الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

شباب دائم

Share

تسألنى : ما الشباب ؟ أليس فى سؤالك هذا فضلة من مخلفاته وآثاره ؟ ! ألم يكن لك به علم وقد دفعك الى مثل هذا التعطش للعرفان ؟ ! بلى انك لعلي علم مباشر بكل عوالمه ، وعلى ادراك واضح بكل خفاياه وأسراره . . وانك كذلك وان نعت بالطفولة المبكرة أو رميت بالشيخوخة الهرمة . . أو ليس فى ربوعه النضرة تلاقى الارواح الحالمة الضامئة بالذكريات المتحرقة الآسفة . . او لم يكن للمتحفزين اليه صبوة من نار وتعشق مهذار . . دعاهم مرة الى جنانه الصاخبة باستعجاله النمو وبحثه نضجهم المتعثر المتلكىء على وأخرى لاغتنام هجوع الرقباء وانتهاز الفرص الممتعة . . وثالثة الى التراجع بالذكرى عل النفس تشبع اشباعا هلوسيا بقايا نهمها عندما يحز بها ألم الوهن ويطوح بها سلطان الحرمان .

اجل هو الشباب . واحد يعيشه وثان يتخيله ويطمح اليه . وثالث يدكره وياسف على فراقه . فهو اذن عهد زمنى من حياة الانسان تتفاوت جميع الناس فى الاحساس به والانتفاع بوروده وثماره ألا أنهم جميعا على قدر سواء فى الارتباط بعوالمه الممتدة ولعل أبعد الانام في نظر الناس عنه كان أشدهم ارتباطا والحمهم صلة بمميزاته وعوارضه في واقعهم الذاتي وواقع الاشياء والاحداث . فلا أنت بموفق حينئذ ان قست عهوده بالايام والسنين او حددت نضارته بالكلمات . . ولا أنت على هدى من أمرك ايضا لو قصرته على بعض الاحياء وجردت بركته وخبراته من بعضهم الاخر . فأنت لو فعلت ذلك لكنت غرا في انخداعك بمظاهر الامور وامعة حال بينك وبين لب الحقيقة اعراضها الباهتة بله القشور .

شباب رايت فيه الجنة التى أريد بك الخروج منها على حين غفلة أو من دون ان تشعر جنة اعتدت فيها النعيم وآلفت منها الرحمة وبعد ان لذ لك فيها المقام قيل لك : ان اخرج منها . . قيل لك ذلك عندما آدك عبء

المسؤوليات واثقل متنك تراكم السنين وما حل بالسنين من أحداث وأحداث هو الشباب عندما ازف آفوله هالك من وجودك وفي أعقاب وجودك ان تنفطم عن سلسبيل المتع ، وصدمك نبأ مضيها الى غير رجعة فأرسلتها صرخة بالغة الشكوى نافذة التوجع .

زعموني شيخا ولست بشيخ انما الشيخ من يدب دبيبا

ثم هى هنيهة من التأمل فيما فات وما هو آت فاذا أنت على شباب مستجد تتحدث عن النور الخفاق الاخاذ ، وعن الجلال المبجل المهاب ولعلك تسهب فى وصف الضجيج والجلبة ، في تصوير الحيوية التي لا تحكر والفراغ الذى لا يحد ، ولعلك عرجت في الكلام عن الماضي على رحاب الانس البعيد فاستوحيت منه اريحية ربما عقبت عليها فى النهاية : كان يا ما كان . .

