الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

شاعر ماء بلادي

Share

- الحلقة الثانية - عبد الله محمد جبر

شعره

" الشعر فيض تلقائى لعاطفة قوية " فالشعر شعور متدفق لعاطفة جياشة يرتكز على موهبة تغذية الثقافة ويمده بالنماء والرونق الاطلاع الدؤوب ، وتصقله المحاولات الدائبة فى سبيل التقدم والاستمرار .

وشعر شاعرنا فيه قوة السبك وجزالة العبارة وبروز المضمون في كلاسيكية متناهية ، فاذا قرأت له فكأنك تقرأ لشاعر جاهلى أو أموى أو عباسى لا لشاب فى هذا العصر عصر تحطيم الذرة وغزو الفضاء ، فعبدالله جبر بين شبابنا نادر فهو متأثر بالتراث القديم الذى عب منه الى حد التخمة والبشم فهو يغوص الى أى قديم ويحفظه ، يحفظ شعر المتنبى ومن قبله ويعجب بعبقريته الى حد الهوس وله تمجيد لهذه العبقرية منه قوله :

عجز الشعر أن يبدع ( ١ ) سواها

نفس جبار تعالت فى مداها

ذات عز لم يسعها موضع

    فى ذرى الكون ولم تحرز مناها

الف عام قد تقضت لم تمت

    تلكم النار ولم يخمد جذاها

غرها فى المجد برق خلب

    فيها أحمد كم ضل وتاها

يا ربا العاقول يا أرضا حوت

    شاعر العرب واستاذ لغاها

فهذا مثال على هذا الاعجاب المنقطع النظير بل على التأثير البالغ الذي سنلاحظه في كل قصيد لجبر تمر بنا وقد قسمت هذا الشعر الى ثلاثة اقسام : الغزل ، الاجتماعيات ، شعر الطبيعة فالى هذا جميعا .

١ - الغزل عند عبدالله جبر

الغزل هو أرق الشعر الذي يلامس أوتار القلوب فيرقصها بقوله ويتمثل به المحب المحروم ونبدأ لجبر بقصيدة لا تخلو من فكاهة وقد طلب صديق الشاعر سعيد منه أن يصف حاله فهو فقير محب يرنو للملاح وما اليهن من سبيل ولماذا ؟ لأن الاقدار قد رمته تحت الرصيف .

قال لى صاحب سعيد وقد ( * )

رمته الإقدار تحت الرصيف

صف برب السماء حالى فانى

      مستهام بكل شكل ظريف

أنا أدرى بما تكن وتبدى

       من شحوب أخفيت بالتفويف

حين أرصدت للملاح شباكا

       وتدلهت بالغصون الهيف

رب خصر كقبضة الكف شكلا

     يتثنى كغصن بان لطيف

وجبين كقطرة الطل لونا

      يتعالى من فوق عنق رهيف

وجفون محملات سهاما

     مدنيات لنا بعيد الحتوف

لا تلوموه بين جنبيه قلب

     يدرك الحسن والعمي بالألوف

فهو حينا قديس ( ٢ ) دين وحينا

      يرتعي السرب تحت قصر منيف

كالنواسى فى المجون ولكن

      حين يدعو النزال كأبن ظريف

ففي هذه القصيدة طرافة الوصف وحسبك أن تتأمل خصرا كقبضة الكف وأى خصر هذا ؟ !

وجبين كقطرة الطل لونا يتعالى من فوق عنق رهيف وهل رأيت جبينا كقطرة الطل لونا ؟ !

وحفون تعجز عن حمل سهامها لترسلها حماما على ضحاياها وهذا الصديق الذى هو كالريشة فى مهب الريح هو مرة قديس دين وأخرى ماجن شرير .

كالنوسي في المجون ولكن

حين يدعو النزال كابن ظريف !!

