الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

شذرات الذهب

Share

من أفواه الرواة وما لم يدونه التاريخ المقتلة و "أم الدود "

عند ابواب مكة الجديدة - وعلى مسافة ٥ كيلو مترات ثم عشرة . . تقع محطتان فى طريق جدة تسمى احداهما " ام الدود " والأخرى " المقتلة " . . وما زلت اتعقب اسباب هذه التسمية . . غير المهضومة فعلمت من الرواة . . المسنين قصة لذلك لا ازال اشك فى صحتها حتى الآن . . الا انها غير مستحيلة الوقوع قالوا : ان مكة كانت قبل قرون عديدة . . لا تخلو من العصبية الشديدة وتنافس كبير بين ولاة الأمور واخوتهم وبني عمومتهم . . ولكل منهم شوكة كبيرة من القواد الذين هم من الزنوج . . المعروفين بالشجاعة والبسالة . . وهم محل اعتمادهم وثقتهم وتقديمهم وتكريمهم . . ولهم الامر والنهي في الشئون الحربية والدفاع . . والمخافر ، والقلاع . . وكان من امرهم ان احدهم وقد ارتقى عند سيده الى درجة ما بعدها الا هو !

وعلم أن سيده اصبح لا يستطيع ان يتصرف بدونه . . وتطلع الى ما لا يحلم به الا العظماء . . وحدثته نفسه ان يخطب اليه " ابنته " سليلة المجد والعفاف والشرف الباذخ فتقدم اليه بذلك - غير خجل ولا وجل - وكان " سيدنا " من الدهاء وبعد النظر بحيث خدعه . . وقال له : هذا ما كنت افكر فيه ولا افاتحك به حتى حانت الساعة . . وحلت البركة . . فيا بشرى لك . . غير انه من الضرورى ان نعد اسباب الزفاف . . ونحضر الرياش والفراش . . ولا يكون ذلك من بطن

مكة . . أو جدة . . ولكن من مصر والشام . . وغدا ان شاء الله استعد لتتسلم كذا وكذا من " الذهب الابريز . . وتتوجه الى الخارج وتحضر كل ذلك ! خلال شهر او شهرين ان شاء الله ، وحينئذ نقيم الافراح والليالي الملاح ! وتظفر بأمنيتك دون أى تنغيص الوعد ولم يدر انه " الوعيد " . .

وبعد ان غادر مجلس سيده . . الى قلعته . . او داره . . دعا سيدنا ابناءه وابناء عمومته وذوى الشهم والشهامة . . وانباهم بما حدث ! ! فصعقوا وأقسموا ان يشربوا من دمه . . وان يبادروه في الحال بذلك . . فاستمهلهم . . وقال : على هونكم " الامر مدرك " . . اذهبوا على الفور وجهزوا جيشا لا يقل عن خمسمائة مسلح . . واكمنوا له ولمن معه من مودعيه واتباعه . . وكلهم اهل صولة وجولة في الطريق . . أول الطريق . . واصلوهم نارا حامية ولا تبقوا مهم احدا . . " يؤدى الخبر " ! وهكذا كان فلموا شعثهم ووحدوا صفهم . . وكمنوا في جبال " المقتلة " - وما حولها - وفي الصباح الباكر اقبل القائد الكبير او العريس الموعود . . بجمع غفير من ابناء جلدته . . وذوى سلطته . . وهناك كانت الواقعة . . وسقط من الفريقين عدد كبير . . وقتل صاحب الشأن . . المشين ! ولذلك سميت هذه البقعة " المقتلة " . .

أما " ام الدود " فقالوا ان جئت القتلى تركت بالعراء . . وان الدود مشي عليها . . وبعد ان فرغ من نهشها وهضمها زحف الى " ام الدود " وظن أن بها مثل ما التهمه في اختها وخاب ظنه وبقي ثمة مدة طويلة ! ! " أ ه هكذا قالوا . . ولا اصدقه ولن اصدقه بحال . .

واعلل التسميتين بما هو اجدر بالصحة واليقين وهو ان الحجاج كانوا دائما عرضة " للعدوان " . .

وفي امكان كل مفكر ان يعيد هاتين التسميتين الى ذلك . . فان ما بين مكة وجدة والطائف والمدينة - كل الطرق منها واليها كانت مخوفة محفوفة بالمخاطر فلماذا لا يكون هذا هو السبب ؟ .

ويأتي في المرتبة الثانية ايضا اقتتال امراء مكة واتباعهم . . يوما بعد يوم واسبوعا بعد اسبوع وشهرا بعد شهر . . . على الحكم والولاية . . وطالما شهدت ذلك الصراع البطاح والشعاب حتى في بطن سويقة والشبيكة

والمهم من سرد هذه القصاة . . ضرورة تبديل هذين الاسمين بما يليق بمداخل مكة واول ما يقابل القادم الى بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وامنا " . وان يختار لكل منهما اسم مبشر مفرح . . جميل . . وما ذلك على أمانة العاصمة ، والمجلس البلدى الموقر بعزيز . . وقد من الله على الحرمين الشريفين بمن تحسدهما عليها كل ارض وكل امة تحت كل كوكب . . والحمد لله رب العالمين .

