... بداية الدوار هاجمته فجر يوم رمادى . إستيقظ فى ساعة مبكرة والسماء صوف معتم ينوء تحتها زجاج النافذة . شعر أنه يتنفس فى عسر وأن جبلا من رصاص يتراكم فى عمقه . وبدا له أول الامر انه يجتاز متاهات حلم مزعج ولكنه تيقن أنه صاح عندما لمس حواشى الغطاء بأصابعه . وأعاد اللمس بأصابع قدميه ، كان الغطاء ساخنا مترهلا ، ... الغطاء يبتعد عنه والسماء وراء النافذة قريبة وخانقة . غرفته اسفنج ينضح باللامعنى
كمش رجل السرير فلذعه صفيع الحديد وعندئذ وقف على حقيقته مدهشة الاشياء تتوارى نافرة خلف ستارة من تحد فظيع . وفي الخارج كان ضجيج السيارات خافتا كصراخ غريق فى جب عميق ، وتعجب من أن يفقد أزيز المحركات حدته بهذه السرعة المذهلة وهذه السهولة الغريبة ، فداهمه خاطر عنيف ، أن يندفع ويرتمى خارج الجدران حتى يسمع السيارات وهى تهدر وحتى يتنفس اسمنتا ومازوطا ، ، محاولة النهوض انهزمت أمام سريان خدر ثقيل تأودت أضلاعه حتى صارت مطاطا أنهكته الشمس ، ، وعظام رأسه تتداخل متعانقة ، لم يعد يحمل رأسا بل قبة خربتها القنابل ، جوفها يمور خطوطا وزخارف عربية . أسئلة وخواطر عديدة تدفقت عليه من كل جانب طانة كالذباب . أبوه يغيب عن البيت ولا يعود الا بعد أسابيع طوال ، أمه تبكى حين يرجع أبوه الذى يكتفى بنفخ أشداقه المزروعة شعرا وشحوبا . وهو صغير يتساءل عن سر تغيب ذاك وبكاء تلك . واليوم يطرح السؤال لكن بطرية أخرى : لماذا تبكى امه ؟ كم كانت غبية ؟ . . . جده مات ذات يوم ، حرقت أعماقه الكحول وأشياء أخرى تحدث عنها كثيرا طوال حياته ولا يذكر منها ١لا كلمتى : سل . . . فناء . . .
رفض المؤدب أن يصلى على جثة جده المعفرة بالوحل والقئ ، وكان الوحيد الذي سالت دمعاته والتراب ينهال على الجثة المتعبة ، وعندما عاد من المقبرة بصق على المسجد ولم يدخله بعد ذلك .
على الكرسى الخيزرانى معطفه الملوث برشاش المطر والطمى ، وفي المطفأة اعقاب سفاير " أرتى " مسحوقة ، ولكنها بقيت كسرب من أقزام منتصبة على شكل دائرى أقزام تتحرك ، تتراقص كقوم من الصوفية ساعة الوصل ، وفوق المطفأة صورة لفتاة مجرية بريئة العينين ، انتزعها من كتاب قديم أعجبته بسمتها الثلجية وخداها الملتهبان . . واليوم هي ألياف وأصباغ . . الياف وأصباغ وكفى ، لا شك أنه تسكع البارحة طويلا بعد أن قضى ساعات طوالا مع طالب روسى اسمه " راسكولنيكوف " فى كتاب " الجريمة والعقاب "
وفى لحظة ما وهو مستغرق فى القراءة كور يده ولوح بها فى الفضاء . " لم يكن راسكولنيكوف " مجرما البتة . والآن ، " راسكولنيكوف " حبر وكلمات شوهت ورقا أبيض . . . . ورقا فارغا . . فارغا تحطم الرباط المقدس الذي كان يشد كلا الى الآخر . . . . وكتب أخرى مل أشخاصها وهم يجرون تحت أصابعه وعينيه كالفئران ، ولم يكن له مناص من أن يخنقها وبعضها يحبو ينتظر الموت في خضوع كريه .
