- ١١٥٣ - أبرد من يخ هذه الجملة دارجة . . يتداولها كل الناس . . واحسب ان اكثرهم لو سئلوا ما هو هذا (( اليخ )) ما استطاعوا معرفته . . وانما هى كلمة فهموا معناها فى استثقال من يكرهون . . واستعملها الجمهور منذ عهد بعيد فيما عنه يصدفون !
وليس من البرودة ايراد ما يكشف النقاب عنها . . فهي كما شرحه العلامة ( أحمد تيمور باشا ) فى كتابه ( الامثال العامية ) لفظ فارسى معناه ( الثلج ) .
ولا شك ان (( اليخ )) أو (( الثلج )) من احب الأشياء الى الانسان فى البلاد الحارة . . وفي حمارة القيظ . . فلا يكون مذموما فى هذه الحالة وانما يشغف به ويرتاح اليه الظامئ . . والمحرور ، الا انه اذا اقترن
بوصف ( الثقيل ) . . أو ( المملول ) لحقه منه وبه الذم والكراهية . . وكما انه (( من أجل عين تكرم مدينة )) . . فكذلك من أجل المكروه . . قد يكره المحبوب . .
- ١١٥٤ - من فصيح العامة نطبق على المفرد من الشركات ( الشركة ) . . بتشديد الشين وفتحها . . وينطق بذلك العامة والخاصة على السواء حتى من كان من الادباء والشعراء ، فاذا قال عامي : ( الشركة ) . . بكسر الشين . . سخرنا منه وحسبنا انه يخطئ .
ويقول موفق الدين البغدادى النحوى اللغوى فى كتابه ( ذيل الفصيح لثعلب ) : ( وهو باب الشركة كالبركة . . والجلسة ( بالكسر للشين ) ولا يقال الشركة ( بالفتح ) . .
قلت : وعلى هذا فان ما كنا نظنه خطأ يكون هو عين الصواب . . فهل نعود اليه بالكسر أم لا محيص من الفتح ؟ . . وأراء أشبه ( بجدة ) - بكسر الجيم - أى ( عنزة ولو طارت ) . .
- ١١٥٥ - ليس الطرب فرحا . . فقط كنا نظن ان الطرب لا يعنى الا الفرح والانشراح وما هو فى معناهما فاذا به ( لغة ) : يقال ( رجل مطرابة ) اى كثير الطرب وهو خفة تصيب الانسان لشدة الفرح أو الحزن ا هـ
قلت : غير أن كلمة ( الطرب ) قد غلب عليها السرور والمرح . . وأمحى عنها الحزن والترح . . . فلا يقترن بها الا الانبساط دون الانقباض . . اللهم الا اذا استجاش الشجون . . وأسال الدمع الهتون . . فثمة يصدق عليه المثل ، ( ومن الحب ما قتل ) .
- ١١٥٦ - التزكين مجرد الاعلام يقول الرجل لرسوله الى من شاء ( زكن عليه ) . . ويقصد بذلك التأكيد . . لا مجرد الاخبار . .
واللغة تنص على (( زكنت منك كذا وكذا . . أى علمت )) ا هـ
قلت : وقد مضى التداول حتى اليوم على ان التزكين . . هو التأكيد والتشديد . . ويدرك ذلك كل ما ينطق به او يستمع له دون أى التباس . . فكأنما اكتسب هذا
المدلول . . واقترن به - بمرور الزمان . . فلا سبيل الى زحزحته عنه ولو ( آب القارظان ) .
- ١١٥٧ - الصرورة - لا الصرارة كنا نسمى كل من زار ( المدينة المنورة ) لأول مرة . . ولا سيما الاطفال ممن يستطيع التمكن من السرج او الشداد . . ( صرارة ) ويحتفل به أهله وربعه ويزفونه ويحفونه بالتكريم ويقدمونه فى ( الركب ) ممتطيا ( فرسا ) مطهمة . . ومزينة فى أبهى الحلل . . وهو متقدم على سواه فى الموكب وأمامه (( الطاسة . . والزير )) . . وكأنه عروس تنص ولو تجاوز سنه العشرين ي وما سمعت ان من يحج لاول مرة يسمى ( صرارة ) قط اللهم الا أن يكون ذلك فى بلده اذ يعود ، ورأيت ( اللغة ) انما تطلق على من حج لأول مرة ( الصرورة ) دون الزيارة . . فلو ذهبت احاول تصحيحها لسميت بالصرارة - أيضا - فى محاولة المستحيل . . على اننا لم نعد نسمع بهما معا منذ عهد طويل . . . ( وما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة الا قليل ) . .
