الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

شخصيات، اسلامية، خالدة

Share

العقاد المفكر ، والشاعر والسياسي ، والعبقري العظيم

تمهيد

العقاد ليس بالمفكر والاديب الباحث فحسب، ولكن شهرته وعبقريته جعلته يلقب بالمؤرخ ، والفيلسوف ، والشاعر ، والسياسى ، والناقد الكبير ، فبالاضافة الى كونه من الشخصيات الاسلامية التى تميز بها عصرنا ، فهو فلتة من فلتات الزمان قلما يتكرر مثلها في أمة من الامم في عصر من العصور .

فالعقاد ليس بالعصامى فحسب ، ولكنه العبقري الذي أرسى قواعد الفلسفة الاسلامية على أساس مبادئ القرآن وتعاليم الشريعة الاسلامية ، فقد استهل كتابانه الاسلامية بكتابه الخالد " عبقرية محمد " الذي صدر سنة ١٩٤٢ م وطبع على اسطوات نالت رواجا كبيرا . وقد انطلق من " العبقرية " يكتب عن " عبقرية عمر" و " عبقرية خالد " و " عبقرية الصديق " و " عبقرية الامام " فكانت كتاباته عن حياة رجالات الاسلام تفيض عبقرية وفلسفة مستمدة من صميم الواقع الاسلامي .

وتخليدا لعظمة هذا المفكر الذي فقدناه في وقت نحن في أشد الحاجة اليه ( لا سيما وان ماديات العصر أخذت تطغى على كل المقومات الانسانية والاسلامية بصفة خاصة ، مما نجد معه تقصيرا من مفكرينا من دون المرحوم العقاد الذى ترك ذخيرة هامة من كتبه يكفي الرجوع اليها لمعرفة مواطن دفاعه واستهانته بأعداء الاسلام . أقول انصافا لهذا العبقري : ارتأيت أن أكتب هذا البحث المتواضع على ضوء ما قرأته عن حياة هذا الرجل فى ذكراه الخالدة ، وأشير على كل قادر على الكتابة أن يساهم باحياء تراث هذا المفكر الاسلامي العظيم فهناك جوانب كثيرة يمكن الكتابة فيها عن حياة العقاد ، فأنا أعتقد أن العقاد على الرغم من شهرته العالمية لا يزال مجهولا ما دامت ذخائر فكره لم ينفض عنها الغبار وما دامت معظم آثاره فوق الرفوف منسية مهملة .

الكتابات الاسلامية للعقاد

عندما صدر للعقاد كتابه (عبقرية محمد ) انهالت عليه سيول الرسائل حاملة عبارات التهاني والاعجاب من شخصيات علمية واسلامية ، ففى رسالة شيخ جامع الازهر المرحوم مصطفى المراغى يقول :

" لقد شفيت بكتابك ( عبقرية محمد ) صدور قوم مؤمنين وأقمت الحجة على الشاكين والجاحدين وفتحت للناس طريقا جديدا في البحث عن الشمائل المحمدية وكنت صادق الايمان قوي البرهان ناصع الاسلوب مشرق الديباجة " .

أما عن كتابه ( عبقرية الامام ) فقد وصل اليه خطاب من أحد كبار العلماء وهو الشيخ مصطفى عبدالرزاق يقول فيه :

" كنت أشتاق لأن أقرأ في سيرة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كتابا يجمع صورة كاملة لحياة لم تدع العصبية والهوى لها في كتب المؤرخين صورة كاملة ، وقدوجدت في كتاب عبقرية الامام تلك الصورة التى تشهد للمؤلف بسعة الاطلاع ونفاذ الفهم وقوة المنطق وبراعة الفن ، وهى خلال يهبها الله للمختارين من كتاب الاجيال "

وهو من كبار المتصوفين المصريين فقد وجه رسالة للمرحوم العقاد يقول له فيها :

