شارب النهر حى قائم فى خضرة جنته سعيد دائم يراه ! يراه الى جنبه حائم كل انسان . .
وقف عبد القادر بغتة عندما بلغ طريق السيارات المؤدية إلى القلعة الجرداء ثم نظر خلفه تحاه كوخه الخاوى والى سهله الاجرد الدبر الذى كاد يصبح بورا . فظهرا اليه من بعدهما ظلمتين سوداوين فى ضياء النهار الباهر . فكانتا تتمططان وتصعدان وتهرولان كأنهما تريدان ان تفرا من الكون ومن الزمن ففزع وكاد يعود ليجلو حقيقتهما لكنه تراجع خائفا مما وراءهما لا سيما وان الحمار قد مات منذ اسبوعين فالتحق بزوجته خديجه التى توفيت منذ شهرين بعد ان عانى فى علاجها اكثر مما عانت فى مرضها وتركت له خمسة ابناء أصمتهم الجوع ولوعهم الهزل اذ تحالف الجفاف والجراد على المنطقة فأتيا على كل ما فيها من ماء وعشب وقلت الجرذان والضفادع والأفاعى التى كانوا يطبخونها فيأكلونها ويستطيبونها كما يستطاب لحم خروف الربيع .
فوسوس اليه وسواس واستولت عليه هواجس وبادرته افكار كثيرة اوعز اليه بعضها ببيع قطعة أرضه الى الفلاح الكبير المجاور له الذى كان يستحثه على التفريط له فيها . لكنه اعرض عن ذلك تعنتا لكرامته ونقمة على منزلته فاستعان بابنيه الكبيرين وربطهما الى محراثه الذى ظل ملقى بعد موت دابته فحثهما على جره كى يفوزوا ، رغم الدمار والعناء ، بثمرة كدهم . فأجهدهما فى العمل وضربهما ضرب السوائم حتى خجل من فعلته . فتركهما وعول على نفسه وهوى على الارض بمسحاته يستنجدها ويستجدها ويضربها وينتقم منها ومن الدنيا ومن نفسه ووجوده حتى انهكت قواه . تعجب من ذلك دون ان يقنط لانه لم يؤمن ان قواه قد فرطت منه بعد ما كان فى سنوات البركة يتجاسر على حماره فيحمله على ذراعيه وعلى شجرة البرقوق فيزلزلها زلزالا وعلى الخرشف فيدفعه بظفره فينقلع ويسمع له طلقة داويه كان يستحلاها بقدر ما كانت تعبر عن القوة الدافعة الكامنة فى عضلاته
لكن هذه الارض قد عادته وهذه السماء قد سخطت عليه وهؤلاء البشر من بنى جلدته قد تألبوا عليه . فنافسه الفقراء بفقرهم حتى يئس من تضامنهم
وتجاهله موسروهم وضايقوه حتى شك فى انتمائه الى جنسهم . منع ابناءه من السؤال مرات عديدة ثم تركهم يفعلون عندما تيقن انهم كانوا يتعاطون ذلك خفية . وشاركهم احيانا فيما كانوا ينعمون رغم اقباله على صيام اراد ان تبلغ به نفسه منتهاها فتدرك كنهها ومنزلتها فى هذا الوجود . لكنه لم يفلح فى تعصبه لنفسه حتى اضطربت السبل امامه وكاد يصيبه جن عندما سجن ابنه الأكبر اثر القبض عليه ليلا فى بستان جاره الثرى الذى أبى ان يشفع فيه الا بتنازل عبد القادر له عن قطعة ارضه . فزمجر غيضا واشتد هوسه ولم يفز بما يرضى كرامته ويطلق سراح ابنه . فقضى اياما عسيرة تصارع فيها غروره وعطفه الابوى . لكنه وفق بعد عناء الى حل كان يبدو له معقولا . فلو ذهب الى القرية واستقرض مالا من الدولة يمكنه من الخروج من قبوعه وييسر عليه اطلاق سراح ابنه . .