- ١١٥٨ - حجة الدين المكي ٤٩٧-٥٦٥ ه هو شاعر مكي الاصل مغربى المنشأ - ترجم له العماد الاصفهانى فى الخريدة . وروي من شعره هذين البيتين :
كن من مدبرك الحكيــ
ــم, علا و جل ، على و جل
وارض القضاء - فانه
حتم ، أجل ، وله أجل
١ ه
قلت : وقد تعددت المعاني فى ( جلجلاته ) . وهى واضحة للقراء ولا تحتاج الى تفسير ولا تعليق . وقد حدا بى الى نشرهما الاستدلال على الذهنية الادبية التى كانت تسود عصره من حيث الشغف بالمحسنات اللفظية . . والطرف البديعية ! - وقد أصبحت أثرا بعد عين ! ولكل مقام مقال ، ولكل زمان دولة ورجال ، ( والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم ) رحمهم الله رحمة واسعة .
- ١١٥٩ - من شوارد الخواطر قرأت فى خريدة العصر - للعماد الاصفهانى - لعمارة اليمنى سنة ٥١٥ ٥٦٩ ه هذه الأبيات الرقيقة . وقد زار صديقا له فلم يجده فكتب اليه :
يا سيدا ساحة ابوابه
لكل من لاذ به قبله
بكسر القاف
قد استنبت الطرس فى لثمه
كفك واستودعته قبله
بضم القاف
فامدد اليه راحة لم يزل
معروفها يخجل من قبله
بفتح القاف
ا ه
قلت : وتذكرت الأبيات الثلاثة التى نظمتها قبل سنوات ، ونشرت بالمنهل الأغر بعدد صفر سنة ١٣٨٦ وذلك على أثر المعركة التى عرفت ( بجيم جدة ) وقلت فيها :
لقد أصبحت فى يومى
مع الحمد - ( أبا جده )
بفتح الجيم
وبان الجر فى جددى
وصح الضم فى ( جدة )
بضم الجيم
ومن يولد يعش حينا
ويحدو جده ( جده )
بكسر الجيم
وعجبت من التقاء الطريقتين بعد ثمانمائة سنة . . وما والله قرأتها الا اليوم فى ١٥-٥-١٣٩٠ - هذا مع اتفاق عدد الأبيات ايضا !! ( ما شاء الله لا قوة الا بالله ) وربما زاد فى عجبى اننى نسيت بعض أبياتى هذه . . وأردت ان أعود اليها فى المنهل . . ولم أتذكر تاريخه ولا رقمه . . وقمت لأبحث عنه . . ومددت يدى الى أحد أعداده فما خرج الا المطلوب حالا وبدون أى عناء .
- ١١٦٠ - القزق - أو القوزاق ؟ . . فى اوائل العشرينات من هذا القرن الرابع عشر . . والى عام ١٣٣٢ ه قبيل الحرب العالمية الاولى . . كانت مواسم الحج بمكة المكرمة تحفل بالعديد من أجناس المسلمين . . من جميع أطراف الارض . . ولا سيما من آسيا الكبرى والصغرى وما وراء النهر . . وخاصة من اخواننا أهل بخارى . . وسمرقند وكشغر وداغستان . . وكانت لهم مناطق تحتفى بهم تقريبا للسكنى خلال أيام الحج . . أو للمجاورة . . الدائمة
. . ومن اولئك من يطلق عليهم (( القزق . . أو القوزاق )) . . وهم ضخام الاجسام . . ولهم لغة ذات لهجة خاصة ونبرات عالية . . واذا اجتمع منهم ثلاثة أو أربعة - كانوا
كالسد المنيع فى الاحياء ذات الشوارع الضيقة - كسويقة القديمة مثلا . . وكان أطفال مكة . . يعجبون من اشكالهم وازيائهم ويمضون وراءهم . . حيثما اتجهوا للامتيار او للشراء وبما صاح الأبالسة منهم خلفهم بهذه الجملة (( أوى منا منا )) ولا ادرى حتى الساعة ماذا تعنى ؟ وكنت أرى الواحد منهم إذا أقبل على بائع اللبن او الحليب استحوذ على ما فى ( طبليته ) من الزبادى يقذف بها فى جوفه الواحدة بعد الأخرى حتى ( يجبر ) اللبان . . وكانوا يتلهفون على اللبن الرائب يعده لهم فى ( السطول ) باعة الحليب . . فربما تناول أحدهم ( السطل ) المستوعب للأرطال . . فلا يفارق فمه . . حتى يلتهمه . . حتى الثمالة !! فأما أهل ( داغستان ) فانهم يتحرون النطق بالعربية الفصحى بعناية ودقة وحرص شديد ويغلب ذلك فيهم دون سواهم ويتميز لباسهم بالمناطق التى تتوسطها الخناجر ذات الحدين . . من الامام ومنهم العلماء الأعلام !! ولم نعد نراهم منذ خمسين سنة أو تزيد !! ونسأل الله لهم ولذرياتهم الحفظ والثبات .
