولم تلبث أن ترتمى ساجدة أمامه ، ثم تجعل تقبل رأسه فيديه فركبتيه بلهفة والدموع تنهمر ، ثم تقول مستعطفة :
- يا سيدى سالم ، يا ولى الأولياء ، ابنى قاسم لا يزورنى ، لا يزورنى منذ عهد بعيد، ولشد ما أخرج فأبحث عنه طويلا فى الأسواق والحارات ، فاذا ما وجدته وناديته لا ينظر الى ، أخاطبه ثانية فثالثة فلا يجيبنى ، أمسكه من مجامع ثيابه، أصرخ فيه بأعلى صوتى : قاسم ؟ يا قاسم ؟ ما بك ؟ ألا تعرف أمك ؟ ألا تعرفنى ؟ ! فلا يحسب بل يبقى يسير فى الطريق وكأنى لم أخاطبه ، ولم أتشبث به ، ولم أصح فيه . ثم يقف الناس حيارى ينظرون الى وأنا متعلقه به ، ماسكة بثيابه ، فيصيحون لحينهم : مجنونة التصقت بمار ، أبعدوها عن الرجل يا ناس ، أبعدوها عن الرجل وينتزعوننى منه انتزاعا وأنا أصيح وأستنجد به ، لكنه يتابع طريقه بدون أن يلتفت . فكأنه لم يحدث شئ أمام عينيه .
يا سيدى سالم يا ولى الأولياء ، زوجته . . زوجته هى التى أخرسته ، هى التى أعمته ، هى التى أصمته ، لو تراه يا سيدى سالم كيف انقلب ، لقد سحرته ، سحرته ، وضعت رأس غراب فى وسادته ، رأس غراب مخاط ، مشدود المنقار والعنين والأذنين لكى لا يرانى ولا يسمعني ولا يكلمنى ولا ٠٠٠
- كفكفى دمعتك ( مشيرا اليها بيده اليمنى ) ولا تبكى هكذا يا امرأة ، سيرجع لك ابنك ، جففى دمعك وهونى عن نفسك .
- ( تدس تحت وسادته ورقة مالية بيد مرتعشة ولا تستطيع الكلام ) .
- الله يهديه ويهديها ، سيعود اليك ابنك يا امرأة ، خففى دمعك ولا تزعجى نفسك الى هذا الحد . بعد ثلاثة أيام سيؤتى على رأس الغراب فيصير هباء ، ترقبى ابنك اذن بعد ثلاثة أيام وقولى له : أنا أمك يا قاسم . ثلاثا . سينظر اليك وكأنه لم يرك منذ سنين . سيتفرسك باعجاب ، سيرتمى عليك ويقبلك طويلا ، آجعليه يقبل رأسك لا غير ثم عودى الى بيتك . اذا لم يزرك من بعد فالحكم لله ، يا امرأة ، لكن لا بأس أن تعودى الينا لنرى ثانية فى أمره .
- عند رجوعه أذبح لك يا سيدى سالم ، أذبح لك كبشا وأحضر لك القصع يا سيدى ، بركتك قوية . ثم تقوم مبتسمة نشيطة متهللة وتفارق الجمع بدون أن تنظر الى أحد وتغلق الباب بحذر شديد .
(( لتذهبى فى الف داهية أنت وقصعك وابنك وأبناؤك الآخرون ان كان لك أبناء آخرون )) .
