الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

سيمفونية الحياة

Share

الإهداء : إلى من وهبتني نشوة الاحساس بأنني أب : إلى (( أم نزار )) - (( أنا آت حالا . )) وأغمض عينيه . لم يدر أيبكى أم يقهقه ! يسجد أو يرقص . . - (( أنا آت حالا . ))

رنين الهاتف يضج فى الدنيا . . يهرع الى السماعة . تلاشى الارهاق . تبخر التعب . . كانت ليلة عصيبة أصابه فيها الارق اللعين . . جرب كل المسكنات . يخدره صوت أم كلثوم عادة فتنقله اهات (( الأولة فى الغرام )) الى عالم لذيذ عجيب وتغرقه شطحات التعبير المعجز فى الرباعيات فى أغوار حالة . . تنيمه المطالعة . . وتحمله السطور دوما الى عوالم فسيحة مليئة يشعر معها أنه عاش مرات وعرف أضعاف من عرف وآنس مخيلة كتف لها الصور وجسما عدد له البشر وإحساسا وعقلا فتح لهما الورق دروبا . . الا انه هذه المرة لم يرتخ لصوت الرباعيات ولا بددت عنه الضيق المطالعات . . دار الشريط الى ان بلغ الفراغ . . وسقطت من اصابعه الصفحات وما داعبه نوم . . وأعاد الشريط المسجل الى علبته ورصف الكتب فى مكانها . . طال عليه الليل . الم يحمد الله مرارا على حكمته اذ خلق الليل مساويا للنهار . . نهاره ليل الناس . . ينامون فيستيقظ . . فى الليل يكتب . . والكتابة عنده صلاة يطهر فيها نفسه ويتجرد ويتصوف . . ولكن ليلة هذه المرة طال هو ايضا . .

وأحس أن وقفته امام السماعة طالت بدورها . . ألم يحب منذ لحظة فى نشاط من لم يعرف أرقا فى حياته . .

- (( أنا آت حالا . )) وتلقفة الشارع خطى سريعة ونظرا مصوبا الى مقصد واحد . . الليل عنده حياة ولكنه البارحة خافه . انتابته الرهبة . لم يصدق انه قد ينتهى .

وحث الخطي . . الله ! انه نسى سيارته أمام مدخل العمارة . وأما كان ينبغى أن يستعملها ليصل فى وقت اقصر . . وتراجع فى رأيه . . المكان الذى يتجه

اليه قريب . . اختاره منذ مدة عمدا حتى يفى بالغرض عند الحاجة . . أحيانا تكون الارجل أسرع من العجلات . . وابتسم للمقارنة . . واتسعت الابتسامة . ما أحلاها تلك اللحظة التى اشترى فيها سيارته . . عادت به الذكرى يومها الى السيارة الحمراء الصغيرة التى فاجأه بها أبوه ليلة أول عيد أصبح فيه يعرف معانى الاشياء . سيارة حمراء كبيرة فى عينيه الصغيرتين . لها ارقام وعجلات ومقعد يتسع لجسمه الغض وآخر بجواره للمسافرين معه من قطع الحلوى وأصناف الفاكهة التى تمثل كل ثروته . . .

- (( ما هذا ؟ أفق يا سيد ! ! ))

وانتفض . كادت احدى السيارات المارقة فى هذا الصباح تدهسه . زعق فيه السائق . واتسعت الابتسامة . ومر راكب السيارة وألفاظ الغيظ المتزايد تشيعه وهو يحث الخطى والابتسامة تتسع . . ما أتعس حال السياقة ووضعية المرور هذه الايام . المتربصون اكثر من المرسمين . لا شك أن والد هذا السائق لم يفعل مع ابنه ما فعله ابوه معه . طريفة طريقة أبيه فى تعليم السياقة ! . وابتسم للفكرة والذكرى . كان والده يرصف أحجارا كثيرة ويشكلها انماطا عديدة فهى منعرجات ومضايق والتواءات صعبة ويأمره بقيادة سيارته داخلها دون ان يلمس حجرا او يزيحه من مكانه . وكان يرتمي بين أحضان جده وهو يروى له كيف يمرق بين الدروب الملتوية فى خفة وسرعة لا تصل اليهما سيارات السباق . . خطاه حثيثة تعدو . . تسابق كلمته (( أنا آت حالا )) . .