- ١١٦١ - طاهرة عمرانية اختفت بين عامي ١٣٣٠ ه - و ١٣٣٤ - كانت منطقة ( بركة ماجن ) بالمسفلة بمكة المكرمة حافلة بالنخيل . . وبعض الخضراوات . . وتجرى بها المياه وبينها . . من قنوات تمتد من البركة المشار إليها . . وبحكم انحدار أرضها ، وصلاح تربتها للزرع . . كانت تبدو دون سائر أحياء مكة . . ( زمردة خضراء ) . . يرتادها المتنزهون فى أوقات العصر والأمسيات . . ويتخذون منها ( مقيالا ) ممتازا . . يقصرون فيه أيام الدجن منذ
قرون طويلة . وكأنما استهوت بمنظرها الموصوف آنفا ، أخواننا المجاورون من أهل ( جاوى ) . . ( اندونوسيا ) . . الذين آثروا الاقامة بهذا البلد الامين وانقطعوا لطلب العلم او التسبب بالحرف التى يحذقونها . . ومنها ( الصياغة ) وصنع الأطعمة وبيعها لأمثالهم ممن كثر عددهم حينئذ فى جميع الأحياء والمحلات . واذكر أن هذه المنطقة - كانت ذات عمران مزدوج - فالى جانب السفوح من جبالها ترى (( اعشاش )) البدو وفي سهلها تجد صنادق اخواننا فى (التكارنة ) الذين أربوا على الألوف !! وبينهما أنشأ ( الجاويون ) ، أو الاندونوسيون . . دارات بديعة رشيقة جميلة على الطراز الذي ألفوه فى بلادهم - وهى جميعها من الأخشاب ولها ( فرندات ) ولا تزيد أدوارها على الأثنين . . وسطوحها ( جملونية ) محدودبة ! . . ومناظرها جذابة شانقة عابقة ، وفى كل فناء منها غرست الأزهار والورود !! وما لبثت الحرب العامة الأولى ان كوتهم بنيرانها . . فلم يستطيعوا الاقامة بدون ارتزاق . . وأخذوا فى الارتحال زرافات ووحدانا الى ديارهم . . وباع أكثرهم ما كان شيده هنالك ومع مرور الأعوام هدمت الأدوار وبقيت الآثار . . ولم يبق لذلك كله غير هذه الصورة التى تشبه الأحلام !! وسبحان من له الدوام .
١١٦٢ - الورق - والمصطكاة من أمثالنا العامية قولهم (( يحفظ الورق . . ويضيع المصطكاه )) ! وهو ظاهر المدلول . . ويعنى انه يفرط فى الغالى . . ويحرص على الرخيص ! . . وخطر ذلك ببالى . . عندما لفت نظري هذا العمران المتبحر المتزايد فى
( مكة المكرمة ) خاصة . . وفى كثير من مدننا الكبرى أو الصغرى ، فثمة ظاهرة . . لا تخفى على المتأمل ، وهي ان الفكرة الفنية . . أو الجماعية تكاد تكون مفقودة فى كثير من انشاءاتنا القديمة . . والحديثة على السواء وبدون استثناء وأمضيت طويلا فى أسباب هذا التعرج والاعوجاج والالتواء فى ( البنايات ) واجتمعت كلها فى استرخاص الارض . . قبل كل شئ ! فهى إذا تيسرت فى سهل أو جبل . . وبقيمة زهيدة حتى لذوى اليسار . . تحظى بعمارة شامخة ناطحة للسحاب ! ولو اتسقت وأمثالها الى جانبها فى خطوط مستقيمة لانتهى بها الانطلاق والاتساق الى مسافات شاسعة وفى شوارع طويلة مبهجة !! حتى لأكاد أجزم بأنها تصل ما بين مكة وجدة حتى تصبحا ( بلدا واحدا ) متصلا ببعضه دون أى فاصل . . وقد اخذ التطور الجديد سبيله الى الاستقامة والتنظيم - ومراعاة النظير ! وعما قريب ان شاء الله سنرى العمران كله متوجها الى الخط المستقيم . . وذلك برهان على الذوق السليم والخلق الكريم . . وعندئذ ينعكس المثل ويكون المثل معكوسا أى : (( يحفظ المصطكاه ويهمل الورق )) وما ذلك على ذوى الاختصاص بعزيز .
