الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

شخصية الهادي العامري

Share

أشكر اللجنة الثقافية وكافة المسؤولين بالجهة على اقامتهم هذه الاربعينية فهم بذلك يؤدون واجبا ويحيون ذكرى مرب وأديب ومواطن صالح طالما خدم هذه البلاد وأفاد الاجيال تلو الاجيال .

ان ما استمعنا اليه من قصائد غراء ومن دراسات وشهادات وذكريات قيمة ليدل دلالة واضحة على حجم الرجل الذى فقدته القلعة الصغرى وفقدته تونس ويذكر باياديه البيضاء على هذه الامة .

وانى عند استماعى الى كل هذه الكلمات الرقيقة اللطيفة والى هذه القصائد رجعت بالخيال والذاكرة الى أسابيع قليلة مضت حيث كنت فى هذا المكان مع الكثير منكم بمناسبة تسجيل برنامج " سمار الليالى ".

لقد كان الشيخ محمد الهادى العامرى رحمه الله معنا ، وقد تكون الكلمات التى ارتجلها بهذه المناسبة في هذا المكان بالذات تعقيبا على أسئلة بعض الشبان

وعلى أجوبتى آخر مساهمة له فى اجتماع شعبى كهذا. ان الصورة الملونة التى شاهدناها منذ حين فى هذه القاعة ضمن معرض آثار الفقيد وهو يتكلم أمام المصدح هى على ما أظن آخر صورة سجلت له ملامحه وهو فى حالة تكلم واجهاد نفس ، يتألم ويعانى ويتقاوى على نفسه ليفيد ويبلغ ويشهد .

واذكر انه فى الاسبوع الاخير من شهر ماى الماضى بينما كنت فى زيارة ثانية للقلعة الصغرى أتفقد حضيرة بناء المسجد اتصل بى وقبلنى وسلمنى رسالة ما كنت احسب ان حرارة العناق والتقبيل كانت بمثابة الوداع الاخير وان لقاءنا ذاك سيكون آخر لقاء . لقد كانت تبدو على وجهه آثار المرض والارهاق والاعياء.

أما عن فحوى تلك الرسالة فقد كتب لى فيها كلاما شبيها بما قاله الاستاذ فرج الشاذلى منذ لحظة فى كلمته البليغة المؤثرة لقد كانت رسالة تظلم وشكوى من احدى دور النشر ، او بالاحرى من واقع النشر فى بلادنا ، ان كتابه هذا الذى يقع فى أكثر من 400 صفحة طبع طبعة سيئة مشحونة بالاغلاط وأتت الصفحات مشوشة وكان الفقيد يود لو يعاد طبعه بصورة مشرفة مرضية وقد تدخلت بصورة شخصية فى هذا المعنى ولا أشك فى أن الاخ فرج الشاذلى تدخل هو الآخر . فعسى ان يكون فى موت الشيخ حافز جديد لاعادة الطبعة , حافز باعثه الشعور بالخطيئة عند بعض المسؤولين عن النشر والسعى الى التكفير عن الذنب .

انى عندما أقول ان موت الشيخ قد يكون حافزا جديدا فان هذا من باب السخرية المرة من واقعنا لان الكثير من الناس فى بلادنا لا يزالون يحتقرون الادباء وهم احباء فاذا ماتوا ظفروا بما يسميه علماء الاقتصاد بالقيمة المضافة فى الشخص فعسى ان تكون موتة الشيخ قيمة مضافة لأدبه ان صح

التعبير وعسى ان يثوب البعض الى رشدهم ويقوموا بمجهود بسيط يتمثل فى اعادة طبع هذا الكتاب وطبع الجزء الثانى منه الذى لا يزال مخطوطا وطبع الكتب الاخرى ومن بينها " مذكرات معلم أجيال " الذى نشرت له منه بعض الحلقات بمجلة الفكر ولكن عزاء تلامذة الشيخ والمعجبين بأدبه هو ما نلاحظه فى رجال القلعة الصغرى وفى المسؤولين عن هذه الجهة من اهتمام ووفاء لروح الفقيد وادبه وفى ذلك ضمان لاستمرارية السعى حتى يحقق الشيخ الهادى العامرى ميتا ما لم يستطع تحقيقه وهو حى وذلك هو ما نطالب به أنفسنا كل فى مستوى مسؤوليته وكل حسب امكانياته .

