. . فى الفصل الماضى ( 1 ) وضعت امام القارىء بعض الخطوط العامة التى تكشف له عن هذا الافلاس الفكرى الذى يتخبط فيه الاديب التونسى منتجا ومستهلكا . وان كنت فى وضع هذه الخطوط غير محدد ولاضابط بالمعنى الصحيح بحيث جعلت هذه الازمة تدور حول مفاهيم هى :
1) الكسل الفكرى التلقائى الذى يعايش بعض ادباء الساعة . 2 ) عدم التشجيع ، سواء من القراء الذين لايزالون يعتبرون البضاعة
التونسية بضاعة خالية من الروح غير دسمة ولا مركزه فانقلبوا عنها زاهدين فيها الى نتاج شرقى يومنون بتجاويه وعمقه ورشده . او كان عدم هذا التشحيع من الدوائر المسؤولة التى ضنت على الاديب الصاعد الذى يجد من نفسه حماسا للانتاج والتأليف سواء فى القصة او الشعر او المقالة . ضنت عليهم بوسائل الاعانة الميسورة لديها ماديا وادبيا ، خاصة اذا كانت ظروفه محدودة بحيث لا يزيد عن انه مواطن بسيط ليس له من مدخوله ما يرصده لدور النشر التى اتخذت من الشطط اعلى قمة فكانها والمستهلك قد اتفقا على قبر امثال هؤلاء الذين تؤلمهم حالة الادب بديارهم ، وتؤجج فى صدورهم نار الحماس والاندفاع .
3) اما ثالث المفاهيم فهذه التيارات السياسية التى تتقاذف الواقع العربى عموما وتونس على الخصوص فشلت حركة الفكر الادبية اشلالا قصريا أندفع فيه الاديب عن غير طواعيه منه ، بل هو فى اندفاعه نحو هذا الاشلال والتخدر فى اعصار من نفسه ، واعصار من ضميره ، واعصار من تاريخه , ولكن واقعة الذى يحياه شدة البه ولم يترك ضئالة من تفكيره يستطيع به قضاء الواجب واداء الرسالة . هذه على العموم جملة المفاهيم التى جعلت البحث الآنف بدور عليها ومع ذلك فلا انفى مطلقا ان للمشكل بعض اوجه اخرى قد لا يتسع لها هذا الفصل المتواضع المحدود ، ولكنى على آية حال اعتقد انها محاولة تلقى بعض الاضواء ولو على جانب بسيط منه ، ومن ثمة ارى بان المفاهيم الثلاثة قد تجمعت على وضع الحركة الادبية موضع الاستنقاص والضعف ، لا موضع السالبية المطلقة والفقدان التام . اذ هناك فرق كبير بين موجود يأخذ مكانه من حيز التاريخ ولكنه عليل ينتظر مصل الحكيم ليقوى على القيام ويقوى على السير ، ويقوى على الاندفاع فى معترك هذا الوجود الخيار ، وبين سالبية فانية وفراغ مهول نحاول ايجاده وبعثه من سرمدى العدم الى دنيا الناس هذه . والادب فى تونس من النوع الاول بلاشك غير انه