وشاعرنا من مكة من ابناء الشبيكة وها هو ذا فى تأثره بالقديم يترنم :

رعى الله من حي الشبيكة موضعا

    وغانية قد أخجل البان عودها

ولا غادر الوسمي ربعا مؤثلا

     ولا سح الا فيه فيض وعودها

مثقفة الافكار غربية الحجا

    لها ادب سام وعلم يذودها

قرأت لها شعرى فغنت وأطربت

    وحاكى احمرار الورد لون خدودها

لقد هشمت عود التقاليد وانثنت

    تقابلني دون النقا وحدودها

تقول كثير الناس طبل مجوف

      ويعجبها مني كلام يفيدها

فهذا عبد الله جبر في استعراقه فى القديم الذي أكسبه قوة اللفظ وضخامة العبارة في تكرير ما سبق اليه ، أخجل البان ، غادر الوسمى ، الخ مع أنانية ما نريدها له سبقه اليها من قال :

" اذا مت ظمآنا فلا نزل القطر "

اما عبدالله جبر فلا يريد السماء أن تمطر قطرة فى غير حي الشبيكة و النقا وحدودها وهذا منتهى الانانية أن يقول :

ولا غادر الوسمى ربا مؤثلا

      ولا سح الا فيه فيض رعودها

لقد ضيفتها يا أخا العرب " ولكن هذا من أجل التى :

تقول كثير الناس طبل مجوف

       ويعجبها مني كلام يفيدها

وهذه أبيات طفولية فيها سذاجة لطفولته وبراءتها وقد رجعت الشاعر الى عهد الصغر فشاعرنا يحب برنامج الاطفال فى اذاعتنا وعلى شاشة المرناء - التلفزيون - ويجلس اليه في براءة كأحد أطفاله . وهذه طفلة تقدم برامج الاطفال حازت اعجاب شاعرنا ببراعتها وبراءتها وحسن أدائها لاناشيدها فعندما تغيبت عن الشاشة سأل الناس :

قالوا : غدت كاعبا في الدار وابتعدت

   وصانها عن عيون الناس واليها

فرثى تغيبها بهذه الابيات البريئة

تغيبت حلوة العينين واحتجبت

       ولم تعد شاشة المرناء تبديها

قالوا : غدت كاعبا فى الدار وابتعدت

      وصانها عن عيون الناس واليها

واحسرتا لاناشيد ترددها

       كانت تنوم أحزانى وتسليها

أمسيت طفلا إذا قامت لننشدها

      أشدو حنينا واحيانا أغنيها

سمراء صادقة الانشاد بارعة

      حلو تلفتها حلو تثنيها

والخاتمة :

غابت فكل نشيد بعدها سمج

        فى مسمعى وغريب فى نواحيها

مهما تلاعب بالأوتار عازفها

         ما عاد يطربنى ترجيع شاديها

وهذه " تحية وبشرى " متأرجحة ( ٢ ) بين اليأس والامل والبسمات والاحزان بين الخير والشر فالأمل يسرى فى شرايينه كانفاس الفراشات فى الضحى ، كوجه حبيبته جميل المحيا اذا سبحت فى ضوئه نظراته يتماوج فيه الفن والسحر والهوى في حركات راقصة

أتاك زمان يا ربيع حياتي

         خليا من الاحزان والعبرات

رقيقا كانفاس الفراشة فى الضحى

      اذا ابتسمت للروض والزهرات

تماوج فيه الفن والسحر والهوى

       فكان جمالا راقص الحركات

جميل المحيا مثل وجهك هى المسا

      اذا سبحت فى ضونه نظراتى

وعندما تعتكر دينامية بالآلام وتتجمع عليها الأوصاب يتألم الشاعر وكأنه جريح فى فدفد ليس حوله من يواسيه أو يسليه وهو فى تلك الحالة يحاذر الاعداء الذين لا يستطيع لهم دفعا بنفس تأكلها الريبة ويوقد الشك فى جنباتها

ووالله ما غابت سماؤد مرة

        وصرت خلى البال والصبوات

وانى ليعنيني شقاك فأنثني

        بنار من الآلام مستعرات

كأني جريح في مهامه مفرد

      اذا اعتكرت دنياك بالنكبات

أحاذر اعدائى بنفس مريبة

      نقلب بين الشك والشبهات

تقولين لى هل بصرع الدهر غادة

     ويزرى باحلام المها الخفرات ؟

وتلك صروف الدهر يامى فاعلمى

      تكر على الفتيان والفتيات

وهذه آمال ضاحكة ودنيا مستبشرة في حياة بهجة عازفة بقيثارة الافراح تعبر في المحات الى تلك الدار الغناء دار مى . المتيمة فى لمحات .

أنتك الليالي ضاحكات بمنظر

       أنيق ومرأى رائع القسمات

بشائر آمال من الغيب ثرة

      تزف الى دنياك بالنغمات

ستعبر آفاق الوجود عشية

     الى دارك الغناء في لمحات

وبعد فهذا غيض من فيض وقطرة من بحر من غزل عبدالله العفيف اللطيف .

( للبحث صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية