الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

شباب قريتنا الاشداء

Share

( الى جملة بوحيرد ، الفتاة الحزائرية التى وقفت امام جلاديها ، لترد عليهم فى عزم وقوة ، وتفحمهم بشجاعتها وايمانها ، اليك يا جميلة اهدي هذه القصة المتواضعة )

لقد عاودت نوبة السعال طفلى الصغير ، وبدأ العرق يتصبب من جبينه ، واخذت ملامح وجهه الصغير تنقبض . . لا تخف يا بنى ، فان امك بجانبك ترعاك وتسهر عليك

وخارج البيت تتعالى صيحات ، وترتفع اصوات ، واسمع ضجيجا مبهما لا اكاد اتبين منه شيئا . لا تخف يا بنى ، فان الوادي الجميل الساحر الذي ولدت فيه يحيط بك من جميع الجوانب ، فالنهر يسير رقراقا صافي الاديم ، والريح تهب لينة رقيقة والحيوانات تعود من المرعى الخصيب ، وهى الآن هابطة الى الوادي ، تحت الاشجار الوارفة . لا تخف يا بني ، فانني لن ابرح جانبك حتى ترجع اليك الصحة ، حتى ارى وجنتيك قد انتعشتا ؛ لن ابرح جانبك حتى اسمع صوتك الرقيق ينادينى في رقة وحنان اتضرع اليك يا الهى ان تعيد الصحة الى طفلى الوحيد

يا سيدي ، الا تعلم اين يوجد الطبيب ؟ ان الطبيب لن يحضر اليوم ، ولا اعتقد انه سيحضر قبل اربعة ايام - ولكن طفلى ، طفلى العزيز ، سوف يموت اذا لم يحضر الطبيب الآن انظر الى وجهه الشاحب ، وشفتيه الذابلتين

- ما عليك يا سيدتي الا ان تصبري - ولكن الا تستطيع ان تذهب اليه الان ، فلعله ياتى معك - ساحاول يا سيدتى . . ساحاول

اشكرك يا سيدي ، اشكرك جدا

الليل مقمر ، والريح لطيفة تحمل نسمات منعشة ، وخارج البيت ، تحت الزيتون ، اجتمع الرجال . . . رجال قريتنا الاشداء . انهم ينشدون نشيدا تعلمته فى صباى الاول ، عندما كنت تلميذة في المدرسة ولكنه ليس كجميع الاناشيد ، فهو مقدس عند شباب القرية ، لأنهم يؤدونه فى كثير من الحماس والشدة ، ولان وجوههم تكتسي مسحة من الجد وغير قليل من العنف عندما يرددون ذلك النشيد . وقد قبل لى ان السلطات العسكرية هددت بسجن كل من يتجرأ على إنشاده .

اما شباب قريتنا ، فلم يعباوا بالتهديد والوعيد ، ولم يقيموا وزنا للنفي والسجن والتعذيب ، فقد ظلوا طول ذاك الليل يرددون في كثير من الشدة والحماس

نحن خضناها حياة او ممات وعقدنا العرم ان تحيا الجزائر فاشهدوا . . فاشهدوا . . فاشهدوا . . يا الهى . . اتضرع اليك ان تنصر رجال قريتنا

لقد قررت ان اذهب بعيدا . . قررت ان افارق هذه القرية والى اين تريد ان تذهب ؟ لا ادري . . الى اي مكان . . المهم ان لا ابقى هنا في الوقت الذي التحق فيه جميع رفاقى بالجبال . كيف يمكن ان يلذ لي العيش هنا ، كيف يمكن لي ان انعم بالا بينما يموت رفاقى في ساحات البطولة والشرف ؟ يا عزيزتي ، كيف يمكن ان ابقى هنا فى الوقت الذى تدنس فيه اعراضنا ، وتنتهك حرماننا ؟ . .