(( ست ماكثات متربعات صامتات متجافيات ناظرات الى الأرض ، أريد أن أمسك عصيا شتا وأكسرها على ظهوركن ثم أطردكن جميعا . . . ))
ثم يهمهم الولى ويجعل يخاطب نفسه طويلا ، ولا تلبث أن تأخذ همهمته فى الارتفاع شيئا فشيئا حتى تملأ الغرفة دعاء وتسبيحا ، وتتخلل هذا الدعاء والتسبيح بعض صيحات تهتز لها أجسام الجالسات الست ، وألسنة الشموع القائمة أمامه وبجانبيه ، ثم يصمت فجأة . ويجعل يعبث بعصا فى يده اليمنى . . ينظر اليها طويلا ثم يجيل نظره فى غرفته ، فى سناجقه الخضراء والحمراء المرفوعة فى كل زاوية منها ، فى ملاحفه ووسائده المختلفة الألوان الموضوعة على يمينه وشماله ، فى قنادله المعلقة ، الخافقة ، فى نوافذه المغلقة . ثم لا يلبث أن يطيل النظر فى مقصورته الموجودة قبالته فى آخر غرفته ، فينقلب وجهه فيتقلص فيتشعب الى أنواع من الأشكال المرعبة المفزعة ثم يعض شفته العليا ويتمادى فى العض حتى يستولى على كامل شاربه ويكاد يصل الى أنفه النحيف الطويل الشائك ، ثم يدخل يده فى صدره ويخرجها بعد زمن ويتثبت فيها مليا ويصيح فى المرأة الموجودة على يمينه :
- اقتربى أنت اقتربى وقصى على قصتك ؟
ويمضى الى نفسه قائلا : (( أرى فيك الحسد يا صفراء اللون ، كأن لا دم فيك أشعر أنك ستأخذين فى البكاء كالأولى ، خدعة متداولة بينكن بدون انقطاع كقصبة السباق ، ستزعمين لى منتحبة ، متوجعة أنك مظلومة ، ومسكينة ووحيدة ، الله يهلكك ، الخبث قائم شاهد جلى هاته المرة ، انى أراه على وجهك المكمش ، من خلال حركاتك المضطربة المنقبضة الناقمة )) ، ثم يقول لها :
أريد أن تتكلمى بدون خوف يا امرأة ، تكلمى ، قول ما فى نفسك ولا ترهبى . ما اسمك ؟ - حميدة . - اسم أمك ؟ - زينة . - أبيك ؟ - على . - تحدثى الآن ؟
- يا سيدى سالم يا هالك الظالم ، ( ترتمى على يديه تشبعهما تقبيلا وتبللهما دموعا ) اهلكها يا سيدى سالم ، أبعث فى جسمها داء تحير فيه الأطباء ، افقأ لها عينيها ، أقلع لها لسانها ، اقطع لها رجليها ، اقسم لها ظهرها ، اسقط لها جنينها . انها تريد أن تخرجنى من دارى ، تريد أن تطردنى والدار دارى ، تريد الحكم القاطع يا سيدى ، صرت لا أتحكم فى أبنائى ، قد افتكتهم منى ، صرت لا أتحكم فى غرفتى ، فكلما أدخلها أجد نفسى غريبة أمامها وهى جالسة فى وسطها ، تنظر الى بازدراء وخبث ، يا سيدى سالم ، لا أخاطب حتى زوجى ، قد صرت أدخل الى غرفتى فأجدهما فى عناق ، يا ولى الأولياء ، انى لا أقدر ولا أطبق ، افقأ لها عينيها ، شوه لها وجهها ، اقطع لها لسانها ، اقسم لها ظهرها يا سيدى سالم أخرج لها . . .
- كفى كفى يا امرأة ، عودى الى بيتك ، عودى ، سيستقيم أمرك بعد أيام قلائل ، بعد أربعة أيام أو أكثر قليلا .
تضع تحت وسادة الولى اليمنى مقدارا من المال ، ثم تلم شعثها وتمسح عينيها بظهرى يديها ، وتخرج وهى تزمجر :
- احرقها يا سيدى سالم بنارك بنارك بنارك . . . تغلق الباب خلفها ، فيبتعد دعاؤها .
(( والله لو يقطع لسانك أنت ، لو تفقأ عيناك أنت ، لو يقسم ظهرك أنت ، لكان أحسن يا قبيحة الوجه )) .