بالاضافة الى هزاله وضعفه فرواده قليلون قلة الشعور بالعالم الروحى فى عصرنا هذا واصدق مثال لذلك كلمة ميخاييل نعيمه الاخيره " لم يخلق ادبنا العربى الحديث نموذجا حيا للانسان العربى " وهكذا كان مطلع هذا القرن مطلع تحول لطاقة التفكير البشرى وتغييره عن عالم الفكر والعاطفة الى دنيا من المادة والتصنيع فانصرفت فيه همة الثقافة الى خلق جيل مادى لا يؤمن بمظاهر القلم ، وليس له من نفسه وعواطفه مكان لها . وله الحق مادامت موازين الناس فى الحياة قد قطعت اشواطا شاسعة فى هذا الطريق ، ومادامت سنة التطور وحب البقاء يفرضان ذلك لا محالة ولكن الامة الخالدة العظيمة فى نظرى هى تلك التى توفق فى الجمع بينهما . لا تهمل جانب المادة الذى اصبح معيارا لتوازن القوى بين الشعوب ؛ ولاناحية الروح التى تعتبر من اقدم العصور وفى مختلف المعتقدات الاشعاع الثابت للتوجيه والايحاء الموفقين ، ولذلك جاء القرآن مليئا بالحث على الجمع بينهما ، ونحن باعتبارنا جزء من الامة الاسلامية التى يتصل تاريخها وحضارتها اللغوية بالزمن اتصاله بالقرآن . بل ونحن كجزء من المغرب العربى الكبير الكبير لنا طابعنا الخاص فى المنهج والاسلوب والتفكير متحتم ايضا ان يكون لنا كياننا الخاص فى الانتاج الفكرى من نثر او شعر ، وهو ما اقصد بالشخصية الادبية ، وهو ايضا ما حصرته حصرا تقريبا فى الكتاب , والقارئ ( 1 )
والكاتب فى ظروفنا الحاضرة احد اصناف ثلاثة : فهو
1 ) الكسول الذى استمرأ عيش الحيوان فلبسها ولبسته ، وأنسها واستأنست به ، فعاف العمل ، وتنكر للانتاج والكد ، واستر خى بكل كيانه الى حيث الراحة المتواصلة ، والحياة الراكدة الجامدة على رأى غنيم ؛
" حياة كسطح الماء والماء راكد فليس بها شىء يسر ويؤلم "
وهؤلاء مع الاسف يمثلون جماعة كبيرة قد تكون اكبر الثلاثة كما أصيب بهم شعبهم فى ظرف هو احوج ما يكون اليهم ، ولعلك تسألنى قارءى الكريم عن الدوافع التى جعلت امثال هؤلاء يستمرؤون عيشهم ذاك ويحطمون اقلامهم فى غير اسف ، ويتخلون عن الكتابة والتاليف اختيارا ؟
والجواب قد يكون عسيرا فى سطور كهاته . اذ يدفعنا الى تحليل نفسى ، والى اقيسة خارجية ، قد تلعب فى هذه الاقيسه ظروف الاديب المتغيرة دوما واستمرارا ، وظروف تكوينه العام من البداية بما في ذلك البيئة واسلوب التربية ونوع الثقافة . ويرغمنا ايضا على الاحتكاك بالمذهب الذى يجعل الوفرة المادية ورغد العيش اعظم دافع للاديب نحو الخلق والابتكار ، او الى نقيضه الذى لا يطلب للاديب فى الظروف القاسية المريره التى يكون فيها على خاصة من العيش ومضض منه ، ويجعل هذا المذهب قاعدة الحرمان والبؤس هى آية الايات لخلق روح الانطلاق والابداع فى نفس الاديب - اى اديب - وطبعا يلزمنا كل من المذهبين الوقوف عنده طويلا ، وقوفا فيه من العرض
والتبسيط والمقارنة ، والنقد والاستنتاج ما يحول كلمتنا هذه عن مبدئها الاقتضابى المرجو .
