جاءنى من احدهم بتوقيع[ مستطلع ] خطاب يقول فيه بعد الديباجة : " لامراء يا سيدي ان الأدب فن جميل وممتع ، ولكن الا ترى إذ الادب بحيث كان شؤم على أهله ، ولا سيما على اربابه المبرزين فيه ؟ ثم الا ترى هذا العصر ومعركة الصناعة والعلم والمادة نبه ، واستعلاء هذه الأشياء على ماسواها من الفنون والآداب ؟
اني لاعتقد ان الأدب لا جرم فى طريقه الى الزوال وان كوكبه لآخذ فى الافول والادبار . . الخ" .
ان هذا [ المستطلع ] يصحح النظرة من عدة وجوه . والفكرة فى نظرى - كل فكرة - ينبغى ان تتناول من وجوهها المتعددة ، فان تناول فكرة كانت من ناحية واحدة مدعاة للخطل والانحراف ، ثم انه لا توجد فكرة يمكن ان تبدولنا بوجه واحد ، ومقياس صواب الفكرة من خطئها ان ندرس ملابساتها ، ونواحيها ونتعمقها ، فان رجحت وجهة الصحة فيها ، امكننا مع التساهل - ان نعتبرها صحيحة الى حد ما .
وان كانت صحيحة الجوانب كلها - وهذا نادر فقد استقام المقياس وان رجحت جوانب الخطأ فيها ، فهى خاطئة ، حتى فى الضئيل من جوانبها الصحيحة ، فقد يكون هذا الصحيح زائفا ، او صحيحا فى ظاهره فقط او صحيحا الى حدود معينة .
وهذه المقاييس الأدبية يجب الا تبذل وتهدر فيقوم بضبطها واستعمالها اطفال فى اعمارهم أو اطفال فى اذهانهم ودراساتهم .
ان شؤم الأدب ظاهرة عجيبة نلتمسها فى الادب العربي- دع الافرنجى - فلا تخطئه فى كل مكان وزمان .
فانظر الى نهايات امرئ القيس وطرفة والحطيئة وما بعدهم فى العصور التى تلت عصورهم .
وما برح الأديب منذ اقدم الازمان ينعى حظه العائر ، ويشكو بؤسه الوافر ، ويتقلب في النكبات والمخاطر ، حتى اصبحت [ حرفة الأدب ] من اشد الحرف ضررا بصاحبها وقسوة عليه ونحسا لطالعه
واصبحنا نرى مثل ابن المعتز وهو نسل الخلائف العباسيين ينكبه ادبه ويفضى به الى مثل ذلك المصرع المؤلم ؛ حتى قال فيه من قال :
لله درك من ملك بمضيعة ناهيك فى العلم والآداب والحسب
ما فيه [ لو ] ولا [ ليت ] فتنقصه وانما ادركته [ حرفة الأدب ] . واستمر الزمان ، وهو حرب على الأدب واهله يذهب بهم افظع المذاهب ويضمر لهم شر العواقب ، فجاروا بالشكوى ، وصاحوا بالتذمر ، وغنوا بؤسهم وشقاءهم ابدع الغناء وارقه ، واسلبه للعقول ، واذهبه بالألباب
قال احدهم :
ما ان تزيدت حرفا تحته ادب الا تزيدت حرفا تحته شوم
كذاك من يدعى حذنا بصنعته اني توجه فيها فهو محروم
ولو اردت ان اضرب الأمثال - على ذلك بروائع الاقوال لطل بي المطل . بيد ان هذا الزمان - فيما اعتقد - قد سطع فيه نجم الأدب ، وعزت دولته ونبغ فيه ادباء عالميون اصبح لهم اثرأي اثر فى توجيه العقول والنفوس والشعوب ، فوق ما اتيح لهم في شرف الذكر ورفاعة العيش ووفرة المال .
وفي اوربا وروسيا وامريكا ومصر ابلغ الادلة على ذلك . وارتفاع حظ الأديب وعلو شأوه رهن ببلاده وامته يتقدم بتقدمها ويتقهقر بتقهقرها ، ففى البلدان التى تقوم الحياة الاجتماعية فيها على جواهر الافكار وفرائد المعانى والقيم الروحية والذهنية ، يحتفظ الأديب فيها بمكانة ممتازة ، ويبلغ فيها شأوا رفيعا .
واضيف إلى ذلك ان الاديب نفسه له حظ كبير بقوة شخصيته وكرامة نفسه وارتفاع شيمته فى التقدم بنفسه الى فوق او الارتكاس بها الى اسفل ومزاج الاديب ومذهبه فى الحياة وطريقة معاملته للناس ، واخلاقه الطبيعية كل ذلك حقيق بأن يتجه به الاتجاه اللازم ويضعه فى الموضع المناسب .
واذا استطاع الأديب ان يخدم نفسه ، ويسمو بها عما يشينها من التكالب على السفاسف والملق الرخيص ، والاعناق وراء الصغائر ، فانه - مهما كان غنيا او فقيرا - يستطيع بلا ريب ان يحرز لنفسه المكان المشرف الممتاز
واذا رأيت اديبا بتدحرج على الرغام ، فليس ذلك لانه معدم فى حياته فحسب ؛ ولكن لأنه كذلك معدم فى نفسه وفي نظرته اليها واعتزازه بها واحتفاظه بخصائص الجوهر الكريم فيها .
وبعد ، فلعل فيما يأتى من عصور زاهية مشرقة ما يسلك بالأديب فى عباب دنياه مسلك الانسان الممتاز المكرم
ومن لم يكرم نفسه لا يكرم ، كما يقول صاحب الحوليات واخشى ان [ مستطلعا ] ما يزال مستطلعا الى الان .