(( خمس قابعات ، مرتبكات ، مرتعدات ، ناظرات الى سيدى سالم ، بأعين حيرى ، مترقبات بخوف من عسى أن يكون دورها ؟ من ستقع عليها عين الولى ويدق وجهها دقا ؟ لم يلبث أن يسدد نظره الى الجالسة بجانب التى فارقت الغرفة ، فيعرفها . لقد أتت سابقا ! فيصرخ فيها بشدة :
عدتى يا ملعونة ، عدتى ! أخرجى توا ! أخرجى ، لعنك الله أخرجى .
فترتعد المرأة من هول الولى وصيحاته ، ولا تدرى ما تفعل فتنهض بعجل وتتجه الى الباب مهرولة معولة عارية الرأس منفوشة الشعر مرفوعة اليدين متعثرة الخطى ، وتغلقه بشدة وصياح غريب .
أربع ، البقية الباقية ، أربع فى ارتعاد من هول الولى ، احداهن جعلت تنتحب من شدة الفزع ، من صيحات سيدى سالم المرعبة ، واحمرار عينيه ، وارتعاش ذقنه ، وشفتيه ، وأنفه ، ويديه ، وركبته ، واهتزاز صدره .
ما زال صراخ المرأة يدوى فى الآذان ، ما زال الولى يزبد ويرغى ويهتز ويرتعش ويتمتم ناظرا الى سقف البيت وال الشموع المختلجة والسناجق المرفوعة ؛ وأخيرا علق بصره بمقصورته الظلماء وساد السكون زمنا . ثم أخذ هدوؤه يعود اليه قليلا قليلا ؛ لكن سمعت صيحة من بين النساء ، صيحة قوية ثم قامت امرأة وانطلقت نحو الباب هاربة وهى تعول ثم أغلقته بعنف .
. . أخيرا يبتسم الولى ، لقد عادت اليه نفسه وهدأ ؛ لكن سرعان ما أخذت همهمته ترتفع . . .
- اقتربى أنت ( ويشير الى المرأة الجالسة على يمينه ) اقتربى أنت . تقترب وتجلس عند ركبتيه وتبقى ترتعش بدون كلام .
- ما اسمك ؟ - حليمة .
- أمك ؟ - فاطمة . - أبيك ؟ - عبد القادر بن يوسف .
يسكت (( أتيت سابقا يا ملعونة هذا ما أتيقنه كل اليقين ، ماذا تريدين منى هذه المرة ؟ لكنك تعرفين ، لقد قلت لك اذا ما أنجبت طفلا فسمه عيسى ، أتيقن أنك سميته عيسى ، وقلت لك لا تعودى الى ثانية وقلت لك أيضا لا تكثرى فى الحديث عنى بين جاراتك وأحبابك حتى لا تنزلى على جيشا من الزائرات . لقد نسيت كل حديثى أو تجاهلته كما يشهد بذلك قدومك هذا ، أحرقك الله ، صببت على وابلا من النسوة قبيحات الشكل مثلك ، طالبات طفلا أو طفلة ، متشددات فى طلبهن . لم تهلكى بعد ؟ نظرتك نظرة دهاء ومكر سأمقتك سأخرجك بعد دقائق خائبة المسعى ، منحنية الظهر ، ذليلة ، تمهلى ، تمهلى قليلا . . . ))
يقول لها بهدوء تام : - تكلمى يا امرأة ولا تخافى ولا ترهبى .
- لقد رزقت ولدا يا يا سيدى سالم بفضل بركتك يا ولى الأولياء ( وابتسمت ابتسامة طفيفة كعودة حلم بعيد ) .
- يا مرأة ما اسم الولد ؟ - اسمه عيسى ، يا سيدى ، كما أحببت أنت ! يسكت لحظة ثم يقول لها : - يا امرأة بعد عيسى لا يأتى ولد غيره ، قومى . - يا سيدى سالم لماذا ؟ ! ان بركتك عظيمة وإرادتك . . .
- يا امرأة لا ارادة الا بالله ، بعد عيسى لا يأتى غيره ، قومى واذهبى فى حالك .
- يا سيدى سالم طفلة ، طفلة ، اذن جميلة يا سيدى . - لا فائدة فى الالحاح والتشدد ، لقد نبهتك ، قومى واسرعى . - يا سي - لا . قلت لك طفلا فقط ، أخرجي هذا أمر ؟ - يا سيدى ! ( ترتمى على يديه تقبلهما ) .
