الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

شاعر يرحل في العبير

Share

منعب انت كالشراع على اليم         ترامته زعزع  عمياء

وكئيب كانما انت كهف                ابدى ياوى اليه الشقاء

قد يخيل للقارىء عندما يقرأ هذين البيتين ، اللذين يناجى بهما الشاعر فليه المنهك المكدود ، ان صاحبه قد بلغ من العمر مرحلة قصية ، تجاوز بها حدود الشباب ، واطراف الكهولة ، وبات من الشيخوخة جد قريب ، غير ان الشاعر نور الدين صمود ، لم يزل فى شرخ الشباب ، وعنفوان الفتوة ، يعيش عالما خاصا ، يتخلله الغموض والابهام ، ويتسم بالطرافة ، وتجاوز حدود المتعارف المالوف ، فى كثير من مظاهره ، طويل القامة ، مع ميل الى النحافة ، ذو لحية كثة ، ذات نمط وجودى ، صموت المجلس ، برئ التصرف والحركات ، فاذا حملته على الكلام ، فكانما هو يتكلم الى ثيابه ، بصير بصناعته ، خبير بقوالب الشعر واوزانه ، وعلله وقوافيه ، حتى انه الف فيه كتابا ، يعرض الآن فى الاسواق .

وقد زاول دراسته الثانوية بجامع الزيتونة ، وكنت اعرف عنه وقتها ، ميولا ادبية ، ونزعة واضحة لقرض الشعر ، ويعتبر واحدا من قدماء رابطة - القلم الجديد - التى احتضنت الكثير من شباب الكتاب والشعراء ، وتخرج فيها الكثيرون ، ممن تلمع اسماؤهم هذه الايام ، ثم جهد ان ينشر بعض محاولاته الاولى فى الصحافة اليومية ، ويراسل مجلة الاديب البيروتيه ، ولكنها كانت تعتذر عن عدم نشر تلك المحاولات ، لضعفها ، وفي الآن نفسه كان يواضب على دروس مدرسة التمثيل العربى ، وعندما نال شهادة التحصيل العلمي سنة 1954 سافر بعدها بقليل الى القاهرة ، ليدرس الادب واللغة بجامعتها ، وبسبب ظروف سياسية ، تحول إلى بيروت فى السنة النهائية ، وبها اكمل شهادة التخرج ، وفي هذه الاثناء توضحت موهبته الشعرية ، واستقامت عنده ملكة الاداء ، فانشا يراسل مجلة (( الفكر )) التونسية ، كما اخذت محلة الاديب المذكورة آنفا ، تنشر له شيئا ، من انتاجه الشعرى ، ولما عاد الى تونس استقر باحد المعاهد الثانوية ، يدرس اللغة العربية ،

ويشارك فى نفس الوقت ، فى كثير من ألوان النشاط الادبى والاذاعى ، ومنذ سنة تقريبا ، اصدرت له احدى دور النشر مجموعته الشعرية الاولى بعنوان - رحلة فى العبير - وهى لا تشمل كل اشعاره ، بل هي منتقيات من انتاج ، احسب انه غزير ، وان كنت الاحظ فى هذه السنة بعض الصمت يغلف الشاعر ، لم يعودنا به فى الاعوام السابقة .

وقد تكون هذه المجموعة الاولى - رحلة فى العبير - الصغيرة نسبيا ، قاصرة عن ان تمدنا بالسمات الحقيقية لوجه الشاعر ، او ان تحدد لنا الملامح البارزة ، لاسلوبه الفنى فى الشعر او ان تبين لنا الاغراض الكاملة ، التى ادار عليها شعره ، قد يكون هذا صحيحا او لا يكون ، ولكنى اعتقد من وجه آخر ان الشاعر الحق ، هو من تستطيع ان تتعرف على ابعاده الروحية ، وتستشرف افاقه النفسية ، وتلمس خصائصه الفنية ، من خلال اى قصيد من قصائده ، او مقطعة من مقطوعاته الشعرية ، فالنبوغ الفذ لا بد ان يترك آثاره ، ولمسات اصابعه السحرية ، على كل عمل صدر عنه ، ونحن لا نزعم - موضوعيا - ان شاعرنا يملك مثل هذا النبوغ الفريد ، الذى يسم كل شئ بميسمه ، وانما نهدف الى ان نبين ، انه بالامكان ، ان نجد صاحبنا فى مجموعته الشعرية ، التى بين ايدينا الآن ، وان نتعرف على خط سيره النفسى والفنى معا ، اللذين مر بهما عبر رحلته الشعرية ، وان نلاحظ الدروب الصغيرة، الفرعية الاخرى ، التى تهيأ له فى بعض الاحيان ، ان يتجول بها ، وان يتوقف عندها زمنا .