والذى لا شك فيه هو ان ادب الشيخ العامرى وكفاحه سيبوآنه مكانا مرموقا فى تاريخ التربية والادب فى هذه الديار ولذلك عندما طلب منى الحاج عبد الحفيظ بوراوى ان اشرف على هذه الاربعينية بادرت بالايجاب ، خاصة انه لم تتح لى فرصة حضورة موكب الجنازة لتغيبى بالخارج وانى لأعتبر ان فى حضورى بينكم الآن عزاء للعائلة وتعاطفا معها وتعبيرا عن اكبارنا جميعا له وعزيمتنا على المساهمة فى احياء ذكراه .

وبعد فما عسانى اقول بعد الكلمة التى كنت قدمت بها كتابه سنة 1974 ، وبعد القصائد والدراسات التى استمعنا اليها اليوم ؟ فلأقتصر اذن على لفت النظر فى ايجاز الى بعض النواحى المميزة لشخصيته .

1 - ان الشيخ محمد الهادى العامرى مرب بحق وله علينا بهذا الاعتبار حق التقدير والاحترام والتبجيل . انه قضى نصف قرن فى التربية والتعليم منها حوالى 30 سنة مديرا للمدرسة القرآنية بالمنستير وفى هذه الفترة التى حدثنا عنها الاستاذ صالح نابى بكل اطناب فانى لم أتمتع شخصيا بما تمتع به الكثير من الاخوان الذين ذكر اسماءهم او أشار اليهم . لقد تمتعت فقط ببضعة اسابيع لانى كنت ادرس " بالمدرسة الفرنكو عربية " (1)

بالمنستير ولكن فى الصائفة كان والدى رحمه الله حريصا على ترسيمى بالمدرسة القرآنية حتى لا أضيع الوقت فيما لا يعنى وحتى اكمل تكوينى فى اللغة العربية . ولم تكن المدرسة القرآنية التى كان يديرها الشيخ الهادى العامرى مجرد مكان لوقاية التلاميذ من الشارع أو لحفظ القرآن بل وجدت فيها جوا لم أجده فى المدرسة " الفرنكو عربية " إذ تعلمت القرآن والنحو والفقه والادب فكانت المدرسة القرآنية تعوض بعض ما كنا محرومين منه بسبب البرامج الاستعمارية .

كانت المدارس القرآنية فى الواقع مؤسسات شعبية بناها الشعب بأمواله وكانت مظهرا من مظاهر صمود الامة التونسية التى أبت أن تترك الاستعمار يمحوها ويقضى على مقوماتها وقد احدثت عشرات المدارس بالبلاد التونسية وكان الاستعمار يضايقها بجميع الوسائل الادارية وحرمانها من المنح الا ان رجال الفضل والاحسان والوطنيين كانوا يمدونها بالعون المادى والمعنوى حتى تقوم بواجبها .

ان حضورنا هنا وتنويهنا بالشيخ المرحوم محمد الهادى العامرى ووجود نخبة كبيرة من رجال الفكر والادب والتربية ممن تكلموا وممن لم يتكلموا لأكبر دليل على ما اثمرته هذه المدارس القرآنية ومن ضمنها مدرسة المنستير من رحال وما نفخته فى روح الاجيال الصاعدة من روح قومية وحماس وتمسك بالمقومات الوطنية .