كان فى ذلك الصباح يقصد القلعة الجرداء لرابع مرة متمنيا الحصول على قرضه ، عازما على الرجوع هذه المرة بنصيب يعيد اليه ابنه وبسد رمق ابنائه الاخرين فيخرجون من أزمتهم التى أرادها طارئة . نظر ثانية إلى كوخه وسهله فلاحظ ان الظلام لا يزال مخيما عليهما . فهرع منهما هرع الخائف فى مقبرة واتجه صوب القرية يجر نفسه جرا . فأحس بعد مدة بثقل يعرقل عضلاته ويصعد الى رأسه . فشعر به يتكور ويستطيل ثم يصغر فيصبح حبة تافهة . سقط على الارض دون ان يشعر ونادى بكل قواه . فلم يسمع لنفسه صوتا ولا نفسا . نظر الى رجليه فلم يجدهما ومد يديه فلم يبصرهما غمرته حمى باطنية وسال منه عرق زاد على فشله . فأعاد النظر الى اعضائه فرأى عينى زوجته فى فخذيه وحافرى حماره مكان رجليه . أما ابنه المسجون فلقد امتد على ذراعه الايمن وشرع يصرخ ويعوى عواء الذئب المجروح بينما كان الجراد والجرذان والضفادع الافاعى تتخر ذراعه الاخر . استلقى على الارض واخذ يصرخ لكنه لم يسمع لنفسه صوتا ولا نفسا . فأغمض عينيه وأجهش بالبكاء فاستولى عليه اغماء لم يستيقظ منه الا بعد مدة . فمس اعضاءه فوجدها ثابتة سالمة قد اصابتها نحافة لم يدركها من قبل لانه كان يؤمن دون مبرر معين ان جسمه قد خلق ليظل قويا صلبا فيزلزل الارض وأهلها ويدوم شابا لا يدركه الفناء .
ولقد ازداد شعوره بالوهن بقدر ما كانت الاوجاع تسيطر على قفاه وتقيم غشاء امام عينيه . فكان يظن ان الشمس قد نزلت من الفضاء لتنخر دماغه وان السهول والهضاب الجرداء المحيطة به قد اصبحت سرابا ممدودا يقبل عليه تارة يكاد يمحوه محوا ويغيب عنه طورا تاركا اياه فى صحراء مقفرة كان ساكنها الوحيد . فيسمع صراخا وعواء ويرى أنوارا ولهبا تفزع منها نفسه فيضع يديه امام عينيه ثم يقفز ليفر . ولكن أين المفر ؟ . . ها هو حماره يسير امامه وعليه برذعة فخمة وفى فمه لجام جديد وقد امتطته زوجته وفى
يديها سبعة أرغفة على عدد افراد اسرتهما أسرع ليتناول رغيفه فرأى أبناءه يجدون مثله - فما كادوا يقتربون من الام حتى أقبل عليها سبعة غربان فانتشلوا الارغفة والام والحمار والاطفال وظلت امامه حفرة مستنقعه فيها حيوان مريع المنظر نتن الرائحة . أجهد نفسه ليبتعد عنهما لكنهما سدا فى وجهه كل طريق . فهرول يمنة ويسرة ثم نحا الى الامام وعاد على اثره . لكن دون جدوى . فقبع امام الحفرة وحيوانها وصرخ باكيا .
- اتركنى أمر ! أنا ماشى أطلب قرضى من الدولة . ابنى مسجون ! زوجتى ماتت ! حمارى مات !
فرأى الحفرة تتسع والحيوان ينتشر فيها وخرج منه رأس فخاطبه آمرا . - عندك " بوطيقة " بطيقة " ؟ - " بوطيقة " ؟ " بتوقة " ؟ " عتوقة " ؟ - قلت لك " البوطيقة " العتوقة معروفة ! واختفى الرأس وحل محله رأس اخر فناداه
- اسمك وعمرك وجنسيتك وقوتك ، وحمارك وأرضك وزواجك وأختك أمك و دماغك وبطنك وموتك وحريتك وسجنك ولوعتك . . و " البورطيقة
فما يكاد يفتح فاه ليجيبه حتى اختفى الرأس وظهر ثالث قد حلت يداه محل أذنيه . فكان يدفعه بيده اليمنى ويلوح بيده اليسرى لافراد آخرين ظهروا فجأة بجنبه . فسمعه يردد دون انقطاع .
- تأخر يا عبد القادر تفضل سيدى تأخر يا عبد القادر . . اهلا وسهلا سيدى . . تأخر يا عبد القادر . . حاجتك مقضية سيدى . يا عبد القادر الورقة ! الورقة !
فزمجر عبد القادر بكل ما أوتى من قوة وارتمى على الحفرة وحيوانها ورؤوسها ليأكلها باسنانه ويمزقها بأظفاره . فلم يجد لها أثرا . سمع دويا فنظر نحوه فرأى أمامه آفة سوداء هائلة تقبل عليه كالكارثة فتصدم رجله وتدميها ثم تقف ويقترب منه شخص
- لولا لطف الله والا قتلك يا راجل ! كأنك ما تسمع بوق السيارة ! مالك ترمى فى نفسك على الطريق كالمجنون ؟ جرحك صغير . هيا معاى للطبيب .
ثم انحنى عليه الغريب واخذ بذراعه ثم دفعه حتى جلس قربه بمقدمة السيارة التى تحركت نحو القلعة الجرداء
- هاك شوية خبز . زيد أشرب شوية لبن . يظهر كأن الدنيا غضبانة عليك . كلنا فى الهوى سواء والحمد لله .