منذ أسابيع شعر أن " سلمى " صخورا مخززة يرتطم بها ويعود دامى الجبين ولا يستطيع مسح الدم ، و " سلمى " بعثت له أمس رسالة . . وسلمى تحبه . . وسلمى زوجة رجل آخر . . . . وكلمات أخرى أجران فارغة تصفر فيها الريح . . . ورسالة سلمى ترقد تحت المخدة تنتظر الافتضاض
" غدا آتيك لامزق ستائر الغربة المضروبة حولك ، وأمسح الرمد عن عينيك . سنمشى معا حتى تتهرأ أحذيتنا ، حتى تموت امتدادات الشوارع فى أحداقنا ، كل شئ فيك جميل : صنان إبطيك وعرقك المالح يتصبب ، وعيناك تهويان فى الحزن كالرجم . "
. . " لن نأكل فى مطعم كبير بل سنكنفى معا بصحفة " كفتاجى " يشتعل زيتها وتلتهب وجنات بطاطسها . سندخن أتفه السجائر . ولكننا سنكون سعداء . . . وما أصعب أن نكون سعداء عندما نحس أسنان التمساح حادة ترحي الاعصاب والنخاع . . "
كم أنت غبية تزدحم الاحلام فى رأسك الصغير وينبت الوهم على جدرانه طحالب مريضة . قد لا يستغرب منك فأنت التى قلت لى يوما : " الحب نتانة متبادلة ، وقد يكتبها المراهقون بالخرء على حدران المراحيض ، ولكنها نتانة جميلة وضرورية . . " .
أية طيبة فى ابطى . رائحة عرق زفرة تقلب الامعاء وتدير الرأس . والسجائر التافهة تأويل لقلق نمتلىء به معا ونحن نتصفح جدران السجن المحيطة بنا شفتاك أسوار الزنزانة ونهداك سرير الصقيع !
كل شئ كنا نظنه جميلا حين يشاهده الواحد منا بعين الآخر . سنابك الخيل تجر العربات مع الفجر ، وسمفونية الجلاجل الصدئة أنشودة حب . كان كل شئ جميلا أو هكذا كنا نظن على الاقل . أحيانا كنت أنساك . وأغوص فى صدفتى مقرورا ، كنت أليافا وأصباغا أنت الاخرى كهذه الفتاة المجرية قلت لك يوما :
كل شئ هنا متاريس ضد القلق والعزلة . . . الكتب قلق تخلق منه واليه تعود ولكنها صفقة أقل خسارة من الصفقات الاخرى ، والابناء صناعة قديمة السياسة رداء لامع ولكن صاحبه يرتعش . وأجسام النساء أوراق يأكلها الاصفرار كالكتب . . . وغبى من يتدثر بأهداب امرأة ! " .
لقد كنت تكذبين على وكنت أكذب عليك ، والنقود التى تعاملنا بها كانت مزيفة . لم يكن وقع السنابك سوى أجراس الخطر ، تنذرنا أن الوحش الذى رمانا بين يدى بعضنا بعضا سوف يظهر وينفث على وجودنا دخانه ولهيبه سيهدأ قليلا وراء هفهفة القبلات وحرارة العناق وبعدها سندفع محطما زحاج . النوافذ ليكسر ضلوعنا بقبضته الحريرية ويمتد أفعوانا فى أعماقنا نسمع فحيحه وهديره وهو يشخر نائما . وسنعود نلهث وراء أردية جديدة . ألم أقل لك يوما :
- " ساكسر قلبك فأنا طفل صغير يكره وجها واحدا وتضجره لعبة واحدة ! ضحكت وشعرك المنفوش فى فمى أسلاك شائكة : " وانا امرأة مجربة . . خبيرة فى ترويض الشاطين والمردة !
وقلت لك وفى العمق يمتد بحر آسن من الضجر : - لماذا تركت زوجك وارتميت بين أحضانى السرابية . . لماذا لم تروضى زوجك ؟ قبلتنى على الجبين قبلة امرأة فى الاربعين . كنت خائفة متلفتة ، وكانت شفتاك المشنقة الوحيدة لاعدام السؤال الجاثم على شفتى لقاؤنا الاخير كان يوم السبت . غرفتي كانت مهوشة ، مهزوزة الاثاث .
