هذه شخصية عاهل عربي ابى وزعيم مسلم ناهض عبقري . لقد اسبغ الله على هذه الشخصية الفذة ، الجذابة نعمة العقل المنير ، و الحكمة العالية ، والأخلاق الفاضلة ، ومنحها هبة الزعامة والشهامة : نظر عميق بعيد ، ورأي موفق سديد ، ومرمي اصلاحي مجيد ، واخلاص فياض ، وشعور كريم ، ووجدان طاهر . وايمان قوي ، وعقيدة راسخة فى الله . كنت اقرأ عشرات المقالات وعشرات المؤلفات التى حبرها عباقرة الادب ، والعلم واقطاب السياسة في مشارق الارض ومغاربها عن هذه الشخصية الكبيرة ، محللين باحثين مستنتجين مشدوهين معجبين متضافرين على حقيقة واحدة ، هى عظمة هذه الشخصية العربية وجاذبيتها النادرة : كنت اقرا كل ذلك بشغف وامعان وحرارة وجدان ، وكنت اشعر من قرارة النفس برغبة ملحة وشوق مكين الى استجلاء هذه الحقيقة بنفسى ، والى مشاهدتها عن كثب بعيني رأسي ، فليس الخبر كالعيان . وتواتي الظروف ، ويساعد المقدور فاذا أنا ميمم شطر الكعبة حاجا ) ١ ( مفعم القلب بالسرور ، ممتلئ الجوانح بالغبطة والانشراح : الطريق من المدينة الى مكة ناضر مخضر الجنبات ، زمردي اللون باشكال النبات ، والناس فى رياضم ومروجهم يزرعون ويحرثون جذلين ، بهذا
الخصب العميم . وهذا رابع ميقات الحجاج ، وهذه جدة ثغر الحجاز الباسم وهذا البحر يسير بجانبنا رهوا هادئا صافى الاديم سماوى اللون جميلا فتانا ثم هذه مكة المعظمة ، وهذا بيت الله الحرام ، ماثلا امامى ، قائما في وسط المسجد الحرام وهؤلاء هم الحجاج الوافدون من مختلف الاقطار وناني الامصار طائفين حول هذا البيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وامنا ، عاجين بالتلبية والتهليل مخترقين باصواتهم اجواز الفضاء صاعدة تلبيتهم وابتهالاتهم الى عنان السماء ، مؤذنة بانابتهم لرب العالمين لك الحمد يالله على ما الهمت من رشد ، وعلى ما وفقت اليه من سعى حميد وفى النفس امنيتها القديمة ، لا تنفك عالقة بها ، مختلجة متغلغلة بين جوانحها
وتلك هي الحظوة بالمثول بين يدي ) جلالة الملك عبد العزيز ( آل سعود ، لأرى بعينى آثار عظمته ولاشاهد بنفسي مواطن عبقريته ، فكما احسنت يالله بالامنية الاولى ومننت بتحقيقها فوصلت بيتك المحرم ، فكذلك اممن على بتحقيق الرغبة الثانية العتيدة . ويستجيب الله ، وينشرح الصدر ، ويتهلل الفؤاد بذلك اليوم السعيد الذي توجهت في صباحه مبكرا نحو قصر غزة العامر مقر الملك بالعاصمة . ودخلنا القصر وشاهدنا الملك العربي ، طافح الجبين بالبشر والاقبال وحظينا بالسلام عليه وجلسنا في ادب وتوقير مندهشين : مغتبطين ، واحسست باني في موقف رهيب فتستولى على الدهشة بتأثير الهيبة الملكية ويعتريني شيء من الاضطراب ، واذا بنسيم لطف الملك الحكيم يسري الي النفوس المضطربة ، والقلوب الواجفة : فيبعث فيها روح الطمأنينة والاستئناس ويقول احد الجالسين : يا طويل العمر ان الامطار
فى مملكتكم عامة والخيرات شاملة والأمن وطيد . فيخاطبه الملك ابن السعود وقد ارتسمت على جبينه ابتسامة الرضا والامتنان يجب ان نحمد الله تعالى في السراء والضراء فلا نغتر بالنعمة ، فالمسلم إذا حمد الله على نعمة اسداها اليه زادها وادامها عليه واذا طغى ولم يحمد الله ابعدها عنه وحرمه منها اه. وتدوي هذه الكلمات الحكيمة في اذني فتمتلك على مشاعري وتأسر لى ، واشعر من قرارة نفسى بعظمتها وعظمة قائلها ، واحس بسر عظمية ابن سعود و نجاحه و تفوقه : النعم كلها مصدرها من الله سبحانه وتعالى فعلى كل انسان ان يحمده ولا يدخله الزهو والطغيان بسبب الانعام عيله فيسلبها الله منه ويحرمه من ثمرات النجاح . هذا الشعور العلوى السامى اذا استقر فى النفوس خلصها من ربقة التواكل وحماها من وهدة الاغترار والطيش وعدم الاحتفال بالمستقبل ، وبذلك تسمو النفوس الى اوج الكمال المادى و المعنوي
ويكون التوفيق حليفها فى نهضتها وحياتها ، واذا سرى هذا الشعور النبيل فى الافراد نهض المجموع وعملت الامة على اصلاح شؤنها وتقويم امورها ساعية جادة مؤمنة بعناية خالقها العظيم ، مطمئنة الى نصره وعونه وتاييده فتظفر بقصب السبق فى ميادين الحياة . وبهذه الروح العلوية والاخلاق الفاضلة يربي جلالة العاهل العربي امته لتحي حياة القوة والسمو الفكري والروحي ، شاعرة بكرامتها ناظرة الى واجباتها بين اليقظة والانتباه والحرص على الصالح العام والسعي وراء توفير الخير العام . فشكرا لك اللهم ازاء نعمتك علينا بهذا الملك الهمام الساهر على الاصلاح والعامل فى سبيل اسعاد هذه البلاد ، وهنيئا لهذه المملكة الفتية بالجالس على عرشها المصون ، وحفظا
لانجاله الميامين ونخص من بينهم بالذكر سمو ولي عهده ) الامير سعود ( . وسمو نائبه العام ) الامير فيصل ( ونسالك اللهم دوام التوفيق لرجال حكومته العاملين المخلصين آمين آمين لا ارضي بثالثة حتى اضيف اليها الف آمينا

