الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

شذرات الذهب

Share

- ٢١٦ - " بعد الستين "

وفيما عدا هذا - وذاك - فانما أراها هي ( الدنيا ) - تخضب بالدم! ( مكة المكرمة ) ١٩ صفر الخير سنة

١٣٨٤ ه )

- ٢١٧ - الى السبعين

مشيت الى " السبعين " قلبي أخضر

سليم ونفسى - بالمآسي تعذب

أحاول جهدى ان أكف ذوى الاذى

وأدفع بالحسنى!! ودمعي يسكب!

ويسطو على ، الجاهلون تطاولا

وأوسعهم " صفحا " - ولا اتعتب !

واحتمل الاقصى - ابتغاء وداده

وأخفض للادنى جناحى وأحدب

وما اكتحلت عيني سوى السهد ليلة

بكل ملم فيه يعيا " المهذب "!

وكم ضاقت الدنيا على برحبها

وصابرت ، والاهوال - حوالى تصخب !

صمدت لها والروح رهن قيودها

ومن دونها الجسم المحطم ينصب

تجردت من دعوى الغرور، - ولم أزل

اصارع آلامى - واطفو ، وأرسب!

وداريت حتى قيل : اني ( امع )!!

وأني - ( رجعي ) - وأني مذبذب!!

وما زادني " الايمان " - الا ( تبصرا )

ولا راضني الا ( اليقين ) المحجب

وأعلم ان الموت حق ، وانه

مصير بني حواء . . مهما تقبلوا !!

وان الذي لا يعلم الغيب غيره

"لطيف". ومهما شاء يمضى ، ونذهب

لذلك آثرت " الرضاء " لعلني

به " أحمد " العقبى - ولا اتغضب

وقد ظن هذا الناس مني استكانة

وما هو الا ( طيبة ) ، وتحبب

" وكم لظلام الليل عندى من يد

تخبر أن ( المانوية ) تكذب

به أنتحي عبر السماء ، وخالقي

وعيناى " بالزلفى " اليه تصوب

وفي الله ما القى ، ولله مرجعي

وفيه رجائى ما رهبت ، وارغب!!

مكة المكرهة فى ١٠ صفر الخير ٣٨٤ ه

- ٢١٨ - والخل - كالماء قال ابو العلاء في رائعته التى تكاد تكون من حجازيات الشريف الرضى : عفا الله عنهما :

والخل كالماء . . يبدى لى ضمائره

مع الصفاء ، ويخفيها مع الكدر

قلت : انه لوصف بديع رائع . . وهو يدعو الى اتخاذ الخل - واصطفائه . . واخلاص المودة له . . وعدم الاساءة اليه حتى لا يتكدر . . فيخفى ما كان يبديه . . أو يبدى ما كان يخفيه . . طردا وعكسا ونشرا ولفا . . والمهم ان كل اناء ناضح بما فيه . . فمن أراد أن يصفو له صاحبه أو صديقه . . فانه لمطالب بذلك قبله . . وفي أمثال العامة : ( زى ما يكون لك الخل كن له ) - وحذار ان يتحول الخل بالكسر الى الخل بالفتح . .!!

- ٢١٩ - ولا مؤثر نفسى على ذى قرابة

قال معن بن أوس :

لعمرك ما أهويت كفى لريبة

ولا حملتني نحو فاحشة رجلى

ولا قادنى سمعى ولا بصري لها

ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

وأعلم اني لم تصبني مصبية

من الدهر الا قد أصابت فتى مثلى

ولست بماش ما حييت بمنكر

من الامر ما يمشى الى مثله مثلى

ولا مؤثر نفسي على ذى قرابتى

وأوثر ضيفي - ما اقام - على أهلى

قلت : ما هو نصيب هذه الدرر الغالية وهذه الاخلاق الحسنى . . وهذا الكنز الادبى الثمين . . من الترسيخ . . والتثبيت فى اجيالنا الصاعدة ؟ وهم احوج ما يكونون اليها فى هذا العصر . . الذى اضطربت فيه الموازين . . وتشابهت القيم . . أو اشتبهت الا ان " الامانة " لتدعو كل مشفق وذي اشفاق على النشء العربى المبارك أن . . يلح . . بتكرار هذا التلقين . . بالإضافة إلى ما يجب ان يتمكن فى قلوبهم من آيات الله ومثانيه وأوامره ونواهيه . . فبهم وفيهم تحيا العروبة والعرب . .