ومنذ الوهلة الاولى ، وانت تمر بقصائد المجموعة ، متريثا او متعجلا ، يرتسم بذهنك خاطر ، لا يمحى ابدا ، ينبئ عن نفسية الشاعر ، ويشئ بالخط العاطفى الذى صدرت عنه اعماله ، هو هذا الروح الرومانسى الذى يسرى فى القصائد ، سريانا يضعف ويقوى ، ولكنها تتلون به على كل حال، تلوينا ليس الى انكاره من سبيل ، حتى فيما اتجهت اليه من موضوعات شبه اجتماعية او عامة ، املتها ظروف خارجية او دعا اليها ، موقف للشاعر خاص .

والتعليل لهذه الظاهرة البارزة فى شعر الشاعر لا يتجاوز الظروف الاجتماعية والسياسية التى عرفها المجتمع التونسى ، خلال فترة الاربعينات والخمسينات ، وما سادها من استبداد ساسى جائز قهر النفوس وملأها هما وحزنا وما كانت عليه كذلك ، اوضاعنا الاجتماعية ، من انغلاق وكبت

وجمود ، حددت كلها مجال الحركة والنشاط ودفعت بالكثير من شبابنا المثقف ، المتأدب منه بصفة خاصة ، الذي كان يتلمس طريقه وسط ركام الاحداث الجائرة ، الى ضروب من العزلة والانطواء ، خوفا من قسوة الواقع وصرامة ردود افعاله ، والالتجاء الى الوهم والخيال ، حيث يتيسر التهويم الطويل فى عالم الذكرى ، ويستساغ بيسر مضغ الاحلام ومداعبة الامانى العذاب ، وملاحقة الاطياف الشاردة ، لتتعزى النفس عما فقدته فى دنيا الواقع ، وتتلهى عنه بما يشبه ان يكون احلام يقظة ، يضاف الى ذلك ما كانت عليه البيئة التعليمية - يومئذ - من اسلوب فى التربية ، لا يراعى غالبا احتياجات النفس الشابة ، الى الرعاية والتوجيه ، بل ان طبيعة التعليم نفسه لا تؤدى مهمتها فى الاثراء والنفع ، وتقتصر على التلقين الجاف ، لمعلومات باتت لا تستجيب لمقتضيات الواقع الاجتماعى للشعب ، والواقع النفسى والفكرى للشباب .

ثم ما كانت عليه طبيعة هذا الشاعر ، من استعداد فطرى ، للتأثر العنيف ، والانفعال القوى الحاد ، والميل الى المسالمة ، وتجنب المدافعة والاحتجاج فى نفس الوقت ، ربما كان مرد ذلك ، الى خصائص معينة ، نفسية وفيزيولوجية، قد اختص بهما ، او انحدرتا اليه من وراثة قريبة او بعيدة ، حسب من يقول بهما من علماء الوراثة والاجتماع ، والنتيجة الحتمية ، لكل الاسباب المتقدمة ، ان يكثر التشكى من الحياة ، وان يعبر الشعر عن الشقاء الذي يغمر النفس ، ويسد امامها ابواب الضياء ، وان يكون الحرمان من المراة ، ومن عطفها ، ومن تجربة الحب معها ، من اكبر اسباب ذلك الشقاء :