١١٦٣ - رحلات الاستاذ الكبير أحمد علي منذ سنوات عديدة نقرأ فى الصحف اليومية السعودية . . بين أعمدتها المشرقة . . وفى المجلات الشهرية . . مقالات وصفية رائعة . . وفى بيان ساحر أخاذ ، وبأسلوب نادر جذاب ، وبروح عربية
واسلامية محلقة مخلصة . . للاستاذ الكبير العلامة السيد ( أحمد على ) ، بحيث اشتملت على الدقيق والجليل من ( رحلاتـه ) فى داخل المملكة وخارجها ، واتسعت مع مسافاتها الطويلة فى قلب الجزيرة - نجد ، والاحسا والحجاز ، والسراة ، وعسير . . والعراق وايران والكويت ، والبحرين ، وحلقت فى أجواز الفضاء . . وخاضت أثباج البحار ، وأمتدت الى ( اوروبا ) و ( أمريكا ) او العالم الجديد ، ما بين (( المحيط الهادى )) و (( الخليج العربى )) . وكنت ما أزال من قرائه فى كل ما دون وكتب عن هذه الرحلات المباركة حتى يومنا هذا خصوصا انه من أكابر الأدباء المتمكنين من اللغة والشواهد الشعرية التى يخرج بها مقالاته الرائعة الشائقة . . وما أردت بهذه الشذرة ان ابثه ما أحمله له وأكنه لسيادته من اعجاب واحترام وتقدير وانما حرصت على ان اقدم اليه رجاء أعتقد ان كثيرا من قرائه يشاركوننى فى ازجائه اليه ، وهو التوفر على جمع انباء هذه (( الرحلات )) فى كتاب يضم اشتاتها . . ويحفظ للأجيال الصاعدة ما فيها من تجارب وفوائد وطرف وتحف . . فان لسيادته كل الامكانات لتحقيق هذا الرجاء وما أحسبه الا متجاوبا مع هذه الرغبة الملحة فى اتحاف المكتبة العربية بهذا الكنز الثمين . . ليضيف به الى الرحلتين الشهيرتين ، لابن جبير وابن بطوطة ثمار رحلاته الموفقة الشهية فى القرن الرابع عشر ! وما ذلك على فضل الله تعالى ثم همته واخلاصه بعزيز .
- ١١٦٤ - المعجم الجغرافي سعدت بنسخة من كتاب ( المعجم الجغرافى ) للبلاد العربية السعودية ( مقاطعة جازان )
المخلاف السليمانى - لمؤلفه الاديب الشاعر المؤرخ أخى الاستاذ الكبير الشيخ ( محمد بن أحمد العقيلى ) . . وقد اهدانيها سيادته فضلا منه وكرما وله طيب الشكر والتقدير والاحترام . وما ان تناولتها حتى انقطعت لاستقرائها فى شغف ولهف وتقدير واكبار لهذا النجم المتألق فى الجنوب . . وشد ما كنت أشعر بالاغتباط والارتياح والاعتزاز فى آن واحد بما احتوى عليه هذا المؤلف الثمين من حقائق تاريخية واحصاءات دقيقة وشمول لكل ما فى هذه المقاطعة العزيزة من بلدان ومدن وقرى وشواطئ وموانئ وسهول وجبال . . وعشائر وقبائل . . ومكارم وشمائل . . وعوائد وتقاليد . وحمدت الله تعالى ان يسر له جمع هذه الفوائد الكثيرة بما بذله من مجهودات عظيمة ومراجعات دقيقة قلما يظفر بها الا من كان فى مثل حرصه وطموحه واخلاصه لوطنه الحافل بالأمجاد من كل تليد وطارف . ولست بذلك مجاملا ولا مكافئا على معروفه الذى أسداه الي ، واضفاه علي ، وانما أقرر حقيقة تقر بها عيون كل مواطن ، ويعترف بها كل باحث ومنقب ومعقب هذا مع اضافته الى ما سبقه ويلحق به من انتاج هذا الرجل المجاهد فى سبيل الله والعلم والأدب والتاريخ مما يدعو الى اكباره والاشادة بآثاره ، وانه لعمل صالح ، وسعى موفق ، وجهد مشكور . . وحبذا لو سار على منواله كل قادر على التأليف والتنصيف فى مختلف جهات هذه المملكة الواسعة الشاسعة وقد باركها الله ارضا وسماء ، وآباء وأبناء وماض وحاضر - وهيأها للمستقبل الذى أسفرت به الأضواء وبذلك يحفظ التراث ، وتتجلى الشموس بأعظم ميراث ، وجزى الله
(( العقيلى )) ، وأمثاله وكل من سار على طريقته
فى منطقته خير الجزاء وانها لآثار خالدة ، وأسوة حسنة ، والله لا يضيع أجر العاملين .