عجبا لماذا يلتفت اليه الناس ! أبه شئ ؟ ونظر الى ما يلحقه بصره من جسمه . وتحسس شعره . . اه ! شعره . كاد يقهقه . وانزوى فى ركن من مدخل عمارة . مشط شعره المنفوش . . فاجأه جرس الهاتف . . رمى بنفسه فى الشارع وقد لبس أول ما تبادر الى يديه . شعره ! عاش صراعا مريرا مع أبيه ليحميه . كانت رغبة والده ملحة فى ان تتلقى فروة الرأس الشمس مباشرة زمن الصبا حتى تتطهر ، وينمو دون أن تعوق ذلك النمو المثالى معوقات طارئة او اعتبارات عابرة . . والمعوقات عديدة . . غبار الارجل المتطاير وهى تلاحق الكرة فى مباريات صبيان الشارع الحامية . . انامل الام التى اهترأت من تنظيف هذه الستائر المسدلة . . و . . وقفز الى عينيه مشهد لن ينساه . كان يستجدى الحلاق حتى لا يعمل المقص فى وفاء مطلق لأوامر أبيه الذى يوصية قبل ان يتركه . نفعت معه كل الطرق . . الحلوي . . الكتب المسروقة وفيها أساطير (( سيدنا على )) وخرافات ألف ليلة . . وأتى اليوم الذي فلت فيه كل الاسلحة . رافقه أبوه الى دكان الحلاق وأسقط في

يده . تجمدت التوسلات فى أعماقه ونظرات أبيه المتربصة توجه أنامل الحلاق الخائن للعهد . وجز رأسه . وكانت مصيبة . . فهى ليلة العيد . وأحس انه ذبح قبل الكبش . .

وازدادت الابتسامة اتساعا . . كبر وأطال شعره وها هو ينساه ثائرا متمردا على الحلاقين هازئا بأذواق المتطلعين . لم يدر كيف نسي كل هذا ! ولكن . . ورفع أصابعه الى ذقنه . . أواه ! . مدببة ، ناتئة دبابيس مشوكة . أهو يسير أمام الناس بهذا المظهر ؟ سنوات لم ينس فيها يوما حلاقة ذقنه صباحا . . وعادت الابتسامة تتهادى على شفتيه . تعديل طفيف لا مفر منه فى ما زعمه منذ حين . بعد الزواج انقلب الميعاد وتحول من الصباح الى المساء . تغير الحلاقة لليل لضمان مزيد الفعالية لا غير اذ لكل مقام فعال . . واحمر وجهه . واحتقن بقوة كان لحظتها جالسا بجوار أمه حين تطلع اليه أبوه بامعان ثم وعلى غير عادته مازحه فى أمور كانت تحيره :

- (( ما شاء الله . . وأصبح لك شارب أيضا مثل الرجال ))

ولم ترأف به أمه فزغردت عيناها :

- (( ((  مشعار )) كأبيه . . ما أسعدنى بابنى وقد أصبح رجلا . . ))

ولم يجد اين يهرب فانكمش حياء تصفعه ملاطفة ابيه المتهكمة :

- (( ولم يبق الا ان تبحثى له عن عروس على قدر مقام اللحية والشارب ))

وتوالت خطواته سريعة . . ومرت الايام . . أما لهذا الطريق من نهاية ! والسير ألا يوصله الى مقصده .

- (( أنا آت حالا . ))

لعل الممرضة التى تقوده الآن الى الغرفة الخاصة التى تقيم بها زوجته هى تلك التى أعلمته منذ حين بالخبر . . وفتح باب العالم . . عفوا الغرفة . . ووقف طويلا يحتضن بعينية المغرورقتين المشهد الخالد . . وأتاه صوت زوجته هامسا فى ارتخاء لذيذ :

- (( إنه مثلك . . يشبهك . . صورة منك . . ))

وعاد يبتسم وانامل زوجته الرقيقة تمسح عينيه لتمكنها من التأمل فى . . شعر وليدها العزيز و (( زغب )) شاربه الموهوم الموعود ! واحتضنه بعينبه من جديد وهو يقسم أن تكون أول لعبة يهديها له سيارة كبيرة حمراء . .

مساكن في 1974/12/28

اشترك في نشرتنا البريدية