- ٢٢٠ - لاسرف - ولا حمق

قال جؤبة بن النضر :

قالت ( طريفة ) ما تبقى دراهمنا

وما بنا سرف فيها ولا حمق

انا اذا اجتمعت يوما دراهمنا

ظلت الى طرق ( المعروف ) تستبق

ما يألف الدرهم الصياح صرتنا

لكن يمر عليها وهو منطلق

حتى يصير الى نذل يخلده

يكاد من صره اياه ينمزق !!!

قلت : لا ادرى ما قصد بقوله : الدرهم الصياح ؟؟ فما سمعناه قط ينطق ! وانما أراد أنه خلق أو ضرب للتعامل لا الاختزان وان لسان حاله يأبى ان يحتجز . . أو يحتجر . . والا كان سواء هو والحجر . .!! واكرم وافضل ما ينفق فيه طرق المعروف وقديما قالوا - لا خير في السرف . . ولا

سرف فى اسفير . . " ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون " . .

- ٢٢١ - ما هى الخشخشة قالوا : ان فلانا يتخشخش بين الناس . . . . او فيما لا يعنيه ! ! وما زالوا يقولون ذلك ويتداولونه حتى يومنا هذا . . وقديما قال علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس فى بائية مطولة له :

( تخشخش ) أبدان الحديد عليهم

كما خشخشت يبس الحصا وجنوب

والخشخشة لغة . . صوت الثوب الجديد إذا لبس و" ابدان " جمع بدن وهو الدرع من الزرد . . وقد ادركنا من فرط من آبائنا واجدادنا يلبسون ما يطلقون عليه " البدن " ولكنه " الشاية " بدون اكمام . . وكأنما يتحول زمن السلم الى ذلك . . وفى الحرب يكون من الزرد ؟!! . .

اذن كيف عادت الى مفهومها الاخير ؟ بمعنى التدخل . . او التطفل ؟!! الحق ان ما ورد فى بيت علقمة . . انما اصله " الشخشخة " لا (الخشخشة)!! وكلا استعمالهن جائز ومدلول الثانية بمعنى الدخول صحيح وفصيح . . فان من المنصوص عليه أن "خشر . . دخل" فلا حرج ولا افتئات . . واما الثانية فهى التى سميت بها " الشخشيخة "

- ٢٢٢ - البولتيكا كلمة كثيرا ما تتردد على اسماعنا فى محدثت القوم فى " بلادنا " منذ ميزنا الحياة وعرفناها!! يقولها المرء لأخيه او محدثه

وبالاخص إذا كانا من العامة : " يابويه . . لا تسوى لى بولتيكا " . . فما هى ؟! أما في مفهومنا المعتمد على القرائن . . فانها تعنى: ( لا تعمل لى . . احتيالا . . أو خداعا . . أو تهريجا . . أو فلسفة ) . وما كدت اعثر على أصل لها عربي أو عجمي ، واخيرا - وجدتها - مصادفة . . ففي بلاد يوغسلافيا - ( صربيا ) قديما . . صحيفة سياسية تصدر بهذا العنوان ذاته . . اذن هى لغة الغرب ومنها . . واستنتجت أن " البولتيكا " . . هى عبارة عن " السياسة " أو " الدبلوماسية " فهى تلتقى مع المعنى المقصود فى اللغة الدارجة العامية . . في اقوى مدلولاتها . .

وبهذا - نستطيع ان نعيد كل ما هو متداول من الكلمات المجهولة إلى لغاتها الاصلية . . أما كيف دخلت في هذه البلاد ومع من ؟ فالجواب على ذلك يسير جدا . . . . فقد كان ولا يزال فريق من المسلمين فى بلاد العرب يقدمون الى هنا للاقامة الدائمة او للحج والاعتمار . . او كموظفين فى العصر العثماني . . الطويل . . اذ كانت العرب احدى الاقاليم التركية . . ومن ثم كان استيطانها واستعمالها . . وحبذا لو امكن التعقيب لكل ما هو مثلها . . من الالفاظ والكلمات الدخيلة غير العربية!!