لم يكن الشيخ مربيا كالمربين بل كان مربيا ثوريا فى كل شىء فى جلسته ، فى لباسه ، فى سلوكه ، فى ارتياده الاماكن التى يجلس فيها وفى اتصاله المباشر بالتلاميذ كما شهد بذلك بعض الاساتذة الذين تكلموا قبلى . ذلك أن التزمت والوقار المتكلف من مظاهر هيبة بعض المربين فى الماضى وتصورهم التقليدى لرسالة المربى ، لقد كانوا يعتبرون ان الوقار يتأتى من الابتعاد عن التلاميذ وعدم النزول اليهم ، ولكن شيخنا كان واثقا من نفسه

وكان يحمل افكار جريئه وله حس أدبى مرهف واقدام ورباطة جاش لذلك لان على اتصال دائم بالتلاميذ يخاطبهم فردا فردا ويزورهم فى قاعات مراجعتهم ونوادهم وحتى فى دورهم . ويبقى على صلة بالكثير منهم ، فيجتمع بهم عند رجوعهم الى مسقط راسهم المنستير بعد ان تنتهى السنة الدراسية بجامع الزيتونة او مدرسة الترشيح او الصادقية ..

هكذا استطاع ان يكون اجيالا تعتز به وتدين له بتكوينها وهذا يبرر احتفالنا به والتنويه بأياديه البيضاء على هذه الاجبال التونسية الكثرة . 2 - ولكن الى جانب هذا البعد التربوى فى شخصيته هناك بعد آخر ، فقد كان أديبا ، وأديبا لا كالآخرين ، كان مؤمنا بالأدب التونسى متحمسا له معتزا به . ذلك ان الواقع الثقافى فى الثلاثينات والاربعينات والخمسينات يتميز باحتقار الادب التونسى والتهافت على الادب المشرقى بالنسبة الى ذوى اللسان الواحد او التهافت على الآداب الغريبة بالنسبة الى ذوى اللسانين أما الادب التونسى فكان يهتم به الاقلون . الذين يعتبرهم بعض " المتفتحين " من " الشوفينيين " والمتعصبين .

كان الشيخ يعرف ان هذه البلاد أنبتت شعراء وأدباء كثيرين ممتازين ويعتقد انها قادرة على خلق شعراء نابغين ولذلك نراه يؤلف فى الادب التونسى ويراسل مجلة المباحث ثم عندما صدرت مجلة الفكر فى غرة اكتوبر 1955 راسلها وشجعها وانا اذ اقول هذا لا أتمالك عن القيام بمقارنات اذ عندما اقدمت على بعث مجلة الفكر اتصلت بعديد الاساتذة التونسين وما زلت أذكر مواقف البعض منهم الذين أكدوا لى أنه من المستحيل أن تعمر مجلة فى تونس ورددوا أمامى ان بعث هذه المجلة عملية انتحاربة فقلت لهم : لهذا قررت أن أبعثها إذ أريد أن أقهر المستحيل وانكم تلاحظون اليوم أنه بعد أسبوعين ستدخل هذه المجلة فى سنتها الرابعة والعشرين وسيصدر فى أكتوبر عدد خاص بالشعر التونسى الحديث وبالشعراء الشبان وهو رهان على الادب التونسى ومظهر آخر من ثقتنا فى مستقبل الشباب .

وعندما أقرأ ما كتب الشيخ الهادى العامرى أو استمع لأحاديثه فى الاذاعة ادرك انه كان ملتزما بقوميته واثقا من مستقبل اللغة العربية والحضارة الاسلامية فى هذه الديار ، حريصا على توجيه الشباب التونسى الوجهة الاخلاقية السليمة التى نريدها له جميعا .