- لا ، لا فائدة فى الالحاح ، بعد عيسى لا تتعبى نفسك كفى ! كفى ! . تقوم المرأة غاضبة ثائرة ، وتغلق الباب بشدة .
تبقى اثنتان : واحدة بالقرب منه صارت تنظر اليه بعين مستعطفة مسترحمة متيقنة فى قرارة نفسها أن لا قوة ولا حول الا من هذا القاعد المنتصب أمامها الماسك بعصاه الناظر الى السقف من حين لآخر الحانق المبتسم المهمهم الزاجر الناهى ؛ كل اشارة منه ليست الا مبعث سر الى كل النسوة الجالسات أمامه الراجيات الباكبات الشاكيات التائبات الباثات اليه بدون انقطاع أو توقف أو تمهل أو تيقظ أو تردد أو خجل ، كل أسرارهن وأسرار أسرارهن .
وتنظر المرأة القاعدة بالقرب منه ، فتجده قد صار سلطانا قائما على حياتها وهى البائسة المذعورة الجالسة بين يديه للمرة الأولى ، انها تشعر أن لا سلطان فوقه ولا سلطة الا له على غدها المربع ويومها الطويل وأمسها المحزن الكئيب . ينظر الولى اليها بعين من لظى قائلا لنفسه : (( سأتركك أنت الأخيرة سأغفل أمرك الآن )) ثم ينتقل بعينيه الى المجاورة لها قائلا فيها :
- أريد أن تتكلمى بدون خوف ، قول ما فى نفسك ولا تخافى ، ما اسمك - فاطمة . - اسم أمك ؟ - صالحة . - أبيك ؟ - خليفة . - تكلمى ؟
لم تلبث أن ترتمى فاطمة بين يدى سيدى سالم والدموع تسيل ، تقبل رأسه فيديه فركبتيه قائلة بصوت متهدج مرتبك :
- يا سيدى سالم ، يا ولى الأولياء يا هالك الظالم يا سيدى سالم زوجى يضربنى يكاد يقتلنى كل ليلة ، لا يكف عنى أنظر يا يا سيدى أنظر ، وتعرى زند أبيض غض مصقول تشوبه زرقة كعصا ملتصقة متكسرة ، انظر يا سيدى سالم ثم تعرى عن فخذ مكتنز أبيض حريرى ، تديره بكلتا يديها فتظهر بقع زرقاء فى حجم يد مرتفعة متكاثرة عند مؤخر الفخذ ، أنظر يا سيدى سالم انظر وتهم أن تخلع سترتها .
يوقفها بيده صارخا زاجرا مشيحا بوجهه :
- كفى ! كفى ! كفى ! استرى نفسك عليك لو لم ترنى ما أردت ، أشهد أنك صادقة القلب واللسان ؛ لكنك ألا تعرفين لقد بين الله عز وعلا ألا ينظر الى زوجات الرجال وهن عاريات وحرام عليهن أن يخلعن أثوابهن أو يظهرن
حاسرات أمام غير أزواجهن تيقنى أنك أذنبت هذا الصباح لكن سنسأل الله العفو والمغفرة انى أفهم أنك مظلومة يا امرأة سيعود لك حقك ارجعى الى زوجك توا اذهبى الى بيتك وقول له : اتق الله يا زوجى ولا تظلمنى انى فى ذمتك والله رقيب أنا ضعيفة مستسلمة لكن الله أخاذ يثأر الضعيفات ولئن أبيت وتماديت فى تعذيب وتنكيلى فلسوف . . .
- يا سيدى سالم لا أريد أن أعود اليه ، لا أريد ، لا أريد ، سيضربنى ولا أجد مأوى ألجأ اليه سيقتلنى . تقبل يديه تقبل رأسه فرقبته ، رائحة العطر تفوح لملأ أنف الولى ، تقترب منه تجعل رأسه بين ذراعيها ، بين نهديها المرتفعين ، القائمين تجعل ركبتيها تلتصقان به .