"وطالما تمنيت على الله تعالى وأتمنى أن يقيم بجانب الاسلام وبجانب محمد صلى الله عليه وسلم ، عقلا وعقولا ولسانا وقلما وأقلاما تفتح أبصار الناس على محمد فتراه كما خلقه الله وكما أقامه الله وكما اصطفاه الله . زادك الله من فضله ونعمته وكشف للناس بهذا العقل والقلم ما صار من أدب القرآن مهجورا مع ما نرى لأدب القول بيننا من دولة وسلطان ، ومن مثلك يرجى لمثل هذا ؟ "

انها شهادات ناطقة من علماء كبار بعبقرية العقاد التى انطلقت مع انطلاق سلمه لمؤلف بدأ عهده بتأليف أول كتاب له سنة ١٩١٢ م سماه " شهادة الميلاد " يعني ميلاده كاتبا وشاعرا ( ١ ) ثم توالت بعد ذلك كتبه حتى نشبت الحرب العالمية فانصرف عن الكتابة الى أن انتهت الحرب حيث أخذ يكتب مقالات أدبية لصحف أسبوعية أو شهرية جمعها في كتبه " ساعات بين الكتب " و " مراجعات في الآداب والفنون " و " مطالعات في الكتب والحياة "

والجدير بالذكر أن انطلاقة العقاد في عالم التأليف كانت انطلاقة قوية مستمدة من روح الاسلام ، فابتداءا من سنة ١٩٤٢ م ، وهو التاريخ الذى صدر فيه كتابه : (عبقرية محمد ) يقذف للمطابع بتآليفه العميقة الفهم والمحتوى نذكر منها بصفة خاصة أهم الكتب الاسلامية التى صدرت له وتاريخ صدورها :

كتاب : عبقرية محمد - صدر في سنة ١٩٤٢ م

كتاب : عبقرية عمر - صدر في سنة ١٩٤٢ م

كتاب : الصديقة بنت الصديق - صدر في سنة ١٩٤٣ م

كتاب : أبو الشهداء الحسين بن علي _ صدر في سنة ١٩٤٥

كتاب : داعي السماء بلال بن رباح - صدر في سنة ١٩٤٥ م

كتاب : عبقرية خالد ، والفلسفة القرآنية - صدر في سنة ١٩٤٥ م

كتاب : الفلسفة القرآنية - صدر في سنة ١٩٤٧ م

كتاب : عبقرية الامام - صدر في سنة ١٩٤٩ م

كتاب : عبقرية الصديق - صدر في سنة ١٩٥١ م

كتاب : الديمقراطية في الاسلام - صدر في سنة ١٩٥٢ م

كتاب : ذو النورين عثمان - صدر في سنة ١٩٥٤ م

كتاب : مطلع النور أو طالع البعثة المحمدية - صدر في سنة ١٩٥٥ م

كتاب : الاسلام في القرن العشرين - صدر في سنة ١٩٥٤ م

كتاب : حقائق الاسلام وأباطيل خصومه - صدر فى سنة ١٩٥٧ م

كتاب : الاسلام والاستعمار - صدر في سنة ١٩٥٧ م

كتاب : التفكير فريضة اسلامية - صدر في سنة ١٩٥٧ م

كتاب : المرأة في القرآن الكريم - صدر في سنة ١٩٥٩ م

كتاب : الانسان في القرآن الكريم - صدر في سنة ١٩٦١ م

وقبل وفاته رحمه الله صدر له كتاب هام أسماه ( ما يقال عن الاسلام ) وهو من الكتب الفريدة التى تدرس عمق الاسلام وأغواره دراسة عبقرية نابعة من نفسية العقاد التى لا تتأثر بصحائف التاريخ ومنهجية الكتاب الذين سبقوه أو عاصروه ،