فتناولهما عبد القادر آليا والتهمهما بسرعة حتى اذى معدته لكنه سرعان ما أحس بانتعاشة تتسرب الى جسمه وولتها نعسة خفيفة لذيذة لم تدم الا قليلا اذ سمع صوتا يفصح :
- سيداتى سادتى تستمعون الآن الى تقاسيم على العود من عزف الفنان البربوشى ، تليها نشرة اخبار موجزة . . دن دن رن رن دددن ررن دن دن ددددن . . وتوالت النغمات لطيفة عذبة كأنها السحر وكاد عبد القادر ان ينسى جرحه وهونه لو لم يبدل السائق الموجة فسمع
- يا عرب ! يا عرب ! يا عرب ! نحن عرب ! نحن عرب ! نحن عرب ! نحن اجمل الخلق واحسن البشر واشجعهم واكثرهم تقدما . الحرية كامنة فينا والبطولة سجيتنا ! والاشتراكية خلقت فينا ! الكفاح ! الكفاح الكفاح ! يا عرب ! يا عرب ! يا عرب ! يا أجمل الخلق واحسن البشر سنبلغ المجد وسنصعد الجبال ! لكن الهزيمة الهزيمة .
وبدل السائق الموجة مرة اخرى فأتى صوت جديد
- فرحة الحياة مضمونة لكل مواطن ومواطنة من ابناء هذا الشعب . يجب علينا ان نتحد ونعمل كالرجل الواحد . فسنوفر الخير للجميع وسنبنى المدارس وسنشق الطرقات وسنساعد العجز والفقراء والمرضى وستصبح الارض لخادميها وسنخلق الانسان الجديد وس . . وس .وس
فقال عبد القادر فى نفسه : وسأفوز بقرضى وسيعود حمارى وستحيا زوجتى وسينزل المطر وسيطلق سراح ابنى وس . . وس . . لكن صوتا جديدا قاطعه .
- اليكم سيداتى سادتى فصلا من الغناء الصالحى ستترنم به فتحانة بنت الجعجوع آ آ آه هه هه هه يا سيدى يا يا سيدى باين امه آه آه آه آوه آوه . . فتحمس عبد القادر ونسى محنته فأيد السائق وتأوها مع المغنية ثم صفقا ورددا معها .
- البل قالت : الاعداء ساقونى من واسع الاركان ومن العرش الغالى لحقونى الا سبعة فرسان آ آ آ آه آه .
وود عبد القادر لو دامت نشوته تلك الى اخر العمر لكن مداخن منجم القلعة الجرداء بدت اليه من بعيد آذنة بالفراق وبميعاد جديد . فأحس بيد السائق تطلق كفه لتضع فيه مائتى مليم
- خذها اشرى بها حاجة بعد خروجك من عند الطبيب
شعر عبد القادر بفرحة الحياة تعود اليه وببوادرها تتوافر لديه . فلقد تجسمت فى رحمة ذلك السائق المجهول وفى عطف الممرض الذي مسح على جرحه مسحة الرسول ولعلها ستكون على يدى أخ غريب سيمكنه من قرضه . الله كريم ! والناس بشر ! فتوجه توا الى سوق القرية حيث توجد ادارة القروض دون ان يفكر فى سواها لا سيما وانه يئس من امكانية الاشتغال بمنجم فسفاط القرية . فوجد السوق خالية فازداد اطمئنانه ، ظانا انه سبق غيره من المقترضين . فحث السير وحققت منية قلبه حتى أدرك مكتب الاستقراض فوقف امامه وانتظر حتى ضجر . فطرق الباب متأدبا . فلا مجيب . أعاد الطرق ثانية وثالثة ورابعة وانتظر . لكن صبره نفد فانهال على الباب يدكه .
- أنا الاول ! أنا الاول ! افتحوا الباب . لا بد من قرضى اليوم فطلع عليه فجأة حاجب عبوس
- مالك . - قلت لك لابد من قرضى - القروض انتهت منذ أسبوع - أنا قرضى مضمون . أنا فرحتى فى الحياة مضمونة . الراديو قالها سمعتها بأذنى وسمعها معى سائق السيارة - امشى يا راجل القروض وزعت وانتهت
وغلق الباب فى وجهه . فارتمى عليه عبد القادر يزلزله . فخرج عليه الحاجب وناوله ضربتين على رأسه فسقط مغشيا عليه . استيقظ من غفوته فرأى ألوفا مؤلفة من الناس محيطين به محدقين فيه . كانوا صورة طبق الاصل منه . يا للعحب ! ما هذه الرؤيا ؟ بل هى واقع . فهم صورة منه وهو لا يتميز عنهم ولو بجرح رجله . ما أكثر الفقراء فى هذه الارض
فصاح فيهم - من أنتم ؟ - نحن عبد القادر ماتت زوجته وحماره وفرط منه قرضه ! - اتركونى ! اتركونى ! يا فقراء ! يا تعساء ! - أنت الفقير ! أنت التعيس ! اتركنا ! اذهب من هنا ! ارجع من حيث اتيت . ارجع الى ظلامك !