- ٢٢٣ -   الهم - والفراغ قرأت في مجلة ( العربى ) عدد ٥٦ - صفر ١٣٨٣ كلمة بعنوان : " نادى المهمومين " فى نيويورك . وهو لا يضم الا كل مهموم قلق ، كاره الحياة . . وقد همس لهم الكاتب بأن همهم الاكبر انما هو الفراغ ! وفقدان الدافع الى الحياة . . وإلى العمل - وانهم لو ابتلوا بشئ اسمه الفقر والتخلف كغيرهم من شعوب الارض زالت كل همومهم ولأقفلوا ناديهم . . ورب هم منع هموما كثيره .. " اه

قلت : حقا ، ان ( الشباب والفراغ والجدة ، مفسدة للمرء اى مفسدة )! غير ان هذا النادى الغريب لا يضم الشباب فقط .. ولعل اكثر اعضائه من الكهول والشيوخ ... وكلهم عاطل خامل هامل - قد جمع من المال والحطام ما اتاح له التفرغ للهموم ! وهنا تقوم البراهين على الحكمة الآلهية فى قوله تعالى : " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض " : وان العمران كله لا ينهض ولا يتطور الا بالحركة والعمل والتفكير والتدبير . . ورب فقير عامل هو اتم صحة واكمل عقلا وأبسط جسما ، واصفى نفسا ، واكرم خلقا من ( ثرى ) متبرم يقلقه الثراء . . ويحزنه الترف ! ويبلسه الشيطان . . وينغص عليه عيشه الفراغ ، وقديما قالت شاعرة العرب:

وأكل كسيرة فى كسر بيتي

أحب إلى من أكل الرغيف

ولبس عباءة ، وتقر عيني

أحب الى من لبس الشفوف

ومن تأمل فى خلق الله وأخلاقهم . . علم انه جل وعلا - جعل الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان . . وانه لم يخل فيها

انسان من الكدح والقرح ! وكما ولد يموت . . ثم يبعث . . وهناك . . ( الخلود ) . . فاما الجنة ، واما النار ذات الوقود . . والله نسأل ان يلهمنا الرشد ويعيننا على الخير . . ويحسن مآبنا اليه . . ( هو نعم المولى ونعم النصير ) .

- ٢٢٤ - ( الكلجة ) - و( الكلج ) إذا لم يستطع الاعجمي الافصاح والاعراب . . بالعربية - قالوا : انه ( كلجة )! وذلك مبالغة في وصفه بالعى او باللكنة..

ووجدت فى اللغة كلمة " الكلج " - وان ( الكلج ) هو ( الكريم الشجاع ) - فهل يتقبل ذلك الناس ؟! إذا وصف احدهم به . . او يغضب الموصوف به على ضوء او سواد ( الكلجة ) ؟

ما ابعد الفرق بين المعنيين ؟ وما اقرب الصلة بين اللفظين . . وبضدها تتميز الأشياء .

- ٢٢٥ - الصديق المداهن والعدو المشاحن من توصيات الامام الغزالي في تهذيب الانسان نفسه : " ان يستفيد معرفة عيوبه من ألسنة اعدائه "؟ وذلك لان عين السخط تبدى المساويا . كما قال الشاعر ولعل انتفاع الانسان بعد مشاحن اكثر من انتفاعه بصديق مداهن " .

قلت : ومن هنا نستطيع ان نفهم ما عناء الفاروق رضي الله عنه بقوله : " رحم الله امرأ عدى الى ، عيوبى " . وقول الشاعر العربى الحكيم :

عداتي لهم فضل على ومنة

فلا أبعد الرحمن عني الاعاديا

همو بحثوا زلتى فاجتنبتها

وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

وقد يغني عن كل ذلك - التبصر والرشد وهداية الله وتوفيقه وحسن النية والاستقامة والنصيحة والصلاح وهو ولى المتقين.

- ٢٢٦ - توارد الخواطر اطلعت اخيرا على قصيدة لموفق الدين الحديدي - وهو فيما اعتقد - من شعراء مكة في حدود عام ٧٧٦ ه جاء فيها قوله :

ماذا عسى مدحي ؟ وقد نزل الثنا

فيكم من الرحمن في " تنزيله " ؟!

فى ( هل اتاك ) و( هل اتى ) و( حديده )

حقا - و( غافره ) وفي ( تنزيله )

قلت : وتوقفت هنيهة وتذكرت اننى قلت هذا المعنى في احد ابيات قصيدة مطولة انشدتها بالمدينة المنورة عام ١٣٧٤ ه - بمناسبة افتتاح مشروع عمارة المسجد النبوى الشريف . . وهو :

ما عساني أقول - و ( المدح ) يتلى

بك فى ( نوره ) وفي ( فرقانه ) ؟!

وعرفت ان هذا ما يطلق عليه البلاغيون او البيانيون او البديعيون " توارد خواطر " . . وما كنت قرأت ذلك من قبل - ولكنه من البدهيات التى لا يضيق بها الخيال - وهو من الحقائق الناصعة ! وصلى الله وسلم على من ارسله رحمة للعالمين .

اشترك في نشرتنا البريدية