يصيح غاضبا حانقا زاجرا : - عودى ، عودى الآن الى زوجك ، اسرعى ، ارجعى الى بيتك .
تبقى بدون حراك ثم تهمس : - أريد أن أبقى عندك لأخدمك ، لترعانى ، لتحمينى أريد أن . . . - يا امرآة ، أرجعى الى زوجك ، تيقنى أنه سيهدأ ، سيندم على أفعاله اطمئنى . واذا ما تمادى فعودى الى يوم الخميس المقبل .
تقوم فاطمة وتصلح هندامها ثم تقبل سيدى سالم وتجعل تحت وسادته نقودا وتغلق الباب من خلفها بهدوء .
(( الله يهلك يا ابنة الشيطان ، ويشعل فى جسدك النار كما أردت أن تشعليها فى جسدى ، لقد أتقنت دورك كما يجب ، لكنى ثبت لك وتمالكت وجمدت أمامك رغم حيلك كلها سيقلك زوجك ضربا الليلة والليالى المقبلة سيجعلك تعودين الى كجريح يتلوى ليكسر على ظهرك ألف عصا وليس بالقليل . ستعودين الى يوم الخميس شاهقة ناهقة فتجدين بابى موصدا وأنا أسمع الى صراخك فأرتاح . ما أبرعك لقد لمست بعض البقع الزرق على ذراعيك وفخذيك فبان حبرها ، لقد سقطت فى الاخراج . . . قبح الله وجهك . . .
ايه ! أما الآن فانى أشعر براحة ، بقيت وحدك يا جميلة الصورة . انك لم تبلغى العشرين ولا تخافى ؟ بقيت ولم تتحركى منذ جلوسك فى أقصى مكان منى ، انى سأجعلك تحكمين غلق الباب أنت بنفسك ، أتعرفين انك جذابة ساذجة ، زهرة مغلقة ، لم يفح طيبك بعد ، نسيمك لم يصل الى ، أريجك لم يعبر ، سأقتنيك بعد لحظات ، سأجعلك ترتعشين أمام ارادتى ، سأجعلك تبكين ترتعدين هكذا انى أريد أن أتعبك حتى تصيرى هينة لينة طيعة قابلة للعراك يا حسنة الوجه والقوام . قوتى هى المثابرة بدون ملل أو كلل أو تسرع ، انى
فرح بك منتش ، انى متيقن أننى سأنتصر عليك بكلمتين أو ثلاث بأمرين وصيحتين ونظرتين حادتين ، لكن حذار من مخالبك الهاجعة تحت أصابعك الطويلة الرقيقة الجميلة الملساء ، سأقطعها كلها قبل أن أفترسك كما افترست العشرات من قبلك ، وأجعل فيك طلبتك ويعظم بطنك كما عظم بطن العشرات من قبلك ، ويتكامل جنينك ، ستبارك لى فى سرك وجهرك وبين جاراتك ، وصديقاتك الحميلات مثلك ، فيقبلن على كما أقبلت ، فأقطفهن كما سأقطفك بعدد دقائق لكن ، رويدا رويدا بدون تسرع ، قبحك الله يا لطيفة الشكل ! لقد جعلتنى أهذى من قوة جمالك وشدته ! لكن سأجعلك تخلعين ثيابك ، سأجعلك تمتدين ، سأجعلك تذوبين حلاوة وأنت مستلقية مبتسمة بجانبى كما استلقت وابتسمت العشرات من قبلك ثم الفظك )) .