وان ذخيرة العقاد لا تتمثل في هذا العدد القليل من الكتب الاسلامية ، وانما هناك عشرات الكتب الاخرى التى تناول فيها موضوعات مختلفة منها فقط ما يعتبر دواوين شعرية أو مختارات قصصية أو مجادلات فلسفية أو مساجلات أدبية ونقدية ، فالعقاد ، دائرة معارف أحاطت بكل العلوم والفنون ،

فلم يغفل في كتابته أى جانب من جوانب الحياة العلمية ، الا أن اهتمامه بالدراسات الاسلامية كان يطبع تفكيره في كل ما يكتب ، فيكفى الرجوع الى أى كتاب من كتبه للتعرف على هذه الحقيقة ، ولعل السبب في ذلك يرجع الى ايمان هذا المفكر واقتناعه بعقيدة الاسلام : هذا الدين الذى وجد فيه المادة الخام لتفكيره العميق . فلنتمعن جميعا فيما كتبه فى مؤلفه ( التفكير فريضة اسلامية ) (التفكير يوجب الاسلام ، والاسلام يوجب التفكير ) فكلاهما مقدمة وكلاهما نتيجة فكل تفكير سليم صحيح في الناس لا بد أن يهدى الى العقيدة الاسلامية ان لم يكن بمسماها

فبمعناها ، والاسلام الحق لا يكون كذلك في نفس المسلم حتى يطلق عقله من عفاله . فيرتاد به جوانب السماوات والأرض وجوانب النفس الانسانية . وقد امتلأت آيات القرآن وسوره الكريمة بالدعوة الى استعمال العقل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ، لان العقل يكون وازعا ، ويكون ملكة ادراك وتأمل وتدبر ، وأداة رشد . والرشد استيفاء لجميع خصائص العقل وعليها مزيد من النضج والتمام ) .

وينهى العقاد كلامه بقوله :

في العالم اليوم جماعة انسانية تعد بمئات الملايين .

أربعمائة مليون مسلم يعيشون بعقيدة اسلامية ويعتصمون منها بحصانة أقوى . هذا هو الاسلام . .

وجماعة حية تذود عن عقيدتها فتذود عن كيانها أو تموت . .

صانها الاسلام في وجوه أعدائها فلتصنه في وجوه أعدائه وأوجب ما يوجب عليها هذه الصيانة أنها تطلق للضمير آفاقه وأعماقه وتحمى للجماعة ديارها وقرارها وانها لسب ووجدان وتفكير وايمان فان يكن للجماعة الاسلامية دين ولا بد من دين فلا بديل من دين يهديها الى الفكر ويهديها الفكر اليه .

هذا هو العقاد الذى اعتاد أن يستهل كتبه بهده العبارات الخالدة ( باسم الله وعلى هدى من الايمان بالله ) كما ورد ذلك في كتابه العظيم (حقائق الاسلام وأباطيل خصومه ) الذي نرجو أن تساعدنا الظروف على تقديمه لقراء هذه المجلة الزاهرة .

- ٣ - العقاد الشاعر

شهرة العقاد في كتابته النثرية كادت سى البعض شاعريته الفياضة ، فبالرغم

من دواوينه الرائعة فان جماعة من قرائه كانت تفضل قراءة ما يكتبه العقاد نثرا على ما يكتبه شعرا ، فهل معنى ذلك أن شعر العقاد لم يكن بالشعر الذي تهتز له القرائح أم هناك أسباب أخرى ؟

في الواقع أن العقاد شغل الناس بكتابته النثرية (٢) فقد ظل سنوات طوالا يطلع على قراء الصحف كل صباح بمقال طويل في موضوع أو آخر في المسائل التى تشغلهم في السياسة والاجتماع والادب . والفن ، وذلك أنه بحكم ما جبل عليه من نزوع الى الاستطلاع وحب المعرفة كان يديم القراءة والاطلاع الى جانب تجاربه الكثيرة في غمار حياته المضطربة وجهاده المتصل . فكان من شأن هذا كله أن يجعل موضوعات كتاباته يغلب عليها الطابع الجدى الحاد وهذا - عادة - ما لا يتفق ورقة الشعر وبيان معانيه وبديع ألفاظه وكلماته ، ولذلك غلبت صفة الكاتب على الشاعر عند العقاد . مع أن العقاد الشاعر ، ليس دون العقاد الناثر بحال من الاحوال .