- ١١٦٥ - رحلات المنهل الاربع اعتقد اننى لست وحدى المغتبط لهذا الانتاج العظيم ، فقد استمتع جميع القراء - بهذا المنهل العذب الكثير الزحام ، بما احتوى عليه من هذه الرحلات المباركات السابقة واللاحقة . . تلك التى قام بها صاحب المنهل - وأقربها عهدا ، وأطيبها شذى ، وأوسعها مدى وأرغدها عطاء وسخاء هاتان الرحلتان أو الثلاث بل الأربع الى ( الرياض ) والى ( الخرج ) والى ( الظهران ) . . والى ( سراة الحجاز وبنى مالك وغامد وزهران ) . فقد اشتملت على ما يعتبر بحق كنزا ثمينا غاليا . . وفتحا جديدا فى مجال العام والمعرفة والتاريخ و ( الجغرافيا ) معا . . وما هى بأولى الأيادى لأبى نبيه حفظه الله وبارك فيه . فقد عود قراءه بهذه الطرف والتحف . . ومع ما يتكبده من مشاق السفر فانه لا يعبأ بذلك ما دام ينفع المواطنين بما يعيده ويبديه فيها من المعلومات التى يجهلها الكثير من الناس فى الداخل أو الخارج على السواء . وما أعظم امتنان كل قارئ بهذه الرحلات النافعة والمفيدة ، واعتزازنا بهذه الآثار الخالدة والمآثر التالدة .
وبودى - ان لو توالت اليه الدعوات الكريمة من جميع امارات ورجالات المناطق فى المملكة الشاسعة الواسعة . . لينطلق بيانه الساحر بهذا الفيض الزاخر من الوصف والرصف . . والافادة والاجادة والاسلوب الشائق الرائق . . فما أسعد ( الربع ) الذى يحل فيه . . ويستجلى مغانيه ،
ويصف سهوله وحزوته وروابيه ، وسكانه وقطانه ، وأجواءه وقممه وأفياءه ، وأخلاقه وعاداته ، وحاضره وماضيه . . ومستقبله المتطور وأمانيه ، فهو بذلك يضيف الى المكتبة العربية ذخائر باقية . . وحبذا لو شاركه فى هذه المهمة - المثقفون من ذوى الاقلام فى كل بلد . . فيكتب كل صاحب بيان ما يختص بموطنه . . تداركا لما فات ، وقياما بأهم الواجبات . فانه لا عذر بعد اليوم لأى قصور فى هذا السبيل ، وقد شملت أنوار المعرفة كل الجهات من بدو وحاضرة ، وانى لأشكر علامتنا الكبير على ما بذل ويبذل من مجهودات عظيمة فى التنوير والتبصير والتذكير . . أمد الله فى حياته ، وأعانه على ما ينفع الأجيال الصاعدة ، ويزيل كل غموض أو غشاوة من أمجادنا الغابرة والحاضرة ، وأدعو له بالتوفيق ممن لا يضيع أجر العاملين . وهو ولى المصلحين .