وهكذا يعتبر الشيخ العامرى اديبا مكافحا وملتزما رائدا قد تختلف معه فى الناحية الجمالية من أدبه او فى بعض آرائه وهذا أمر طبيعى ولكن المهم الذى يجب ان نشترك فيه هو الاتجاه العام ذاك الحد الادنى العقائدى والحضارى الذى يجمعنا والذى نناضل على أساسه ، وهو اننا ننتسب الى شعب واحد له مقوماته الدينية والاخلاقية والحضارية والادبية وانه مهما اختلفنا فى القيم الجمالية فان لنا أهدافا واحدة ومصيرا واحدا واعتقادا واحدا بانه بتظافر جهودنا سنحقق المعجزات وأنه لا شئ يحول دون بروز الشباب التونسى فى سماء الاقتصاد والادب والسياسة ، والايمان بان التربية الحكيمة والمناهج الحية والبرامج التقدمية من شأنها ان تخلق أجيالا تؤمن بتونس وتربط المستقبل بماضى هذه الامة وان لكل امرئ ما سعى وانه اذا استطعنا توحيد صفوفنا فانه بامكاننا تحقيق كل امانينا .

ان احتفالنا اليوم يمرور 40 يوما يوما على وفاة الشيخ ليس فقط واجبا أو وفاء من بعض التلاميذ والاصدقاء والزملاء لروحه وليس فقط تنويها بشخصيته وأفكاره وبعد تأثيره فى اجيال كثيرة من المثقفين وخاصة بالساحل بل يحتوى على معنى آخر هو ربط الماضى بالحاضر . وهنا أريد أن أنبهكم الى ان تحذروا قطع الصلة بين الاجيال والا تعتقدوا ان واحدا مهما كانت عبقريته يستطيع بمفرده بناء التاريخ من جديد بل ان قيمة الرجال مهما كانت لا تكون دائمة وأصيلة الا اذا ارتبطت بمن سبقهم والويل لامة او لحركة أدبية أو فكريا اذا هى تصورت أنها تستطيع أن تبنى شيئا على لا شئ أن تخلق شيئا من عدم ، إذ لا بد من ربط حاضرنا بماضينا والاعتناء بتاريخنا والحرص على الحافظة على ترابط الأجيال .

وخير الدين والشيخ السنوسى وبيرم الخامس والنخلى ولا يمكن فهم الفكر التونسى ولا فهم الشيخ العامرى او خزندار أو أى أديب أو مفكر تونسى بدون أن نرجع إلى عشرات الكتب التى كتبت والى الدواوين التى صنفت والآثار التى نشرت لأن الأمة كالجسم الحى ، فنحن مقيدون بعلامات حياتية نأخذها عن آبائنا وأمهاتنا كما أخذوها هم عن أجدادهم ونحن بدورنا نورثها أبناءنا وأبناء أبنائنا وكذلك لا يمكن تجريد الفرد من خصوصياته والعوامل التى كونته بل إن تأثير الآباء والبيئة فيه أمر واضح وكذلك الشأن بالنسبة للثقافة وللتاريخ وللحضارة .

فلا بد من ربط الاجيال بعضها ببعض وان حضورنا اليوم معناه ومغزاه ايماننا بأن الادب التونسى الحديث مهما تعددت مدارسه وتباينت آتجاهاته مدين لكل الادباء السابقين ، مدين منذ قرون لكل تونسى كتب قبله كتابا أو قال شعرا أو ألف قصة .

وهذا ما يجعلنى شخصيا معتزا ومتشرفا عندما ادعى الى المساهمة فى مثل هذه الماسبات على انى فى هذه المرة لم بات بى ايمانى بالادب التونسى فقط بل حدث بى العاطفة كذلك ولا أخفيكم انى أكن للشيخ محمد الهادى العامرى عاطفة البنوة والتلمذة فلقد كان الفقيد مريبا أدبيا ومعلما محترما أكن له تقديرا كبيرا واعترف له بالفضل . وختاما ادعو الله ان يرحمه وان يجازيه عنا وعن الفكر التونسى والمدرسة التونسية خير جزاء .

اشترك في نشرتنا البريدية