ولكن للعقاد دواوين يدهش لها القارىء بالنظر لما احتوت عليه من قصائد وأبيات تعتبر فى جملتها ثورة عاطفية على العقل ، فلنقتطف للقارىء بعض النماذج من شعره مستعينين ببعض دواوينه القديمة والحديثة :

في قصيدة مطولة بعنوان ( الحب الاول ) يقول العقاد :

لولا القريض لكانت وهي فاتنة

خرساء ليس لها بالقول تبيان

ما دام في الارض ركن للحياة يرى

ففى صحائفه للشعر ديوان

كن بالخوالج حيا ، فالحجى حدث

لربه ، ووقار الحلم أفنان

وانما المرء يحيا في خوالجه

وليس يحييه في الألباب رجحان

ويقول في مقطوعة شعرية أخرى من صنف الغزل :

أحبك حبى للحياة ، فانها

شعور وكم في القرب منك شعور

وفي قصيد آخر نجد الشاعر نظم هذه الابيات مناجيا القمر في الليل المظلم :

كلما أشرق في الليل القمر

وسها الناس ولاذوا بالحجر

خلت أرواحا تداعت للسحر

زمرا تهمس من حول زمر

ان هذا الحس لا يمضي هدر

حينما أسفر نور وانتشر

وحلا في خلوة الليل السهر

فهنا لا ريب حس وبصر

شيمة المسحور يقفو من سحر

غير أن جمال الدنيا لا يراه العقاد في أكمل صوره الا مع الحب وهكذا نجده يقول :

لا أرى الدنيا على نور الضحى

حبذا الدنيا على نور العيون

هي كالراووق للنور ، فلا

صفو ألا صفوها العذب المصون

واذا كان العقاد يؤثر الحب على كل مجد فان هذا الشعور لم يتمالكه وهو ينظم رائعته الشهيرة التى يقيم فيها مقابلة بين المجد والحب فيقول :

هو الحب الذي يعمر

هذا القلب لا المجد

فعش بالود في قفر

يعمر قلبك الود

إذا ما حل في قلب

فليس لغيره ورد

هو الدنيا ، هو الأخرى

هو العيش هو الخلد

ولم يقف العقاد عند هذا الحد بمقابلته بين المجد والحب بل أقام مقابلة أخرى بين الحب والخلد كما جاء في هذه الابيات المأخوذة من قصيدة طويلة :

ما الحب ؟ ما الحب الا أنه بدل

من الخلود ، فما أغلاه من بدل

نزهى به ، حين يزهى الخالدون بما

نالوه من أبد باق ، ومن أزل

داموا ، فلما تقاضينا الدوام لنا

قالوا لنا ، حسبكم بالحب من أمل

ولكن علينا - ونحن نستعرض شاعرية العقاد - أن نعرف هل كان من أنصارالشعر الحر أو من أعدائه ؟ ان قصيدته الغزلية الصوفية كافية لتجعلنا نقول ان العقاد الشاعر لم يعط أية أهمية للضجة التى قامت ضد الشعر الحر ، ولذلك وجدناه في كثير من قصائده ينظم الشعر على المنوال الحر وهذا نموذج منه لاحدى منظوماته :

ناجني ، واذكر حبيب النفس يا خير ثقاتي

ودع التلميح وأجهر باسمه دون تقاة

آه لو تعلم ماذا في اسمه من عزمات

أترى الأحرف فيه غيرها في الكلمات ؟

أحرف من رقية الكهان أو شدو الصلاة

أحرف من نفحة الورد ومن روح السبات

تنكر السحر وهذا بعض أسرار اللغات

ردد الاسم ، وكرر وصفه الحلو مئات

صفه لى . صفه وما كان بمجهول الصفات ثم والله فيا ليت به بعض الهنات تم حتى أتعب العيس بفرط الحسنات ، الخ .