فى نزوع الى البكاء غريب كلما الذكريات طافت بنفسى

ربما يجهش الشعور ويدوى فى كيانى والحزن يملأ حسى

وتغشى الدموع اجفانى الحيرى اذا ما رأيت اطياف أمسى

والعذاب الدفين يوقظه التذكار فى القلب من قرارة بؤسى

واذا ما ضربت صفحا عن الذكرى واغضيت عن كآبة حرسى

ندم ظل فى قرارة قلبى ينهش الروح فى جنون وبأس

ربما تنقضى الحياة . وأبقى - أبد الدهر - تائها لست أرسى

في صحارى الظنون يرهقنى التسيار وحدى وامتطى كل هجس

وسأمشى وبين جفنى زاد قدسى حملته للتأسى

ولا تحسبن الشاعر ، اذ يألم هذا الألم العنيف ، واذ ييأس هذا اليأس المفرط ، واذ يشكو هذا التيه والفراغ ، والظنون الكئيبة ، انما كان ذلك بسبب حب حقيقى واقعى ، يعيش بالتجربة الحية ، وينمو بالصحبة والاختلاط، كلا وانما هى بسمة عابرة ، وخصلة شعر عادية ، اهديت له ، فظل يحلم بها ، ويبنى لها قصورا من الاوهام فى نفسه :

بسمة شعشعت كيانى شعاعا هى فى غيهب الضلالة شمسى

ويكفى خصلة الشعر هيمى من غرامى غضيرة كالدمقس

من شذاها استاف بقيا رجاء أبدى كخمرة المتحسى

لقد نظم الشاعر هذا القصيد ، سنة 1955 ، وهو ما يزال فى - بداية الطريق - الفنى كما يقول ، اى فى تلك الايام ، التى اخذ يستعد فيها ، لتخطى مرحلة المراهقة ، - نفسيا وفنيا - ويستقبل مرحلة جديدة ، قد تكون فيها الرؤية اوضح واصفي واجدى ، ومن اجل ذلك فنحن لن نتوقف عنها لنحاسبه ، على ما قد يكون بها من ضعف فى البناء الفنى ، وما قد نلمسه فيها من اضطراب فى الصياغة ، او ضمور فى التجربة ، وانما يكفينا منها ، انها اعطتنا صورة وافية ، عن تلك الفترة ، التى عاشها الشاعر وكثير من الشعراء امثاله ، الذين كانوا يقتاتون الحرمان ، ويتوسلون الى المرآة والحب ، بالشكوى والانين والذكرى ، وتتدفق بقصائدهم سيول العاطفة الجامحة التى لا يردعها رادع ، من تماسك المنطق او الفن ، فلنتركها اذن ، ولننتقل الى غيرها من قصائد المجموعة ، فقد تقدم لنا الجديد ، في الفن والتجربة ، وقد تدل على تحول وتطور من مرحلة الى اخرى .

ولكن الحقيقة ، رغم ان الشاعر مر بتجارب متعددة ، وارتبط بعلاقات متنوعة ، بحكم الظروف ، التى وجد فيها نفسه يدرس بالقاهرة ، وبيروت ، ويحكم عمله الاجتماعى ، فى تونس ، ورغم ان أسلوب الاداء عنده ، قد تطور واخذ يقترب شيئا فشيئا ، من النضج الفنى المطلوب ، كما سنتعرف الى ذلك بعد حين ، فانه ما زال ينظر الى المرأة ، نظرة وجلى ، مثالية - ان شئت - يقصر اللفظ عن ان يحيط بجمالها وسحرها ، وانها منه ، بعيدة ، بعيدة ، حتى لا تستطيع امانيه ان تحتويها ، لفرط جلالها وقداستها فى نفسه ، وقد كانت المرأة في كثير من قصائده ، المصدر الاوحد لسعادته التى لا تحد بحدود ولشقائه الذى لا يقاس به شقاء ، ذلك لانها جزء من بعض وهمه ، وطيف خيالى ، لا صلة له بدنيا الناس ، انظر اليه كيف يخاطب شقراء :