وكيف تتركنى هنا وحيدة . . وهذا ولدنا العزيز أشرف على الموت ؟ لست اقل منك غيرة على ولدنا . ولكن تعلمين جيدا ان اولاد الجزائر اطفالها شابها ، وشاباتها صاروا يموتون بالمئات تحت ضربات الاستعمار . لم يعد

هناك مجال للتراجع . سوف امضي الى الجبال لالتحق بالرفاق . ومن يدري ، فلعلى أرجع بعد قليل لاجد ولدنا فى صحة وهناء ؟ وداعا . .

لم اعد احتاج الى طبيب ، ولا يهمنى ان ياتى اليوم او غدا ، او بعد سنة لم اعد احتاج اليه لان ما كنت اخشاه قد وقع : لقد مات الطفل الصغير ، في نهاية الليل ، قبل ان تشرق الشمس .

يا ولدي العزيز ! كم كنت سعيدة عندما كنت اضمك الى صدري في حنان ، واقبل وجنتيك الورديتين ، واشم فى شعرك الفواح رائحة الحياة . كم كنت سعيدة عندما احس بيدك البضة الناعمة في يدي ، واسمع صوتك الجميل يناديني . اما الآن ، فقد انتهى كل شئ . لقد فارقتني بعد ابيك وتركتني وحيدة في هذا البيت ، اعاني لوعة الفراق ، والم الذكرى

لقد تعودت ان اراهم في قريتنا . انهم يجيئون بين الحين والآخر ليأخذوا عنا صورا ينشرونها في مجلاتهم ، كاننا حيوانات متوحشة لا تعيش كما يعيش سائر الناس .

ولعلهم يتساءلون : كيف يعيش هؤلاء في هذه الاكواخ ؟ وكيف لا يقضي عليهم البرد القارس . ؟ ماذا يفعل هؤلاء المناكيد عندما تهب رياح الشتاء ، وتتراكم الثلوج ؟ ولعلهم يشفقون علينا ان يرونا في مثل هذه الحال ، ويبحثون عن حل لمشكلتنا فقد سمعت جارنا يقول انهم سيبنون لنا مستشفى ، بعدما تفشت الامراض ، وفتكت بالكثير منا . ولكن هاهم الآن يعودون . يعودون لا ليبنوا لنا مستشفى ومساكن شعبية ، بل ليدمروا اكواخنا البائسة ، ويشردونا في الفيافي والقفار . ان الشر يلمع في عيونهم التي لا تعرف الرحمة . لا ادري بالضبط لماذا غضبوا علينا ، ولكني اعلم انهم جمعوا رجال القرية وساقوهم لا ادري الى أين

كنت واقفة امام البيت ، ذاك الصباح ، عندما اقبل اخى ، ثقيل الخطو ، كئيب

الوجه ، يمسك في يده جريدة . لقد أفلت من يد الفرنسيين ، وتعود ان يزورني بين الحين والآخر ، ليسليني

- هل قرأت الخبر يا زهرة ؟ لا والله . ماذا حدث ؟ ونظر الى نظرة ملؤها العطف والحنان ، ثم تحركت شفتاه ، ولكن لم يستطع ان يخرج كلمة واحدة

- ماذا حدث ؟ ارجوك يا اخى ان تقول لي ماذا حدث ؟ ولم يجبني صامتا ، وبدا كانه مهتم برسم بعض من الخطوط على الارض ، بالعصا الطويلة التى كانت في يده

فهمت كل شئ . . . قتلوه . . قل لي يا اخي هل قتلوه ؟ . . وفجأة رفع وجهه . كان وجها بائسا خده الدمع ، واضناه الاسى . ثم انقلبت اساريره صارمة عنفة ، ولمعت عيناه بالغيظ الشديد

- اقسم لك يا اختي زهرة . . سوف انتقم له . . انتقم له شر انتقام . وضرب برجله الارض ، ثم استدار راكضا يصيح : سوف انتقم . . حتى اختفى تحت الاشجار

اشترك في نشرتنا البريدية