انه العقاد الشاعر الذى طرق بشعره جميع أبواب الشعر وغاص بقلمه في جميع البحور فجاءت قصائده روعة تمزج بين العاطفة والعقل وهى الصفة التى لم تتوافر لشاعر غير العقاد . وسنعود لشعره عند تناولتا لموضوع المرأة عند العقاد .

ملامح من شخصية العقاد السياسى

شخصية العقاد شخصية فذة عجزت الاقلام عن وصفها لان أى كاتب لا يمكنه أن يلم بكل جانب من جوانبها ، فالعقاد عملاق الادب ، وراهب الفكر بكل أبعاده وأعماقه وبكل تحليقاته العلوية الصاعدة ، فقد وهب حياته كلها للقلم ولقرائه ولجمهوره الكبير ، انه بذل ماله ووقته ونور عينيه لنتائج القرائح والعقول والوعي الانسانى في كافة العصور والاوطان ، ولذا أطال النظر والتأمل ، وأوغل ما شاء في البحث والدراسة ، في الشك واليقين ، حياته نادرة المثال كانت جديرة بأن تعرضه لما تعرض له الكثيرون من مهاوى الشك والشطط والضياع لولا صلابة في التكوين الوجدانى على حسب تعبير الاستاذ هلال أحمد (٣)

يقول العقاد في هذا الصدد :

(٣) راجع ما كتبه الاستاذ هلال أحمد - وهو شاعر وقصاص وأديب تحت عنوان : ( بعض الملامح . . في شخصية العقاد ، صفحة ٥١

ويقول في وجود الله :

" ان مسألة وجود الله مسألة وعي قبل كل شئ والوعي والعقل لا يتناقضان ، وان كان الوعي أعلم من العقل في ادراكه ، لانه مستمد من كيان الانسان كله ، ومن ظاهره وباطنه وما يعيه هو ، أو ما لا يعيه ولكنه يقوم به قياما مجملا ، أنه ينبع من وعي انسانى مكتمل ، ومن معين اجتمعت فيه روافد العقل والفكر والشعور والادراك ، وما وراءها من الهام صادق واحساس مرهف "

وشخصية العقاد لا يمكن أن تحصر في جانب من الجوانب ، لأنها شخصية فضفاضة ولذلك سأكتفى بادراج فقرات من كتاباته ولا سيما تلك التى تناول فيها مفاهيم الحرية ، والديمقراطية ، والاشتراكية ، فماذا يقول عن حرية الرأى :

" حرية الرأى ، والشجاعة الادبية في ابدائه أنفس من الاستقلال ، لان الامة التى تملك رأيها ، وتملك شجاعة ايمانها ، هى مستقلة فعلا وحقا ، ولو احتلتها فيالق الغاصبين ، فأما اذا خسرت الامة حرية رأيها ، وشجاعة ايمانها فلا خير لها في استقلال ، ولا دستور ، ولا نيابة ، ولا انتخاب ...

ويقول في هذا الصدد :

" اننى أرفض كل اقتراح سياسى بالكتابة في مسألة من مسائل السياسة ، وقد كان سعد زغلول - رحمه لله - وهو زعيمنا الذي نحبه ونجله - يعلم ذلك فلا يقترح علي الكتابة ، ولا الكف عن الكتابة ، وغاية ما كان يستبيحه من طلب الكتابة اذا أرادها أن يبسط المسألة للمناقشة ويسمع ما نقوله فيها ، فان وجد أن الرأى متفق مع وجهة نظره قال : أود أن اقرأ لك شيئا في هذه المسألة "

ثم يقول عن صحيفة الدستور لسان الحزب الوطنى المصرى :

" ودام عملى في صحيفة الدستور من عددها الاول الى عددها الاخير - الا أشهرا قليلة ثم عدت اليها - فأكاد أقول ان ما خالفته فيه ( يقصد الاستاذ فريد وجدى مديرها ) في أثناء هذه المدة أكثر مما وافقته عليه ، ولكنه لم يغير كلمة واحدة كتبتها ، لمخالفته رأيه "

ويقول العقاد عن ديمقراطيته

" أنا ديمقراطى لاننى لست بالمذل ، ولست بالذليل .