شقراء يا دمية أوهامنا                   كم عشت عبر الوهم فى وهمى

يا بهجة النسرين فى صحوه           يا فتنة الاحلام فى النوم

يا نشوة الاقداح من خمرنا              يا فرحة السلة بالكرم

احداقك الشهلاء حوطتها                بالنور . . بالاشذاء . .بالنجم

يا نشوة الخطاف فى عشه            مسيجا بالشدو والحلم

يا ركضة الدفء بأوصالنا               فلتهطل الامطار ولتهم

ان صرت يوما طوع ما اشتهى       برقعت وجه البدر بالغيم

فهي أمنية ، ان تحققت ، فان الطبيعة ستكشف له عن كل مفاتنها ، وان الجمال ستبدى له مشرقا فى كل طريق ، بل انه ليتحدى الحدود - فى الوهم طبعا - ويعيد بخياله تركيب صور الطبيعة ، حتى تغدو معرضا للجمال ولوحات فتون ، تعيد الى النفس بهجتها المفقودة ، وللواقع خصبه وامتلاءه ، وهي صور فيها طرافة محببة ، وخيال لا يخلو من صحة ، الا ان الصورة الكلية للقصيدة يضربها بيت النهاية ، الذى يكشف فيه الشاعر ، عن تكلف التجربة ، وان موضوعها يتغذى من الاوهام :

شقراء قولى اين اين اللقاء        أم نلتقى فى شاطئ الوهم

ثم ان هذا البيت من وسط قصيدة لا يعجبنى :

ان صرت يوما طوع ما اشتهى       برقعت وجه البدر بالغيم

ذلك لان البدر يكشف عن روعة جماله حين يسفر وحين تسرى اشعته فتغمر الطبيعة ثم ان للعشاق مع نوره الوضاء ، لاحاديث كثيرة ونجوى ، وشؤونا وشجونا ، والمرأة عنده فى صورة اخرى مطلب اساسى ينبغى السعى وراءه ، وحاجة من حاجات النفس الملحة ، التى لا تهدأ الا بالطواف والحركة ، فلأشواق الحبيسة فيض ، لم يملك ان يتماسك به ولعواطفه التى كبتت ازمانا ، اتواق تتلظى ، لا يريحها إلا التهويم ، والبحث ولو تعلق بالمستحيل والمطلق ، خلف النجوم البعيدة :

سأركض خلفك يا زهرتى     فانى فراش يحب الزهور

ويبحث عنها بشوق ملح    ولو نبتت فى رحاب الاثير

ان الفراش بحث الزهور والورود ، ويحلو له دائما ، ان يرف باجنه الجميلة ، فوق مشاهد الفتنة والبهجة ، ولكنه ايضا قد يغرى باللهب المتراقص

فيحترق فيه ، وهى صورة يكثر العثور عليها فى قصائد الشاعر ، وتحمل لنا اكثر من دلالة واحدة على نفسية الشاعر وفنه ، فهو ظاميء النفس الى المرأة ، ظمأ يعكس صورة المجتمع المنغلق على نفسه ، ومثالى التصور للمرأة والحب ، يزداد اقبالا عليها ، كلما ازدادت عنه بعدا ، وكلما استيأس من الحب ، واصدر الواقع حكمه القاسى بالخيبة والفشل ، اشتد امعانه فيه ، ومضى فيه مضيا ، بذكرنا بالعذريين من بوادى الحجاز ، ولا ينبغى ان نجد فى ذلك اى غرابة ،

لاننا بازاء شاعر رومانسى ، تأثر شديد التأثر بمفاهيم الرومانسيين ، فى الفكر والحياة ، والتزم باسلوبهم فى المعالجة والفن ، وسار اثرهم فى الطريق الطويل بين الظلال والدموع والآهات ، غير انه مع ذلك ، كما نجده فى عدد من قصائده الاخيرة ، رقيق اللفظ ، لين العبارة _ كعاطفته _  يجيد فى احيان كثيرة مخاطبة المرأة ، وقد يقع على صور بديعة حقا ، نفتقدها فى كثير من اشعار معاصريه من الشباب ، وتدل على قدر من الجهد ، اخذ به نفسه فى تثقيف ادواته الفنية والاطلاع على التجارب الجديدة ، التى يمارسها شعراء التجديد :