والذى اؤكده ان امثال هؤلاء هم خطر على شعوبهم وعلى نفوسهم . . . خطر على شعوبهم خطورة الجندى المسلح الذى يقف معربد الاحساس ميت الحركة فى حين ينهش العدو عرضه وماله وخطر على نفوسهم لاقدامهم واسرارهم فى هذا الاقدام - على الخيانة ، خيانة الرسالة ، واى رسالة اعظم من رسالة الفكر ؟ واى تكليف اشق على النفس من تكليف المبادئ الروحية يبعثها الرجل العظيم فى الاجسام الميته فاذا هى اشعاع من النور ، واشعاع من الحق ، واشعاع من الهداية ، واشعاع من اليقين . واذا هى مزيج من ذلك كله ، واذا هى ادب حى خالد ، واذا صاحبها يرتفع ليكون عظيما فى قلوب الاجيال وصفحات التاريخ
2 ) اما الصف الثانى فهم جماعة لا يستقرون على حالة من التفكير ، و ولا تعجبهم أية ظاهرة من ظواهر شعبهم ؛ يعمش النور ابصارهم ، اذا عاتقت امتهم فحرها المنتظر ، ويسأمون السير فى الظلام ؛ وينقمون على الاقدار ان بدات حجارة الظلم ترميهم يقواذف سخطها . . فهم ثائرون فى الحرب والسلم وهم غاضيون على الضياء والظلام . هم دائما كما هم . وحيث هم . ناقمون كافرون ، وساخطون غاضبون ، ولكن هذه الثورة ، وهذا الغضب والكفران ، م آهات فى الاعماق ، وهى بالتالى لا تتجاوز حدود نفوسهم القاصرة فهم فى نظر نفوسهم - الادباء الثائرون او النقاد الساخطون ؛ وهم فى نظر التاريخ وعقلاء الفكر ناعقون معربون ، لايزالون فى شك من وجودهم فيحاولون اثباته بهذا الهراء السخيف ، ولايزال تفكيرهم بكرا لم تفضه تيارات الوجود بأحداثها. هذه التى بين مدها وجزرها شر الخلق ، وشر الابداع ، وشر الخلود ، نصيبهم من صراع الحياة قهوة يمزونها بشفاه نهمة ، وشعر يصفقونه اشكالا وضروبا ، وعرض يمزقونه ويهتكون ما ستر الله منه بين نقد موهوم , وتعريض مكذوب ، حتى اذا سئلوا عن مواقفهم من التاريخ اجابوا فى غير حياء " دنياكم هزال وعبث ، دنياكم رياء ونفاق ، واقعكم حمة هستيريه سيعقبها موت . والعباقرة اسمى من التأرجح فيها ! "
ومادروا انهم الهزال والعبث نفسه ، وانهم الرياء والنفاق عينه ، وانهم المستيرية العارمة فى دماغ الامة ، ملئت نفوسهم مرضا وادعا ، فهم بين الحياة والموت مترنحون . وهو قلة والحمد لله - ومع ذلك فلا انكر خطورتهم
خاصة اذا كان بعضهم يتمذهب سياسيا بالديماغوجية الخاربه التى صورت لهم حركة الفكر النبيلة فى شكل سكين حاد يطعنون به سير الامة نحو النمو والاكتمال ، وليس لهؤلاء غير السحق بالاقدام دون اشفاق حتى يبقى للشعب طريقة النظيف الذى رسمه على جماجم ابطاله الابرار وحتى يواصل مشبه فى مضمار الثقافة والفكر بنفس الخطى ، ونفس العزيمة ، ونفس الايمان الذى مشى به فى اندفاعاته نحو الانشاء العظيم ، والخلق الاكبر .
3 ) ويبقى النوع الثالث من الكتاب وهو يتلخص فى رجل الساعة الذى امن قبل كل شئ بتحول التاريخ وتبدل السحنات ، والذى آمن بعد كل شئ بايجابيته ازاء هذا التحول والتبدل ، وآمن الى جانب كل ذلك بانه محاسب فى لحظة ما من لحظات التاريخ الرهيبة على ايدى جيل صاعد لا يعرف غير الحق واليقين ، وغير العمل والصدق ، يخلد ماطهرت نفسه ، ونظف لسانه ، وحرك قلمه يخط لهم مجدهم وتاريخهم وعزتهم ، وينشر فى مهب العاصفة المهملين القاعدين ، او الساخطين القانعين بسخطهم نثر اللعبة على الشقاه