ينظر اليها بثبات وصمت رهيب ثم يدخل يده الى صدره كعادته ويخرجها بعد حين ثم يسدد الى المرأة نظرة ثانية عميقة طاغية ويخاطبها :
- اقتربى منى يا امرأة ولا تخافى ! تكلمى ، قولى ما فى نفسك ولا ترهبى ! ما اسمك ؟
- عليا ، عليا . - اسم أمك ؟ - صفية . - ما اسم أبيك ؟ - أحمد . - تكلمى ؟
ترتمى عليا على يدى سيدى سالم وتقبلهما بلهفة قائلة :
- يا سيدى سالم انى متزوجة منذ سنين ، هو يهددنى بالطلاق أنا وحيدة ! غريبة ! يا سيدى سالم ! لا أريد أن أفارق بيتى ! إنه يهددنى بالطلاق كل يوم ! كل يوم يقول لى أنك عاقر يا عليا عاقر لا تنجبين ، أنت لست بالمرأة ! لست بالمرأة ! قال لى يا سيدى سالم لو كنت امرأة حقيقية لأنجبت لنا الأطفال ، انى أحب الأطفال يا سيدى سالم أحب الأطفال أحب طفلا جميلا يا سيدى ؟ ! لأسعد به ! وتسعد يبتى ! ويهنأ عيشى ، واطمئن ! انى مهددة بالطلاق فى كل لحظة ، فى كل لحظة مهددة بالضياع ! ماتت أمى ! مات أبى ! مات عمى ! لم يبق لى فى الدنيا الا جدة فقيرة مسنة يا سيدى سالم .
(( ايه والله ! ليس لك فى الدنيا أحد ! ليس لك مقر ! ليس لك نصير ! ليس لك عون ! هذا جميل جدا ! ومفيد جدا ! كلما تتكلمين أشعر بك تقتربين تضعفين تنضجين وقطافك يدنو . . . اليوم يوم سعيد ! ! )) - يا امرأة كفكفى دمعك ، لا تبكى هكذا أمام مشيئة الله ، ان الله أراد بك هذا العذاب ليمتحنك بصعوبات الدنيا .
- يا سيدى سالم لم العذاب ! لم العذاب ! لم أذننب فى حياتى ! لم أفعل شرا ! وانى يتيمة ضالة ! فالشفقة يا سيدى سالم ؟ ! لا عون لى سواك ! لا سند لى دونك !
(( ايه ! انك تلينين أكثر فأكثر ! أشاهد عينيك تذبلان ! انهما ينعشان آمالى فيك ! سأخرج الخمر بعد دقائق ، سنشرب ونطرب ونأكل ونسر يومنا هذا كله ! ! ))
- لكن يا امرأة ، المشيئة مشيئة الله ، فهو الذى يجعل من النساء المرأة العاقر والمرأة الولود تلك حكمته ، ولا شريك له فيها ، وانه الوحيد على كل . . .
- يا سيدى سالم ، انى اشعر بقدرتك أنت أيضا ، بعظمتك أنت ، لقد استطعت أن تبعث السعادة فى ديار كل زائراتك ، كل من مرت بك وتبركت ببركتك ، لم يمض شهر حتى تحس بالجنين يتحرك ، فقدرتك وقوتك . . .
- يا امرأة ، لست أدرى لعل الله فى هذه المرة يخيب آمالى ! فما قدرة الا قدرته ! وما ارادة الا وهى ارادته ! أشعر بأنى لا أستطيع أن اسعدك أشعر فى قرارة نفسى ، وانى لأنصت الى هاتف يقول لى : (( هى لا يا سالم لا ، الأمر محتوم ، ان طلبها صعب وليس لها فينا أمل )) . انى آسف يا امرأة ، انى آسف جدا ! !
- يا سيدى سالم ، اعمل جهدك ، اعمل جهدك ، اننى ابنتك ان اردت ، واختك ان أحببت ، وخديمتك ان رضيت ، يا سيدى سالم يا ولى الأولياء الشفاعة لا تأتى الا بين يديك انى متيقنة . . .
- يا امرأة خففى عنى واذهبى فى حالك انك تريدين أن تكلفينى ما لا طاقة لى به أنك تبعثين فى الألم ان الأمر صعب وانه من المستحيل الحصول على نتيجة مرضية ، شكى عظيم .
