هذا موضوع قديم حديث . قديم في نشأته وكيانه . حديث في تقدمه الباهر وميزته الائقة . ومجلة المنهل الحريصة على إفادة قرائها من كلها هو طريف ورافع ونافع . تتقدم اليهم في هذا العدد بتلخيص هذا الموضوع الطريف من إحدى المجلات الامريكية لما فيه من روعة ودسامة وطرافة . ع . أ
ان نظرية الطربين الغازى التى كانت موضع اختبارات وتجارب دامت عشرين قرناً وباء معظمها بالفشل قد اصبحت الآن فى حيز التطبيق وذات فائدة فى المرافق الحربية ولا يستبعد ان تصبح فى المستقبل من مولدات القوة المحركة التي تنافس المولدات البخارية ومحركات الغازولين وديزل . وهذه النظرية المبنية على فكرة توليد الحركة بحرق الغاز فى داخل الآلة كانت تقف فى سبيل تحقيقها فى الماضى عقبتان كؤودتان ولكن الا كتشافات الحديثة في علمي المعادن والغازات قد أزالت الآن هاتين العقبتين .
فالطريين الغازى ليس أساسياً سوى طاحون هوائية ضمن غلاف معدنى تدور شفراتها العديدة المعقوفة بتسليط مجرى الغازات الحارة عليها فتنتقل الحركة الدوارة بواسطة محور إلى آية آلة يراد بحريكها ، والغازات تتولد باحراق الزيت عادة فتشتعل بمساعدة الهواء المضغوط الذي يؤتى به من مكبس أو آلة ضاغطة على الطرف الآخر من المحور .
ولهذا النوع من الآلة عدة فوائد واضحة ، ولا حاجة فيها الى مفاصل لتحويل القوة العمودية الى قوة محركة دوارة كما هى حال آلة الغازولين أو الآلة البخارية ، وبناء على هذا يكون عدد الاجزاء المتحركة قليلاً جداً وبذلك يقتصد في تركيب الآله ويزاد فى عمرها وضبطها ، وقد إستعملت الطرابين البخارية التى تدور شفراتها بواسطه البخار منذ عهد بعيد فى البواخر التى
تقطع المحيط ولكن هذه الطرابين البخارية يقتضى لها خزانات بخارية أضافية كبيرة لتوليد الضغط البخارى الضرورى بينما فى طريقين الغاز تتولد الغازات الدافعة فى الآلة نفسها .
وقد صنعت الالة اولى التى يمكن عدها من الطرابين الغازية فى الاسكندرية نحو سنة ١٣٠ ق . م . وكانت مؤلفة من أنبوب عمودي يحدث فيه الهواء الساخن دورانا منسقاً مطرداً . لم تكن على شئ من الاتفاق وغير كافية لتوليد قوة تستحق الذكر الا انها كانت تتضمن مبدأ الطرابين الحالية . وهنالك أدلة على استنباطات مختلفة موجودة في كتب الاجيال التى تلت ذلك العصر وفي سنة ١٧٩١ حصل جان بارير الانكليزى على أول امتياز لالة تشبه بطبيعتها الطربين المصرى الغازى الاشتغال . وقد كانت محتوية على جميع الوجوه الجوهرية للالة العصرية على الرغم من شكلها الفطري ففيها مكبس لكل من الهواء والغاز وحجرة لاشعال مزيجهما ودولاب يدور بدافع النفثات الغازية التى تخرج من الفوهة فى أحد طرفى حجرة الاشتعال
ومن الخطوات العظيمة الى الامام التى جاءت بتطور الطريقين الغازي خطوة قام بها عام ١٨٨٤ السر تشالس بارسونز وهو أول من اخترع طربيناً بخارياً صالحاً للاستعمال . فقد اسبنبط مكبساً لمجرى الهواء فى المحور هو كناية عن طريق معحوس فانه عوضاً عن ان يدور بواسطة تمدد الغاز يمتص الهواء ويكبسه . وهو يدار بواسطة الطربين نفسه
وظلت طرابين الغاز بعد هذا الاختراع عدة سنوات غير صالحة للاستعمال لسببين رئيسيين . اولهما لان الشفرات لم تستطع احتمال حرارة الغازات الشديدة وثانيهما لان عملية تحريك المكابس كانت تستنفد القوة التى تولدها الطرابين . وقد شرع علماء المعادن يستعينون بالفولاذ الذي لا يصدأ الايجاد مركب معدنى جديد يستطيع إحتمال الحركة الدائمة والضغط والحرارة الشديدة . ويتقدم علم الغازات فى مجال بناء الطيارات تحسنت المكابس حتى أصبحت عظيمة الاتقان والصلاحية .