كرسيى الخيزرانى يقبع فى ركنها شيخا متقاعدا - " كم هى رائعة غرفتك يا حبيبى ! رائحتها تنز بالحياة ! أثارت فى ملاحظتك احساس أنى مرتبط بك وأنك قدرى . الغثيان أمامى وأنت ورائى وأنا أقف مشدودا كالسهم بين عينيك والعدم !
ذاك المساء مرت اللحظات متثائبة بالنسبة لى ، كانت آخر ساعات سجين وقلت وانت تلفين جسمك المتمرد في معطفك الضيق :
- " كم هى قصيرة ساعات لقائنا . . . زوارق بخارية أو ومضات برق صيفى
فى التاكسى الذى ركبته واياك ، كنت أتوسد ركبتيك ، وشعورى أننا جثتان تنتظران الدفن ، تمنيت ألا يقف " التاكسى " ، وأن يزيد السائق فى السرعة ، فربما اصطدم بسيارة أو بجدار أو بعمود فينطلق السهم . ولكن كان يسير حسب رتابة الاضواء الباهتة .
وعندما ودعتك وعدت الى غرفتى ، كان جسمى قشرة تين أشعلتها الشمس ، وفى خياشيمى رائحة أوراق ميتة ، وعندما نظرت في مرآتى المشروخة كان وجهى أصفر هجرته قطرات الدم وخندقت فيه الاحزان فقررت أن أهرب منك ومن الكتب ، ومن عينى الفتاة المجرية . ولكنى اكتشفت وأنا انفض الغبار عن حقائبى أن دمى مباح لاية امرأة مثلك فى كل أرض ألجأ اليها لانى لا أكسب البديل . كنت شيطانا مرعبا يسكن جسم فاجر ، ويستعصى على التعاويذ والتمائم . وتذكرت أني قلت لك ذاك المساء :
- " مصير مرعب أن أموت على صدرك . . . أن أفقد حتى حياة الحزن وأنا أروم دفن الحزن بين نهديك . . . لقد قرأت في كتاب لا أذكر عنوانه أن رساما طلق ألوانه وأصباغه ومات فوق صدر احدى فاتناته " .
ضحكت ضحكة عارية وقلت : - " سأحملك جثة هامدة فى صدرى لندفن معا . سأقبرك بين نهدى طول العمر ! " .
ثم انشفت شفتاك موجتين فى البحر ، وعادتني صورة " موسى " على تخوم سيناء والبحر يبتلع " فرعون " . وغرقت وغرقت . ناديتك والموج يلتهمنى وصرخت فيك والاسماك والتماسيح فاغرة الافواه ولكنك كنت خرساء وصماء . غزت الملوحة لسانى وتشققت شفتاى عطشا ، فنهلت من جسمك . نهلت حتى أصبحت ضفدعة تريد أن تصبح ثورا . ولما أوشكت على الانفجار تركتك طافحة وابتعدت عنك مهمهما :
- مستحيل . . مستحيل أن نرتوى ! وقفت أمام هذه النافذة عارية ووجهك انكسار وشئ آخر غامض وقلت :
- " من أجل استحالة الارتواء بحثت عنك وسللتك كالشعرة من بين عجين البشرية . زوجى يتصنع الارتواء ، ينهق كالحمار وينام وأنا الارض تقام عليها صلاة الاستسقاء . أنا سعيدة لانى وجدتك . ماذا يحدث لو لم تحملنى قدماى مساء ذلك اليوم الى " مقهى الزنوج " كنت تجلس أمام قهوة سوداء ، أهدابك تحرث الفراغ . يومئذ أدركت أنك بغيتى .
" لقد سئمت تكرار البدايات . . . متى ستكون النهاية ؟ انك كابوس مرعب - كالحياة - لن أغنم منك الا انتظارا وقلبا للأمعاء ولهثا وراء أردية كاذبة ."
اشتعلت عقب سيجارة نسيت أن اكمله على حافة الطاولة فانطفأ وقلت : - تتطلع الى النهاية . . . أصعب ما فى عصرنا انهاء البدايات !
تبين له أن سلمى هى الشجرة الوحيدة وسط الفيضان ، شجرة تتمايل لتهوى بين اللحظة والأخرى ولكنها شجرة تقف في الماء رغم كل شىء ، وبامكانها أن تستمر دقائق وربما ساعات قبل أن يأتى السيل على جذورها .