ولقد توصم بالهروب الفاجع من مواجهة الواقع الاليم عندما ترى فى شرك التمنى الممض صريع الاشجان والاكدار يخفف من وطأة الخيبة ارسال الزفرة ومواصلة التأوه ، ولقد تؤنسك العبرة فى هذه الحال فترامى على عتبة شعورك حكمة ربانية او نفحة شعرية تهدئ من روعك وتبلسم من جروحك كتلك التى حتمت لكل أجل كتابا او التى علقمت نفس القائل

ليت وهل ينفع شيئا ليت ليت شبابا بوع فاشتريت

وفى سياق هذا الاسى قد يعاودك الصبا وتراجعك نفحاته بجميل الامنيات واغر المطامح الى ان تهزك هزا عنيفا وتدفعك بالتالي دفعا قويا ثم هى لحظة واخرى فاذا آت على تاوه المقهورين الذين انتزع منهم كل شىء ، ساعة تحتبس في صدرك الانفاس ويستحوذ على مشاعرك ذلك الخناس الوسواس حتى امتلكك الضجر بالرؤى القاتمة والحبيبة - فى آن واحد فصرخت ونفسك تتنزى ألما :

ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب

ولشد ما كان وقع هذا الهاجس الشعرى فلقد أوحى المزيد من الاسى والمبيد من الازمات وإن من الشعر ما كان لفظه أبلغ من معناه ومنه ما كان معناه انفذ من لفظه ومنه ما ليس للفظه ومعناه أى وقع يذكر سوى البسائط السخيفة والجمل المرصوفة .

لك حقا فى شبابك عهود من حياة الرضى ، وباقات من اجنة الهوى واحاسيس مياسة بالنغم الطروب . وحق عليك ان تبر بعهوده وأن تترحم على افنانه التى اظلت عند لفح الهجير . ونفحتك عند تجهم الغروب . حرى بك الاسف وقد كان لك فيه حيوية ضمن حيوية بل حياة ممزوجة بحياة . نعم قد يرى لك فيه نزق عربي وطيش مريد الا انه على كل حال نزق عابر ومغفور وطيش موقوت نازح قد ينتظر له منذ البدء الاعتدال والكمال بل الاتزان والجمال . ومن الناس من أعقب له الشباب ليلا ساهرا وطرفا حائرا وإن بمثل هذا المصير الرشد المكين والاهتداء الامكن

نعم هو الشباب قد تشب فى أجوائه نيران الحيرة الفكرية وتطلعات الفضول الملح . تحيرنا فيه قضايا الوجود وما بعد الوجود ، وينهكنا في تياره السير بين المحظور وغير المحظور ويرهقنا فيه التنبؤ بما هو ممكن وما هو غير ممكن وانه لمن المألوف ان تجد فى عوالمه الثورات الهوج تلك التي تستثنى فى تهجمها واستبدادها لا التقاليد المرعية ولا العادات المقدسة تلك التى عرفت لدى الجميع منذ بدء الخليقة باتجاه مبدئى لا يبقى ولا يذر ، ديدنه الاتيان على كل قديم سواء منه الخاطئ السقيم والمصيب القويم .

تمهل هل عرفت من شبابك سورة تلبس الحق بالباطل والفضيلة بالرذيلة والقوة بالضعف والجد بالهزل والايمان بالكفر ان . . هل أسعدك الحظ في عواله بهيمنة الابداع وايحاء الالهام . ألم تكن مرة على موعد معه عند موكب الفنون . بلى انك لعلى ذكرى متجددة بكل ذلك ولئن اكتهلت وشخت فلقد امنت بانك تحيا فى جواء الشباب وتتمتع بأضواء دنياه الغضة وبرؤاه الجميلة الساحرة . نعم تلك الرؤى التى يأبى ناموسها الانساق لسوى التصابى .

انت ايها الشباب من قبسك الا لا هى تشع اكوان ناطقة وأخرى واجمة . وهى ربوعك تدب الحركة بله الحركات . . ومن فيض حميتك تبعث الحلوية نلو الحيوية . ولدنياك ولاء كل من المتطلعين المتحفزين الى الغد والمتحسرين المستديرين الى الامس . انت نقطة التوازن ومركز الاشعاع . . أنت كل شئ وبدونك لا يكون شئ .

اشترك في نشرتنا البريدية