عرف قراء هذه المجلة محمد ذيب قصاصا جزائريا بارعا صور حياة مواطنيه فى حيرتهم واحزانهم وفقرهم وبلائهم ، وصورهم ايضا فى ثورتهم العارمة واستبسالهم العنيد ونشدانهم للحرية والانطلاق . لقد عرفوه من خلال قصصه المعربة عن اللغة الفرنسية فلمسوا فيه ذاك الجزائرى الذى وعى نفسه ووعى شعبه فمضى يتحدث عنه فى نفس شاعرة : هادئة طورا وثائرة اخرى . ولعلهم لاحظوا ان هذا القصاص الشاب الذى فتح فتحا كبيرا فى الادب الجزائرى الناطق بالفرنسية قد وصف الاشخاص وتحدث عن الاشياء فى صور توحى وتلهم وتترك القارئ يسبح فى مجالات الخيال الفسيحة . فليست قصصه اذن مجرد وصف او استعراض لبعض الاحداث بل هى مجموعة من الصور الشعرية المتكاملة الموحية الملهمة ، اذ ان الحدود بين القصة والشعر لا وجود لها ، وان كان فى القصة بدء وانتهاء وحركة وتطور ففى طياتها ما يوحى ويلهم ، ولن تكون القصة قصة بأتم معنى الكلمة الا اذا تركت للقارئ مجالا للانطلاق والتحرر والتخيل والا فهى صورة فوتغرافية لا غير . فلا غرو اذن ان يكون آخر ما ظهر من انتاج هذا الاديب مجموعة من القطع الشعرية
ظهر هذا الكتيب الصغير فى اوائل سنة 1961 وقد نشرته دار " قاليمار " وقدم له الاديب الفرنسى المعروف " اراقون " مدير جريدة " الآداب الفرنسية " الاسبوعية وعنوان هذه المجموعة الشعرية : الظل الحارس Ombre Gardienne وهو يتكون من قطع قصيرة يمكن ان نجزئها الى قسمين كبيرين : القصائد التى قيلت فى الجزائر والقصائد المستوحاة من المنفى اى عند اقامة الشاعر بفرنسا ولعل شاعرنا احس بأن القسم الاول من الكتاب وعنوانه : الظل الحارس هو اعز ما لديه فاطلق على المجموعة كلها هذا العنوان . ففى القصائد الاولى نجد الامل ينبثق من اليأس والليل الذى يتبعه النهار والظلمة التى يعقبها النور بينما نلمس فى القسم الثانى من الكتيب مرارة الحيرة ومدى الاسى والحزن الذى تركه فى نفسه بعد الشقة ونزوح الدار . ويظهر ان القسم الاول يعبر عن الثورة ،
فما الظل الحارس الا هذه الثورة العارمة ، الحبلى بالآمال والايام الزهرة . فلا نجد حديثا الا عن الجبل والانحدار من الجبل والليل المظلم القاتم وما يتبعه من فجر باسم ونور ملهم ولا نجده الا متحدثا عن النساء وهن خائفات معتكفات فى الديار لا يخرجن منها وقد محت الرياح والامطار آثار اقدامهن من الطريق : فلا ذكر عنده للرجال ، كان هؤلاء قد تركوا ديارهم وابتعدوا عن نسائهم لتقوموا بالثورة البناءة . فالظل الحارس هو رمز - اذن - لهذه الثورة ولعل احسن قطعة تصور هذا كله هى : فى الارض تائهة : Sur la terre , errante وقد حاولت تعريبها فى نظم اخشى ان يكون هزيلا ولكنه متحتم اذ ان محمد ذيب وان توخى الشعر الحر فاننا نلمس فى قطعته موسيقى قوية وايقاعا بليغا وحتى القافية التى لا تظهر الا عند التعريب ؛ فنجد مثلا كلمة : boeufs اى بقر تزن مع arbres اى شجر او huttes : اكواخ مع Cri صراخ والامثلة من هذا القبيل كثيرة تمكن الدارس من القيام ببحث طريف .
في الارض ، تائهة
حينما الليل البهيم ينكسر
احمل الدفء على الشم الحداد
اخلع الثوب اذا الصبح انتشر
مثل انثى قد افاقت من سهاد
ثم مالت ترتضى ماء طهر
بلدى ، كنهه ناموس عجب
تعتق الانفاس فيه وتجول
يخفق الزيتون فيه بلجب
حولنا ، اذ بى اغنى وأقول :
ايه ارض وجهها طرا صهر
ايه ام فى الاخا حتما تجارى
بنتك ،
بالوحدة
لا تستقر
مع زمان يخدش القلب مدارى
اسمعى صوتى يجوس فى الشجر
يجعل الابقار تمضى فى الخوار
صبح ذا الصيف تبدى وتجلى
هو اوهى من سكون وهو ابلى
وانا اشعر انى مثل حبلى
النسا - ،
ايتها الام الاخا ،
ينتظرن صرختى -
فى كل كوخ
النسا - ،
ايتها الام الاخا ،
ينتظرن صرختى
فى كل كوخ
قيل لى لم ،
هكذا انت لم
تنقلين الخطو من باب فباب
فى ارتياد مثل زوج طالقه
تصرخين فى ذهول تائهه
عند ما انفاس فجر تنتظم
سائرات جائلات بالهضاب
يا جزائر !
اننى لست سوى
ربما ابسط ربات الحجال
ان صوتى لا يكف ابدا
عن مناداة سهول وجبال
ايه زوجات الاخا ، فى كل دار
مهبطى اوراس فافتحن الديار
عسلا هاتوا وخبزا من شعير
ثم ماء صافيا عذبا نمير
ها أنا جئت أعود وأزور
ومعى كل هناء وسرور
به تسعدن جميعا والصغار
فليزيدن نما كل وليد
ولتفتق ارضكم قمحا جديد
وكذا فليختمر خبزا يزيد
لا عدمتن من الخيرات شيا
واحطتن هناء سرمديا