ان العقاد الذى ذاد عن الحرية ودافع وودع العالم هو العقاد الذى ذاق مرارة السجن من أجل دفاعه عن الديمقراطية فانطلق من سجنه وهو ينشد قصيدته الشهيرة :

وكنت جنين السجن تسعة أشهر

وهأنذا في ساحة الخلد أولد

ففى كل يوم يولد الشخص ذو الحجى

وفي كل يوم ذو الجهالة يلحد

وما أفقدتنى ظلمة السجن عزمة

فما كل ليل حين يغشاك مرقد

وما غيبتنى ظلمة السجن عن سنى

من الرأى يتلو فرقدا منه فرقد

عداتى وصحبى لا اختلاف عليهم

سيعهدنى كل كما كان يعهد

وننهى هذا الفصل بقول العقاد عن نضاله وكفاحه ضد الاقوياء :

" لقد حاربت ضد الاقوياء ، وهذا أوعر مسالك الحروب الشعواء في جميع الميادين وحاربت الشيوعية والصهيونية والاستعمار والتبشير ( ٤ ) .

- ٤ - العقاد والمرأة

لقد سبق لنا أن ذكرنا أنه يوجد من بين مؤلفات العقاد كتاب يحمل عنوان " المرأة في القرآن الكريم " ففى هذا الكتاب يضع العقاد المرأة على المشرحة فيحلل شخصيتها في مختبر دقيق حيث أنصفها في بعض القضايا كقضية الشهادة ، والنفقة ، والزواج ، كما حمل عليها في بعض الموضوعات حملة شعواء لا سيما في الحالات التى رآها فيها انها لم تعد تحترم واجب الامومة والحضانة وتدبير الشؤون المنزلية الخ . .

ولكن الدكتورة نعمات أحمد فؤادصاحبة كتب " ناجى الشاعر " و " دراسة في أدب الرافعى " و " قمم أدبية " وهى مدرسة في جامعة القاهرة نجدها تقول فيما كتبته عن العقاد والمرأة الآتى ( ٥ )  :

" ومع كل هذا فسواء أهاجم الاستاذ العقاد المرأة أم هادنها ، فقد دان لها وقبل منها الوجه بل اليدين وما ارتوى على كثرة العب وطول الرشف . . ان شعره في هذه الناحية ينكر نثره . . شعره الرقيق في الغزل ينسخ غرام منطقه في الجدل "

ثم أخذت تقدم نماذج من شعر العقاد وهو يتغزل بالمرأة ونحن بدورنا سنختار من دواوينه بعض الابيات التى قالها في حواء المخلوق الضرورى لآدم ، فالعقاد ابن آدم لا يرى أن المرأة مخلوق ضرورى فحسب بل تتصور له هى الدنيا كلها . ورد ذلك في أشجان الليل حيث وجدنا العقاد يقول في هذه الابيات :

ماذا من الدنيا - لعمرى ، أريد

أنت هى الدنيا ، فهل من مزيد ا

فيك لنا نور ونار معا

وأنجم زهر وأفق بعيد

وفيك روض مسفر عاطر

وجور حر ودر نضير

ونشوة الخمر اذا قوبلت

بنشوة منك متاع زهيد

والفن ان لم تكن نجواه من

نجواك فهو بهن لا يفيد

وكل ما في الكون من روعة

لها نظير فيك حي جديد

وهناك سؤال يفرض نفسه بالنسبة للدكتورة وبالنسبة لى وهو : كيف كان العقاد ينظر الى الجمال ؟ . . الجمال في المرأة عند العقاد هو " الحرية الموزونة "