عيناك يا حبيبتى بحيرتا حنان

أراهما فأبصر الضياء والظلال

وأبصر المحال

كم مرة بدأت رحلتى _ غيرهما _ فى عالم الضلال

كأننى فى متحف الجمال

أراهما فتفتح الدروب

على عوالم الطيوب

ويوشك الخيال ان يرى الغيوب

وقد تخلى فيها _ كما هو واضح _ وهى اكثر من مقطع واحد ، عن كثير من التشابيه التقليدية ، والمعانى المكرورة فى الصد والهجران ، والسهام والنحر  ، وما الى ذلك من المعانى ، التى كثيرا ما تتعدد فى عدد من قصائده ، وقصائد غيره ، سابقين ومحدثين ، واستطاع ان يوفق بنجاح ، الى مزج عناصر الطبيعة ، وفتنة الاعين الاخاذة ، برؤى الخيال المجنح فاتت صورة ، متعددة الالوان جذابة ، موحية باكثر من معنى ومشهد ، الا اننى اعتقد _ رغم ذلك _ ان تجربته فى القصيدة ، لم تتحرر من الذات ، فى انغلاقها على نفسها ، ومن المثالية فى النظرة ، التى تسبح به الى ما وراء الغيوب ، بعيدا عن واقعه في الحب والحياة ، ولهذا فانه يصيب نجحا فنيا اكبر ، وقدرا من التوفيق  ،

لا يقاس الى سابقه ، حينما استغل ما يحفل به واقع الناس ، من جهاد فى سبيل الحياة ، ومن اشواق مقدسة لبلوغ امانيهم في الازدهار والرخاء ، وربطه بتجربته الخاصة فى الحب ، وبذلك تحرر من _ الانا _ الضيقة ، واتصل بالنحن حيث يستطيع كل فرد ان يجد تجربته الخاصة ، فى تجربة الشاعر  ، وان يعثر فيها على شئ من ملامح نفسه ، ومن رؤاه التى تتعدد فى كل سبيل ، والنتيجة الطبيعية لكل ذلك ان تتجاوب الانفس مع القصيدة ، وان  ترتسم قسماتها فى تضاعيف الوجدان والخيال  :

أحبــــك أقســـــم بالنــــرجس         وبالسحـر فى الأعيـن النعس

وبالكــرم يلهــث شوقــا الى          ثغـور  الأبــاريــق  والأكــؤس

وبالموج موج نضـار الـزروع         يغشــى البيـــادر بالسنـــدس

بشـوق الملايين فى أرضهـا         لمحصـولها الأنفس الأقـدس

احبــــــك أقســـــم بالنـــرجس

وبالسحر فى الأعين النعس

بتلــك الغـــلال وذاك الجنـى             بذكرى الشتاء وحلـــم الربيــــع

بمحراث شيـــخ يشق الثـــرى             وقـد انهكتــه ليـــالى الصقيــع

وبالعـرق المر يكسـو الحيـاه            وقد مازجتـــه الدمــا والدمــوع

وبالمرج فى مهرجان الربيع            وبالصيف فصل حصاد الزروع

أرأيت كيف ان رؤيته الشعرية ، قد اتسع افقها ، حتى شملت الملايين ، وان تجربته الخاصة ، فى هذه القصيدة ، لم تضـق عن استيعاب نوازع الآخرين ، وصور مساعيهم العادلة ، وقد مازجتها الدماء والدموع ، بل انك لا تستطيع ان تعزل شيئا عن شئ ، فى عملية التجربة الشعرية ، لانها نمت نمو طبيعيا ، فى هدوء ولين اولا ، ثم فى شئ من الاشتداد والقوة في الوسط ، ثم عود الى نفس الهدوء الطبيعي الاول ، فى ختام القصيدة ، دون ان تحس تكلفا فى انتقاء الصور الخاصة والعامة ، ودون ان تجد قلقا فى الانتقال من مقطع الى آخر  .