- يا سيدى سالم الشفاعة ! ، اجعل شكك يقينا ؟ ! أبعث فى أملا ولو كان طفيفا ؟ ! ولو كان ضعيفا ! ( تقبل رأسه ثم تنزل إلى يديه فركبتيه فرجليه تم تقترب منه وتجعل رأسها على صدره وتجعل تبكى وتنتحب ) أتعرف أنى وحيدة غريبة ، أين أذهب لو أطرد من دارى ؟ أين أذهب ؟ قل لى قل لى يا سيدى ؟ أنت سندى وليس لى سواك أحدا !
(( آن قطافك يا أنثى ، يا جميلة ، لقد أتعبتك حقا . فالآن أستطيع أن اشرع أستطيع )) .
يتكلم برهة ثر يجعل يهمهم ، وهو ينظر الى مقصورته ، وكأنه يخاطب شخصا وكأنه يستعطفه وكأنه يسترحمه ثم يكف ويقول لها بدون أن ينظر اليها :
- هات يدك لأرى ؟
تمد له ذراعها كله بلهفة . يجعل ينظر الى ذراعها الجميل الناعم الغض ، ثم بشرع يمسح عليه بكلتا يديه بلطف عظيم حتى لانت المرأة وهدأت أعصابها وساد السكون زمنا ثم أخذ يهمس لها بصوت خافت وقوى فى آن واحد :
- هات ذراعك الأخرى واسرعى أظن أنه يوحد رجاء طفيف لكن ٠٠٠
تمد له ذراعها الأخرى فى عجل ، فيستولى عليه بهدوء وثقة ، ويجعل يهمهم وهو ينظر الى مقصورته ثم يأخذ فى دلك الذراعين طويلا حتى صارت همهمة واضحة جلية :
- يراد تطهيرك لتعودى وتتقبلى الولد وأنت طاهرة نقية ، يراد تطهيرك قبل كل أمر أنك لم تتطهرى بعد ، لم تتطهرى أبدا ، لكى يوجد الأمل ، لك يشرع فى النمو ، لكى تصيرى حمامة بيضاء ( ويدخل يديه تحت ثوبها ويستولى على صدرها ) الأمل يدنو ، يراد تطهيرك ، أسكنى ولا تتحرك ، أشعر بالأمل يقترب ، لا تتحركى ، خففى خففى ، أخلعى ثوبك سوف تنالين طفلا . طفلا جميلا ، اخلعى وامتدى .
- لكن ، لكن ، لا أستطيع . - اخلعى قبل كل شئ ولا تتكلمى ؟ - لكن ، لا أستطيع ، لا أستطيع ، لا أستطيع ، من المستحيل ! - آفعلى ما أمرك به ؟ - لا أبدا . ألم تقل حرام على الزوجات أن يظهرن عاريات أمام غير . . . - يا وقحة يا وقحة اخلعى والا سأمزقك تمزيقا وأمزق ثيابك وأمزق . . . - لا أبدا !
يصرخ فيها بقوة هائلة مع احمرار عينيه وارتعاش شاربه :
- لا تستطيعين أن تقنعينى بالحجة ولا بالتمنع بحيلك الشيطانية سأقنعك بدون ما عهدت منى ( ويصفعها صفعة عظيمة ) .
- ( تبقى صامدة جامدة بدون حراك ) . - ( يرجها رجا عنيفا ثم يرفع يده ويصفعها ثانية ) . - ( لم تتحرك ولم تتكلم ) . - ( ويصفعها ثالثة ) . - ( بدون جدوى ) .
فيستولى على عصاه ويهب الى الباب يريد غلقه ؛ فلم يشعر الا والعصا تؤخذ من يده بسرعة فائقة ، وبضربة هائلة تنزل على رأسه فتجعله طريحا ، ثم بضربات متوالية متتابعة بدون انقطاع ، تنزل عنيفة ، مدوية على رأسه وصدره وظهره و ...
ثم أغلقت عليا الباب وتركته ملقى على الأرض والدم ينزف من فمه ، وأنفه ، ومؤخر رأسه ، وأعلى جبينه .
تونس فى 18 جويلية 1966