أن اول من صنع طربين الغاز الدكتور ادولف ماير فى سنة ١٩٣٠ هو منذ ذلك الحين نشط العمل على حل مشاكل عديدة . ولا تزال بعض المشاكل سراً مكتوماً لعلاقتها ببناء الطيارات
وقد تحقق حتى الأن أن للطربين الغازي فائدة كبرى في الطيارات والمحركات البحرية والقاطرات ومصانع توليد الكهرباء . ولا يستبعد ان يستخدم فى القطارات ولكن قد تبين ان الطرابين التى تولد اقل من قوة ألف حصان لا تصلح للاستعمال كما وان اصغر طربين يمكن استخدامه في السيارة يتطلب دقة عظيمة فى الصنع للحصول على فائدة منه تستحق الذكر
والى الطرابين الغازية يعود الفضل فى تحسينات قيمة فى الطيران فالالة التى تمكن المقنبلات الاميركية من التحلق فى طبقات الجو العليا عشرين الف قدم ليست فى الحقيقة الا طربينا يدار بما تقذفه الطياراة من الغار المحروق فيجمع الهواء بكمية كافية لابقاء المحركات دائرة فى الاعالي حيث يخف الهواء وليست طيارات الصواريخ المسيرة بقوة النفثات الغازية سوى طرابين غازية تندفع بقوة الغازات المتفجرة فى أحد المجاري الخلفية .
وللطربين الغازى فوائد جمة يحتمل استعمالها لتوليد القوة في البواخر - فهو لا يحتاج الى مرجل يشغل فسحة واسعة ثمينة او إلى مكبسى ضخم أو جهاز كبير لتقطير الماء الضرورى . ويتراوح وزن المحركات البحرية التجارية الحالية والالات البخارية ومحركات ديزل بين مائة وثلاثمائة بوند لقوة حصان واحد أما الطربين الغازي فيتراوح وزنه بين الاربعين والخمسين بوندا فقط لقوة حصان واحد . وفي الولايات المتحدة عدة طرابين جاهزة للاستعمال
وللطربين الغازي فى القاطرات امتياز على محركات ديزل والآلات البخارية الاخرى . فهو يحتوى على ميزات محركات ديزل من حيث المسافة التى يقطعها فى السنة وقلة ما يستنفذه من الوقيد وسهولة حركته التى تقلل استهلاك القضبان الحديدية ومقدرته على الشروع بالبحر وطول حياته . ثم ان زيت
وقيده ارخص من زيت وقيد ديزل وعلاوة على ذلك تشير الدلائل الى إحتمال إستعمال مسحوق الفحم وقيداً عوضاً عن الزيت فى المستقبل . وقد بوشر التحري في هذا الصدد منذ وقت قصير ولكن من الضروري اجتناب ما يحدثه الرماد من الثقوب في شفرات الطريقين - وهذا على ما يعتقد بعض المختبرين من الممكنات
بنت شركة برون ويوفيري في عام ١٩٣٩ قاطرة سكة حديد بطربين غازي له قوة ٢٢٠٠ حصان فاسفر امتحانها عن نجاح باهر ادى الى وضع عدة شركات أميركية أخرى تصاميم لقاطرات أكبر لتسير على السكك الحديدية
ويتعذر فى الوقت الحاضر استخدام الطرابين الغازية الكبيرة جداً كما يتعذر استخدام الصغيرة جداً ولهذا يظهر ان طرابين البخار اصلح للمولدات الكهربائية الكبيرة . الا ان الطرابين الغازية التى تولد اقل من خمسة الاف كيلواط من الكهرباء تمتاز عن سواها فى بعض الوجوه فهى فى البلاد الجافة لا تحتاج الى ماء لتدويرها وصغر حجمها وخفتها يجعلانها ملائمة للاستعمال فى المصانع التى تحتاج إلى مولدات كهربائية صغيرة والى بخار . وفى حالة كهذه يستطيع طربين الغاز توليد الكهرباء بينما غازته المستنفذ تحمى المرجل البخارى
ان المهندسين يترددون فى إبداء آرائهم عن مستقبل الطرابين ما لم يروا نتائج استعمالها المتواصل . ولا يزيل شكوكهم غير مرور الزمان ومواصلة الامتحان . وقد يحتمل أن يقصر الطريق عن ان يأتي بجميع ما تراءى للمتحمسين له ولكنه اذا اتى ببعضها يصبح من أعظم الالات فائدة