ولكن ليست كل القصائد ، فى مثل هذا المستوى الطيب ، فانها تتفاوت وتختلف ، اذ تحلق مرة ، وتسف اخرى ، وقد يكون مرد ذلك ، فيما اعتقد الى فقدان الخلفية الفكرية او الفلسفية ، التى تصدر عنها اعماله ، بل هو رهين الخاطرة العابرة والصورة الزاهية ، التى سريعا ما تنطفئ ، والمناسبة

المؤقتة التى تموت بفواتها ، ولا يمكن ان نعد رومانسية الشاعر فى قصائده  ، فكرا له ابعاد ، او فلسفة لها اعماق ، كما نجد ذلك عند مؤسسى هذا المذهب فى الغرب والشرق ، وانما هى عند شاعر نا حالة تعاش ، وصور خلابة يتعلق بها ، لذاتها ، لا لما يمكن ان تؤديه من عمل او حركة ، هى ليست موقفا _ ولو على مستوى النظر _ له ما لكل المواقف ، من تماسك وصلابة  ، وقوة ثراء ، لا تنفذ بالاستعمال والتعبير ، ومن اجل ذلك اضطرب اسلوب البناء عنده ، حينما اراد التوغل فى متاهات التفكير الكلى ، او النظريات الشاملة لقضايا الانسان والارض ، وما يتطلبانه من احتياجات فى التحرر والتقدم ، لما يلزم من ركيزة قوية فى النفس ، يقام عليها اى بناء فكرى او فنى عظيمين ، ولنأخذ قصيدته _ مأساة سيزيف _ ( 1 ) التى احسب ان الكثيرين يعدونها من اعمال الشاعر العظيمة ، ويرون فيها تطورا مهما ، لفن الشاعر ونفسيته كذلك ، بينما هى فى الحقيقة ، تعبر عن اضطراب فكرى ونفسي للشاعر ، وتدل على تردد عنيف ، استهلك طاقته الفنية ، وسلب منها كل امكانياتها فى التعبير عن الهدف الاسمى ، من وجود الانسان فى العالم  ،

وفى عالم متخلف بالذات ، وهو يستهلها بالحديث عن صرار يغنى ، ويشيع من حوله _ بحورا من غناء _ وعن قط حقير يختال عظمة وكبرياء ، لما يتوفر عنده ، من مطالب اللذة المحرمة ، بينما الشاعر الى جانبهما ، يبدو كنملة عرجاء ، يجري _ خلف قوت الغد _ دون ان يحقق شيئا له خطر ، ويعلن اسفه البالغ على ذلك ، بل انه ليزمجر بغضب ، ويتحدى بقوة ، صولة القط وغناء الصرار وسعى النملة العرجاء ، وحركة الطير الكسير ، مشبها موقفه هذا ، بما نستخلصه من موت الشاعر الاسبانى _ لوركا _ الذى قتله الفاشون ، فى اسبانيا غداة الحرب الاهلية ، ويتجاوز ذلك الى الاعلان عن موقف او شبه موقف ، فلن يغفو بعد الآن ، وسيظل صاحيا يقظا ، وتمتلىء نفسه ابتساما وانشراحا ، لما حققه من اكتشاف خطير ، حول بؤسه وشقائه  ، الى امن وسلام ، ترى ما الذي ادرك واكتشف :

انا قد ادركت أن العمر كل العمر حتى منتهاه

عبث محض سخيف

وتبينت بأن الناس ، كل الناس فى هذى الحياة

فيهم روح _ سيزيف

وينهى قصيدته بشئ من الاستسلام ، والرضا بما هو كائن ، وبما قدر له ان يكون ، ويتحول موقفه من النقيض الى النقيض :