الكافرة . وهذا النوع من الكتاب هم شعراء ، وهم باحثون ، وهم قصاصون ، بيد ان النوع الاول منهم قد كشف عن قوته وكثرته كما وكيفا ، وبين فى مناسبات عده مدى تفاعله بالاحداث وتأثره بها ، ومن بين هؤلاء الذين اذا ذكر تاريخ الثورة التونسية ، وذكر ابطالها الصرعى فى الميدان ذكروا هم ذكرى الاعتزاز والفخر ايضا من بين هؤلاء الاساتذة : النقاش ، والباجى ، والشعبونى , وعطاالله وغيرهم ممن ساتحدث عنهم ، وعن الروح التى سجلوا بها مواقع الصراع العنيف ، والنصر العظيم ، والافراح المتتالية فى آحاديث قريبة ان شاء الله . . . وهؤلاء النوع من الادباء هم الصفوة عندى ، وهم واجهة الفكر النيره التى مثلت بحق هذا الانقلاب الاعجازى الخالد . . مثلت شعور الامة وأحاسيسها وسجلت للتاريخ أنصع صفحة وأنقاها سيبقى تاريخ الحرية والكرامة فى تونس مقرونا بها ما بقى للحرية والكرامة تاريخ . وعند هؤلاء فقط وجدت الامه صوتها الصريح الذى تحدث به ظروف الزمان والمكان الى حيث البناء الذى لا يعتريه هدم ولاتقويض ، واذن فنحن عندما نتحدث عن الادب والادباء فانما نجمل القول واجمالنا له قرار صريح من وضع الاشياء مواضعها. والآن وبعد هذا التقسيم المركز اعتقد اننا اشرفنا جميعا على نقطة الانطلاق , واصبحنا نميز اى نوع من الادباء نقصد ، ولكن استنتاجنا هذا - اذ كان صحيحا
وهو ما اعتقد - يبقى ابتر من حيث انه لا يمثل الانوعا واحدا من الانتاج واعنى به الشعر ، فأين ادباء القصة ؟ واين ادباء البحث او المقالة ؟ ذلك ما نرجو مخلصين تحسسه فى ظرف قريب اذا هيأنا له الجو الملائم من تشجيع وتوجيه ، واستهلاك ، ونقد صحيح ، واذا بقى رجال القافلة من شعرائنا يواصلون انطلاقهم ذاك لما فيه من تجارب روحى عميق بين الادباء عامة شعراء كانوا ام ناثرين وقصاصون هم او دارسون ، بحيث طبيعيا تتفاعل الانواع مع بعضها ويؤثر الجزء منها فى باقى الاجزاء . فاذا كانت هناك نهضة شعرية فلا شك ان ستتبعها نهضة فكرية عامة سواء فى ميدان القصة او المقالة ، لذلك اميل الى الاعتقاد بان التفاعل موجود لاريب فيه غير ان ظهوره يرجو منا اعانة بسيطة تتمثل فى تيسير وسائل النشر والطباعة من جانب واستهلاك السوق من الجانب الآخر وآنئذ تكون شخصية الادب بتونس قد تمركزت اعمق تمركز وازالت عن
وجهها النقاب الخبيث الذى طالما اخفاها عن الاعين وطالما حجب جمالها وروعتها عن مواطنيها ليتعصبوا لها ويقبلوا عليها اقبالا فيه من التشجيع ما يدفع على المزيد ، وفيه من الرواج ما يولد فينا جميعا صفة الاثرة والاعتزاز بكل انتاج محلى مهما كان وايا كان .
والخلاصة : ان وجه تونس الادبى الحديث لايزال فى غموضه وابهامه ، وهو يتطلب منا قراء و ناشرين ، ادباء ورؤوس اموال عملا شاقا وكدا عظيما ليس بغيره نستطيع ان نجعل تراثنا الادبى يرتفع ويسمو بالقدر الذى اصبحت تتمتع به تونس السياسية ، وتونس الاقتصادية فى نظر الشعوب عامة من تقدير واحترام ، وانه لمن دواعى الفأل ان ملامح هذه الشخصية يزداد يوما بعد يوم وضوحا وتبلورا ودور " الفكر " هنا العمل على الزيادة من هذا الوضوح والتبلور بدفع اكثر ما يكون من الاقلام الناضجة نحو الميدان ، وبالدعوة الصادقة الى تجنيد القراء نحو الاقبال والعطف على كل انتاج محلى .