- ١١٦٦ - اقتراح بسيط اذا ناديت ( الاندونوسى ) قلت : ( مرى ) . . والباكستانى قلت ( آد ) والتركى قلت : ( جيل ) . . والعربى قلت ( تعال ) . . وهكذا لكل لغة لفظ بهذا المعنى !
وقد امتزجت الأمم والشعوب بالرحلات التجارية . . والاستجمامية وتيسرت المواصلات بين جميع الآفاق . . ويجهل الأكثرون حتى ابسط الكلمات التى يضطرون لاستعمالها فى كل قطر . . مما لا غنى عن معرفته واتقانه لكل فرد من العامة والخاصة على السواء .
ولهذا فاننى أقدم هذا الاقتراح الى فضيلة العلامة صاحب المنهل الأغر . . ليرى رأيه فيه . وعسى أن يكون محل الاستحسان
والقبول . وهو افراد ( صفحة واحدة ) من مجلته الكبرى ذات المعين الثر الذى لاينضب . . لاختيار الكلمات التى تمس الحاجة اليها من اللغة الانكليزية . . والافرنسية . . وتعريبها . . باللفظ العربى . . أو ذكرها بما تنطق به فعلا . . وما تعنيه بالعربية . . فى جدول واضح شهرى . . يستعين به القراء الذين لا يحسنون اللغتين المشار اليهما ويقتصر ذلك على ما هو ضرورى جدا فى المقابلات والمعاملات والمجاملات وما الى ذلك بحيث يلم كل قارئ بذلك الماما يساعده على التفاهم الضرورى جدا . . وذلك فى رأيى قد يكون سهلا على ( رئاسة التحرير ) وكتاب المنهل وقرائه وهو عظيم الجدوى فى الجماهير . و (( قليل دائم خير من كثير منقطع )) فما رأي أستاذنا الجليل فى هذا الاقتراح ؟ وهل هو معقول ومقبول ؟
( المنهل ) : أجل انه اقتراح جيد ومفيد وسنبذل الجهد لتنفيذه تدريجيا ان شاء الله ونأمن ممن لديه المام بمختلف اللغات من قرائنا أن يسهم بهذا المجهود العلمى القيم والشكر الاجزل لاستاذنا العلامة الطلعة صاحب الشذرات الذهبية الماتعة أمد الله فى عمره فى صحة وسعادة .
- ١١٦٧ - النهد - لا الشرك أدركنا الناس عندنا يعزمون على (( الليلة )) أو (( القيلة )) فيدفع كل منهم قسما من النفقة مقدما أو مؤخرا . . ويساهمون مع بعضهم كل بقدرته واستطاعته ، أو على وجه التساوى . . ويسمون ذلك ( شركا ) بمعنى مشاركة أو اشتراك . ونعوذ بالله من الاشراك .
وكأنهم نسوا ما اصطلح عليه القدماء من
السلف الصالح اذ قال ابن مفلح فى ( الآداب الشرعية ) ما نصه :
(( ولا بأس بالنهد . . قد تناهد الصالحون )) كان الحسن اذا سافر ألقى معهم ويزيد أيضا بقدر ما يلقى فى السر ، ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئا من النفقة يدفعونه الى رجل يتفقون عليه منهم ويأكلون جميعا (١) وان أكل بعضهم أكثر من بعض فلا بأس )) اهـ
قلت : وهذا الرجل المتفق عليه هو ما نسميه ( القويم ) بتشديد الواو وكسرها . . وبهذا يكون ( النهد ) هو الأصلح والأفصح والأسلم ، والله أعلم .
- ١١٦٨ - كنا نتحدث . . لا كنا نهرج يتداول الناس كل الناس قولهم هنا اذا سئلوا ماذا كانوا يصنعون - رجالا أو نساء - هذه الجملة : ( كنا نهرج ) . . وما الهرج الا القتل . . أو ما هو بسبب اليه أو منه . والصحيح هو ( كنا نتحدث ) أو نتكلم . .
فمن أين جاءت ؟ انها شاعت وذاعت يوم كان الهرج فى أيام الفتن غالبا . . ومن الحق أن تعود الى اصلها . . ما دام لها بديل خير منها وأصدق . .
وقد ورد عن أبى هريرة رضى الله عنه (( يتقارب الزمان ويقبض العلم )) وفى رواية وينقص العلم ، وتظهر الفتن ، ويلقى
الشح ، ويكثر ( الهرج ) ، قالوا : وما الهرج ؟ قال : ( القتل ) .
