يا لها من لفظة ) * ) سحرية مشحونة رؤى مترعة احاسيس مترنحة احلاما تتحرك لها الخواطر وتتجاوب الاصداء فى قرارة الوجدان . الشباب ربيع الحياة ، والربيع شباب العام . انه المرحلة المزدهرة الخضيلة اليانعة من
الكيان الانسانى الارضى ، تلك المرحلة العجيبة القشيبة التى فى المهد تتشوف اليها بسمات الطفل ، ثم تنقطع عليها انفاس من افتقد الشباب . انه القمة من الحياة ، وهو موطن الفردوس من معاشنا المحدود بالزمان . وما اخطأ من قال
يا للشباب المرح التصابى
روائح الجنة فى الشباب
الشباب حقبة النشاط الانسانى فى مختلف ميادينه ، وشتى نواحيه ، فخلال فترة الشباب تبرز الامكانيات ، وتبطل او تتجسم التكهنات . وخلالها تتم صورة بناء هيكل الانسان جسدا وروحا . انا خلقنا الانسان فى احسن تقويم
تم رددناه اسفل سافلين . فالى الشباب منتهى مناهج التنشئة الانسانية ، وهو قطب الدائرة ، والمحور الذى عليه دارت الدواليب الحية التى تقرر مصائر الافراد والمجتمعات .
الشباب غاية وهدف فى حد ذاته . مطمح عليه تتوقف المطامح ، ومأرب به يناط كل مأرب فى هذه الديار ، وفي غيرها من الاوطان . للشباب خصائصه وفضائله وسماته العتيدة الوطيدة القوية السنية التى ان صادفت تربتها ، وبلغت منيتها ، أنارت طرق حياة الفرد ، وهو الغاية والقصد ، حتى آخر رمق ، وحتى طور الهرم وتداعى الجثمان ، والى ما بعد مصرع الزمان .
الشباب هو قبل كل شئ صفة نفسانية ، وسمة روحية ، وسجية فكرية قبل ان يكون مرحلة حيوية ، وعنفوانا جثمانيا ماشيا الى الافول متدهورا الى الذبول .
اندفاع وحماس واتقاد وعى وحرارة اشواق وتدفق ايمان وصلابة مراس وتيقظ احساس وفساحة خيال ونقاوة احلام وسخاوة آمال . ذلك هو الشباب كما يجب ان يفهم فى حيز المعقول ، متصلا بالنفس لا باللحم ، وبالفكر المبدع الخلاق ، لا بالجسم المتحطم المنهار
وتتمثل هنا لعين القلب كلمة أبى الطيب اذ يصف شباب النفس الحرة الابية الخلاقة التواقة بما يحويه من خصائص شريفة نبيلة ، او بالاحرى من فضائل ، ولا أقول من اخلاق ، لان لفظة اخلاق فقدت شحنتها ولفظت مدلولها بما اصابها من التوعك والانحلال ، والتسكع والابتذال ، وبكثرة ما استعملت فيما ينافى مفهوم القوة والجرأة وبعد الهمة وشدة المراس . لا يسعنا الا ان نذكر كلمة مفلسف الشباب
وفى الجسم نفس لا تشيب يشيبه . .
يغير منى الدهر ما شاء غيرها وابلغ اقصى العمر وهى كعاب
لها ظفران كل ظفر أعده وناب إذا لم يبق فى الفم ناب
علينا ان ننظر الى الشباب لا كمرحلة منتثرة واهية ذابلة من العمر ، او كجيل خاص من ابناء الوطن جدير بعناية خاصة - بل كمفهوم ازلى مطلق شامل لصفات وسمات وفضائل انسانية بل مواهب الاهية شاءت النواميس الجبرية ان تكون متوفرة فى تلك المرحلة الوجيزة من عمر الفانين الراحلين لكن تأبى الحرية الانسانية وتأنف العزمة القوية العتيدة ، والفطرة الجبارة العنيدة الا ان يتصف بها المخلوق الانسانى المنفوخ فيه من روح ازلية من يوم ان يكتمل نضوجه العقلي والجثمانى الى ان تنطوى صحيفة وجوده بهذه البقاع ويقتبل مصيره فى عالم الخلود
ما أظن الانسان خلق كانسان الا لكرامة الشباب ، ونقاوة ايامه العذاب ، ونضارة احلامه الطراب الهزجات المرحات ، وما حسبت المثل الاعلى للانسان الا متجسدا فى صورة شاب مكتمل الخلقة وسيم الطلعة معتدلا القوام متوثب القوى الفكرية منسجم الملامح طلى القسمات ، ذى ابتسامة تفيض بمعاني الحب والامل ، وتكاد تنضح بمعنى الخلد والبقاء فى عوالم من الرؤى الخفاقة بالحسن والقداسة والطهر والجلال . ولله در الشاعر اذ قال :
لو رأى الله ان فى الشيب خيرا جاورته الابرار فى الخلد شيبا
ليس من باب الصدفة ان تحدثنا الاخبار المأثورة عن سكان الفردوس من انهم فتيان مرد فى مقتبل العمر . وانما خلق الانسان كي يحاول معجزة الخلود ويغامر فى حلبة الوجود والعدم .