ومن طريف قوله في جمال المرأة وقبحها " تعلو المرأة السمينة وتهبط في مشيتها وما تنتقل شبرا واحدا في أقل من خطوتين ، والمقرظون من حولها يهللون ويكبرون الخلاق العظيم ويعوذون هذا الجرم الذي لا تمضى فيه السيوف . . من لحظات العيون ومن حسن الحاسدين "

وكان للعقاد رحمه الله ذوق خاص في حبه للمرأة فهو يروقه فيها أن تكون مرحة بغير تكلف ، ولا مبالغة ، ويسمى المرح الذي يزين المرأة ويشوق الرجل مرحا " موقعا " تشبيها بالغناء الذى ينطلق انطلاقا وينبعث انبعاثا ولكنه يقف حينما يحسن به الوقوف ، ويسكن حينما يطلب منه السكون ، ويقف ويسكن لا على اقتضاب موحش وانقطاع ناشز ، ولكن على نغمة تفصل اللحن من اللحن ، أو على قافية تختم البيت بعد البيت ، فهو الوقوف الذي يريح ويشوق ويزيد لذة ايقاع وطرافة السماع .

والعقاد كان يحب من المرأة الزينة التى تغرى من يبصرها اغراءا لا يخفى ، ولكنها لو أنكرته وزعمت أنها لم تتعمده ولم تفكر فيه ما استطاع أحد تكذيبها ببرهان .

وإذا عرفنا أن العقاد أحب أكثر من مرة وظفر بالحب تبينا أن القلب الذي يعنيه هو قلب الزوجة الذى لم يملكه في يوم من الايام ،

لانه - رحمه الله - لم يتزوج ولم ينجب ولكنه كان زوجا وأبا في شعوره وعواطفه ، كأحسن ما يكون الازواج والأباء حدبا على أزواجهم وبنيهم ، وقد تجلى هذا على غيرواحدة وواحد من ذوى قرباه ويمكن أن يلمس المرء هذا الشعور من خلال أبيات هذه القصيدة ( ٦ ) :

ما كان أملح طفلة

من غير شئ تخجل

ضاحكتها فتمايلت

وشعورها تتهدل

ورجوت منها قبلة

فابت كمن يتدلل

وتعب وهي تصدنى

حينا وحينا تقبل

فرفعت مرآة لها

فتطلعت تتأمل

قلت : انظري في وجهها

أفأنت أم هي أجمل ؟

قالت وفيها غضبة :

أنا بالملاحة أمثل !

ومضت تقول : الى متى

تنسى الجميل وتجهل ؟

وأقول : أيكما اذن

أدعو بها فأقبل ؟

عطفت علي وكل محبو

ب يغار فيسهل

وفي ديوانه " أشجان الليل " ( ٧ ) نجده ينزه المرأة عن شهوة الجسد فيقول :

تريدين أن ارمى بك اليوم للهوى

وأرتاد فيك اللهو بعد التعبد

وألقاك جسما مستباحا وطالما

لقيتك جم الخوف جم التردد

رويدك انى لا أراك مليئة

بلذة جثمان ولا طيب مشهد

اذا لم يكن بد من الحان والطلى

ففى غير بيت كان بالامس مسجدى

هذا هو العقاد الشخصية المتكاملة ذات الطابع العبقرى الفذ حتى وصفه البعض بأنه كان أشبه بالنحلة السامقة وسط الحجر ، ارتكازه على شخصه فقط ، على حين أن كل واحد ارتكز في بعض سني عمره على ظروف أحاطت به ، عدا العقاد الذى لم يطرق أى باب وانما اتخذ من عصاميته طريقا للدفاع عن الاسلام والعروبة والاستقلال . ففارق الدنيا مشرع القلم في هذا السبيل .

اشترك في نشرتنا البريدية