وقلما يتفطن لذلك المتحدثون . . حتى ذوات الجمال يقلن : ( كنا عند فلانة نهرج )! ولا فرق عند الجميع بين الكلام والحديث وبين ( الهرج ) - كفانا الله شره ، وألهمنا الصواب .
- ١١٦٩ - ( فريقة ) - لا فريك . . ويذكر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه عاد سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ( بمكة ) . . فقال : (( ادعوا له طبيبا )) . . فدعى الحارث بن كلدة ، فنظر اليه فقال :
ليس عليه بأس ، واتخذوا له ( فريقة ) مع تمر عجوة رطبة يطبخان فتحساها فبرأ ) . والفريقة : الحلبة - وهو طعام النفساء . ا ه ( ابن مفلح )
قلت : ومن هذه الرواية فهمت - و الله أعلم - ان ما نطلق عليه فى زماننا هذا اسم ( الفريك ) . . انما هو فى الأصل مأخوذ من ( هذه الفريقة ) . . وان اختلفت عناصرها ويجمعها مع الاسم المعنى . . فى انها غذاء رقيق . . يصلح للممعودين . . والمكبودين . . وضعيفى الهاضمة . . ومن قرائبها ( الحريرة ) . . وكانت تسمى فى العصر الجاهلى ( السخينة ) . . وقال أبو كبير :
ولقد وردت الماء لون حمامة
لون ( الفريقة ) صفيت للمدنف
ومهما يكن من أمر فان تسميته ( الفريك ) مع صحتها لغة لا بد أنها تمت بصلة الى
( الفريقة ) بالقاف لا بالكاف . . وحتى هذا ( الفريك ) فانه عز حتى ليصح أن يقال عنه أنه ( فارك ) ! !
وقد عرفه صاحب المنجد بقوله : (( انه المفروك من الحب طعام يفرك ويلت بالسمن )) . . وما عرفناه بهذا الوصف قط . . الا منه ، فهو حب يفرك . . وهو خضر . . ويشبه ما يسميه أهل الطائف ( الخضار ) - بضم الخاء المعجمة وتشديد الضاد المنقطة وتصنع منه (( العصيدة )) الممتازة .
- ١١٧٠ - الهضم - والبطيخ اعتاد اكثرنا أكل ( الحبحب ) . . أى البطيخ الأخضر بعد الفراغ من الطعام . . وهو خطأ يجب أن نكف عنه ، قال ابن مفلح فى كتابه ( الآداب الشرعية ) : انه يؤكل قبل الطعام ويتبع به والا غثى وقيأ ، قال بعض الأطباء : هو قبل الطعام يغسل البطن غسلا ، ويذهب بالداء أصلا . اهـ
قلت : فأما البطيخ الأصفر ( الخربز ) فيكون أكله بين طعامين . . على أن من (( المعدات )) ما لا يضيق بكل ما التهم . . وشتان بين العامل والخامل والساكن والمتحرك ، وفى المثل القديم : ( نعم الادام
الجوع ) . . والحمد لله رب العالمين . . ونسأله العفو والعافية .
- ١١٧١ - (( الحامض )) وتدبيع القلب كنا فى عهد الطفولة . . نتحاشى أكل الحامض . . كالخوخ . . وكل ما تغلب الحموضة فيه . . ونتواصى بذلك - لانه ( يدبع ) القلب . . أى يمنع الحفظ . . ويضعف الذاكرة وكان ذلك معروفا لدى الاطفال ابان الصغر ، والطلب ، وأيام (( الكتاتيب )) .
فما ان نرى صبيا يتناول فاكهة حامضة أو غير ناضجة حتى نحكم عليه بالغباوة والبلادة وننظر اليه كأنما أتى شيئا ( ادا ) ! !
ولا ريب ان هذه الوصية . . قد تلقاها الصغار عن الكبار من الآباء والأمهات . وهو يدل على انهم كانوا أهل بصر بما دونه العلماء والأطباء من قبلهم . .
فهذا ابن مفلح يذكر فى كتابه ( الآداب الشرعية ) ان أكل الحامض يضر بالفهم والذهن ولم نعد نسمع ذلك أو مثله بين الصغار والأطفال ، رغم حاجتهم الى ( الفهم والذهن ) . . بما يكلفون به من دروس متعددة فى المدارس . . ولأن اغلب أوليائهم لم يعودوا يهتمون بهذه النصائح الثمينة .