خلق الناس للبقاء فضلت امة يحسبونهم للنفاد
ما خلق آدم الا لتحقيق وتجسيد معجزة الخلود . وانما الشباب مسرح احلام القوة والمجد والطموح . فهو الصورة الارضية المحسوسة المرئية لمعنى الخلد والبقاء ، ثم لا بقاء دون سورة الطموح وارادة الحياة وعزيمة الصمود لعوامل الفناء والدثور .
لا ، لن تدخل الجنة عجوز ، كما جاء فى الحديث الشريف " انا انشأناهن انشاء فجعلناهن ابكارا عربا الترابا لاصحاب اليمين " . فالخلد لن يمنح سوى اكليل لشباب النفس المتغلب على عواصف الايام وتجارب الحدثان . الخلد لن يكون الا ترب القوة الروحية التى تجدد الحياة وتقاوم الفناء . . وكانما لسان حالها يقول !
ان المعاول لا تهد مناكبى والنار لا تسطو على اعضائي
هنالك نفوس اكلها السوس ونخرها الهرم ونبذتها الآمال وصرعها الفناء وسكنها الخراب ، فهى عدم من الاعدام ، ونفاية من ايكة الحياة قد تساقطت هشيما وتبددت رميما . وانها فى عين الساعة ، على انحلالها وسقمها ، وفقرها ويتمها ، وموتها الشنيع الفاضح ليطفح جثمانها حياة ، ويزدهر هيكلها رواء وشبابا خادعا مزيفا .
تلك هى الارواح المقفرة المجدبة الخالية من قبس الايمان الباعث لخفقة الحياة ونقاوة الشعور وفساحة مدى الاحلام . تلك هى الارواح المتحجرة الهامدة الجامدة الفاقدة موهبة التحدد والانعتاق من براثن كيانها المقيد الموبوء بسخيف الذكريات ومكرر الاوضاع والعادات
وانما الشباب زهرة البقاء المتجدد بلا فتور ، وموهبة القداسة الخلاقة التى نفيض دونما توقف ولا تمهل ولا تردد بصور الحياة الغضة النقية الفتية فى غير ما انتهاء . انه الحياة متغلبة على الموت ، وانه الروح فارضا سلطانه على المادة الخرقاء ، وانه للنور فى ثورته على الظلام ، وانه الايمان القاهر العتيد فى صرخته الداوية على جنود الكفر والجحود
الشباب خارقة الحياة السرمدية ، والشباب معجزة الفكر المتسامى فى طموح لا ينى وشوق متواتر لا ينثنى الى مناهل الكيان المطلق ومصدر الوجود المشرق الخلاب .
الشباب عطر دافق وشعر خالص وروح منعش ومجد متنزه عن الرذالة وطهر لا تشوبه الاقذاء وجمال متموج على مدى الآزال والاناء .
انه سمى الشعر ، وفى الشعر قيلت هذه الابيات
ايا شعر يا خيط الضياء بظلمة ال - الوجود ونورا فى الشدائد والبلوى
ايا شعلة لا تنطفى أبد المدى ويا بلسم الفردوس مستودع السلوى
ويا نزعة للروح خالصة الشذى ويا منسيا اتراحه كل ذى شكوى
الا انك الحلم المجنح بالسنى تصول على العدوان والعسف والقهر
تحطم أصناف القيود بخفقة وتقضى على الاغلال فى نشوة الظفر
تحديت اوضاع الجمود وحررت اياديك ابكار العقول من الاسر
عبور الى افاق كون محجب باسرع من ومض البروق اللوامع
الى حيث لا امر يطاع لظالم ولا حسرة تندس بين الاضالع
وحكمت فى سير الزمان وصرفه وفي جوه وغيمه المتتابع
ايا شعر قلب الوضع انت وما ح ق القيود ومن نأوى اليه من الضنى
ومصرع احكام الطغاة اذا قضوا بجبر وتشريد عن الاهل والحمي
تخط اسمك الاسنى على سنديانة ال - الجلالة اقلام الملائكة العلى