ثم تناولوا جارة ورموه بها . فانهالت عليه من كل صوب فدمرته وكادت تقضى عليه لولا حائط احتمى به . فارتمى على الارض لاهثا مهشما . استراح ليلا ثم استقام وقصد معطوبا الحى الايطالى فى القرية ليشترى بمليماته ما يمكن ان يرضى به ابناءه . لن يعود اليهم فارغ اليدين . ذلك ما وعد به نفسه . رحم الله ذلك السائق ! أدمج يده فى جيبه ليتفقد ماله فلم يجده .
فتش جيبه الثانى ثم الاول مرارا عديدة دون ان يعثر على شىء . تحسس ثيابه وجسمه وشعره وانفه وأذنيه باحثا عن ماله . . لقد فرط منه مثل قرضه . لقد مات كما ماتت زوجته وحماره . فتوقف واخذ يبصق يمنة ويسرة ، على الارض وعلى السماء وعلى الحجر والاشجار ثم هم يمشى وهو يبصق حتى شعر برذاذ ينزل على جسمه . فابتسم ساخرا من نفسه لايقانه ان كل بصاق عائد على صاحبه . ولكن سرعان ما أدرك انه المطر ، انه الغيث النافع ينزل من السماء فكانت قوته تزداد بقدر ما كان يقترب من الطريق الرئيسية المؤدية الى كوخه . فهزته الفرحة وشعر بنفسه تطير كلما اشتد المطر الذى غسله غسلا . فعدا وقفز مناديا .
- يا سليمان يا بنى ! لابد تخرج من الحبس بعد الصابة ! حمارى سيعود زوجتى ستحيا ! ارضى ستخضر ! قوتى سترجع ! ولا حاجة لزكاة ولا " لبورطيقة ولا لورقة .
وتعلق بنشوته حتى اقترب من نهر وادى حيدرة فرأى السيارات راسية على ضفتيه قد حجر عليها اجتيازه . فسمع فى سعيه نحوها دويا كالزلزال البعيد الذى كان يزداد قوة وشدة بقدر ما كان يقترب من ضفة النهر . فخيل اليه وهو يصغى الى الصدى ان دوى الرعد وانفجار القنابل وصعق الصواعق قد تحالف وامتزجوا فاستولوا على الكون وطوحوا به وأصموا الاذان . وبغتة ساد سكون رهيب فخافت الدنيا واختفت . فانتشت لذلك روح عبد القادر الذى سمع وهو يتجاوز الضفة .
- الى أين رائح ؟ قف يا راجل ! هذا ياجوج وماجوج واصل بلغ سمعه صوت آخر
- إياك من النهر خاصة اليوم اليوم ! واد هرهار خير من واد ساكت . فأدرك عبد القادر انهما صوتا السائق الذى جرحه والممرض الذى عالجه . فاجابها والبشرى تطلق لسانه .
- سأشرب النهر ! سأعود به لاولادى . سأشرب النهر لتخضر أرضى ويحيا اولادى
- ارجع ! ارجع ! واقتفيا اثره كى لا يدرك النهر . لكنهما عادا هرعين لما لمحا النهر يقبل ساكنا متلاطما كالجبل المتحرك على عبد القادر الذى وقف وسط مجراه ففتح فمه الذى أصبح هوة لا يدرك عمقها ومد ذراعيه اللذين بلغا الضفتين فقاما سدين شامخين وركز ساقيه اللتين صارتا عمادين تشدهما الارض والسماء فبدا للسائق وللممرض ان عملاق السموات والارض قد حل بنهر وادى حيدرة وشهدا المياه تغور فى فمه وهى تغنى
شارب النهر حي قائم ٠٠٠٠٠ لكن من يستطيع ان يراه ؟ لعلهم ابناؤه الذين اخضرت أرضهم بعده ولعله . . ولعله . وفى الحقيقة لا يعلم ذلك أحد لان الممرض والسائق اللذين سمعا أغنية المياه قد توفيا فانقطعت معهما الرواية . . على ان أهل المنطقة يرون انه كلما حمل النهر ولم يبلغ بحيرة أبى الاحناش ، أدركوا ان عبد القادر قد شرب ماءه ليسقى أرض أحفاده ومن ماثلهم من مساكين الارض