نغبط الصرار اذ يشدو ويشدو

فى بحور من غناء

وهو موقف لم يكن متوقعا اطلاقا ، ولا توحى الاجزاء الاولى من القصيدة ، بشئ منه ، بل انه ليصدم القارىء ، اذ يفاجأ بأمل سريعا ما يخيب ، وبعزيمة ما تلبث ان تخور وتضعف ، وان العجب ليدرك الانفس القارئة ، ويرسم على صفحاتها ، علائم الحيرة والقلق ، قبل اى تذوق او اعجاب ، غير ان كل ذلك يزول بمعرفة حقيقة الشاعر الفكرية ، التى تخلو من اى تكامل نظرى ، وتفتقد المنطلقات الاساسية لكل وجهة نظر يراد لها النفاذ والتأثير ، بل هى شتات من آراء لم تحكم بعد ، ولم تتبلور فى خطوط واضحة ، يمكن ان تقدم الحل  ، او تحتمي بالسبيل القويم ، حال الاشتباه والضياع .

ان موقف الشاعر فى القصيدة ، كان يمكن ان يتطور ، ويصل الى مستوى التمرد والثورة ، على الواقع الكائن ، الذي ان تحت وطأته كثيرا ، ولكنه انقصف به فى حفر الطريق الوعرة ، ولم تكن له الامكانيات الغنية ، او الطبيعة الغلابة ، حتى يثابر ويصمد ، فآثر التسليم والقضاء ، بالرغم من موضوع القصيدة ، الثرى بالمعانى ، التى توحى بها اسطورة _ سيزيف _ اليونانية الشهيرة ، لقد كانت دوما رمزا للعذاب الدائم ، وللقضاء الذى لا برحم ، ولكنها مع ذلك تحمل فى ثناياها ، قوة الانسان العظيمة ، فى شدة احتماله وصبره ، وفي قدرته الدائبة على العمل ، رغم وقر الظروف ، وأ العقاب ، وبذلك تصبح الاسطورة ، رمزا للقوة والصبر والعمل ، بدلا من رمز التسليم والاذعان  .

ولعل الشاعر قد ادرك سر ذلك فى نفسه ، فأوغل فى الاساطير والرموز ، برصع بها قصيدته ، دون ان يتنبه الى ان الاكثار منها ، يضيع على القارىء  ، فرصة الاستغراق والمتابعة ، والتلاحم بفكر وعواطف الشاعر ، لانه سينصرف عن الموضوع الاصلى ، الى ما تتيحه الاساطير والرموز من لمحات جانبية  ، بالرغم من ان الرمز والاسطورة ، يوفران للشاعر الجيد ، امكانيات فنية كبيرة ، ويقدمان له مساعدات لا تتوفر لديه بدونهما ، فهما يمنحانه الفرصة ، لعمق اصول تجربته الشعرية ، وليمد جذورها ،  إلى اعماق النفس

والتاريخ ، ولكن الامر مشروط ببراعة الاستعمال والقدرة على الانتقاء والاختيار ، وهو امر احسب ان صاحبنا الشاعر قد اخطا سبيله اليه فى هذه القصيدة .

وقد يكون مفيدا ان نشير الى ان الشاعر لم يسلم من التأثر ، بهذا الشاعر او ذاك في عدد من قصائده ، وانه يستلهم بالذات الشاعرين ، أبو القاسم الشابى ، وعلى محمود طه ، فنراه يستوحى صورا للشابى عرفت له فى قصائده حول الشعر ( 1 ) ونراه يتنزل روح على طه ، فى قصيده العظيم _ ميلاد شاعر _ التى مطلعها :

هبط الارض كالشعاع السنى          بعصا ساحر وقلب نبى

ويستغلها فى قصيده _ نور السماء _ :

سموت بقلبى وبالخاطر          وبالروح فى عالم غامر ( 2 )

غير ان كل ذلك لا ينفي ان شاعرنا له طاقة شعرية حسنة ، وصياغة بديعة ، تتوهج بالابداع فى اكثر من قصيدة وتدل على اننا بازاء شاعر له مستقبل ( * ) .

اشترك في نشرتنا البريدية