الشريف سرور امير مكة وذكاء والدته

كان هذا الامير من افذاذ الرجال سياسة وشجاعة وكرما . . الا ان والدته كانت من ( الأماء ) سوداء البشرة . . ومات ابوه " الامير " واجتمعوا فى " المثناة " بالطائف لانتخاب من يخلفه . . وكان المرشح الاول هو الشريف سرور . . غير ان له " اخوة " وبنى عم من البيض ذوى الخالات من " البطحاء " أو " الدهناء " . . وشعرت امه بما يحوك بصدورهم . . ( قالوا) : فاحتالت ووضعت دينارا ذهبياجديد الماعا ، فى منديل اسود وقذفت به من النافذة فى وسطهم وهم يأتمرون فتسابقوا اليه ووجدوا فى

باطنه الدينار . . فعلموا أنها تقول : ان اخاكم - جوهر خالص - ولكن غلافه فقط . . هو " الاسود " . . فبايعوه وهذه رواية سمعناها من أفواه المتقدمين والله اعلم

- ٢٢٩- (مكي يشكو الى الامير )

كان الشريف سرور فى الطائف ويقيم ( بالمثناة ) وحدث لاحد الاهالى بمكة ما اضطره الى الشكوى الى سيدنا - فتوجه الى الطائف لذلك . . وجاء مبكرا الى المثناة . . فوجد فى احد بساتينها حول دار الامير " عبدا " ذا ( مشالى) . . محتزما " بالحمودى " فى وسطه . . ويلبس ثوبا " محرودا " وفى يده " المسحاة " ! ! وهو يشق للماء جدولا الى الغروس بين الركبان . . فقال له : السلام عليكم : بالله يا ( دادى ) متى يجلس سيدنا ؟ . . فقال له ( والله يا ولد سيدى . . ما يجلس سيدنا الا الساعة ( ٣) .

فاذا رأيت الباب فتح والخيل والبغال صهلت وأقبلت . . والخدم والحشم و ( القواسة) . . تجمعوا . . فاقدم واستأذن واصعد اليه فى هذا " الروشن الكبير " . فشكره وانتظر فى احد سفوح الجبال ثمة - ( كطبقان العرابي ) وبعد ان اكتمل الحضور . . وتكاثر الجمهور . . عمل بنصيحته ! وصعد واستأذن وأذن له . . وما ان اقبل على سيدنا ورآه ، حتى غشى عليه ؟ ! لانه كان هو بذاته وكان قد تغير لباسه وظهر فى جلال الامارة والحكم والسلطان . . فاستدعاه وهمس فى أذنه أن لا لوم عليك انت ! انما اللوم على ( أبى رحمه الله) : فلا تبتئس ولا تنزعج . . وقل ما تشكو منه واخذ منه " عريضته " واكرمه وبالغ في ذلك ! . .

وهذه رواية استفاضت وسمعناها من كبار المعمرين . . والله اعلم . .

ورثة الميت وضريبة الشركات

سمعنا من المسنين - رحمهم الله - هذه القصة

قالوا : كان الشيخ العجيمي - رحمه الله من خيرة وكبار علماء مكة المكرمة من قبل القرن الحادى عشر الهجرى . وكانت حلقة درسه كبيرة . . ومع ذلك كان يتعهد المريض والغائب والمسافر منهم ويزورهم . . ويسأل عنهم . . وكذلك شأن بقية العلماء فى وقته مع طلابهم . وتلاميذهم . . واتفق ان غاب احد الطلبة عن الدرس ليلة . . فسأل عنه فقال زملاؤه لا تدرى سبب غيابه ؟ وفى اليوم التالي علم ان اياه كان مريضا جسدا وتوفاه الله فحضروا جنازته وعزوه . . فغاب ايضا اياما . . فذهب الشيخ وقال له : ما خطبك قال انه لم يكفني موت الوالد حتى جاءت المصيبة الاخرى معه . . او بعده قال كيف وما هي ؟ قال : جاءنا مأمور بيت المال يقول ان عليه جرد متروكاته . . وبيعها واخذ نصف قيمتها كما امر سيدنا " لسيدنا " وبقينا فى حيرة من امرنا وكل التركة لا يفي بضرورياتنا وبسداد ما علينا وعليه ! قال : اتقول جدا ؛ قال نعم قال : مكانك ولا تبرح . . ولا تسلم شيئا حتى أعود اليك وصعد الى داره واغتسل ! ! ولبس طيلسانه واصطحب معه تحت ابطه " بقشة . . مختومة وتوجه الى ( سيدنا ) وكانت البقشة تحتوى على " حنوط وكفن " . .

واقبل على الشريف فتلقاه بالترحيب والتكريم كعادته . .

فقال له الشيخ : جئتكم لامر هام جدا . . وهو ان " فلانا " توفى وخلف زوجة وولدا وبنتين و " سيدنا " !

فقاطعه الشريف : وسيدنا ؟ وماله يدخل مع الورثة . . قال : هكذا قال مأمور بيت المال . . وافترض اخذ نصف التركة لسيدنا . . وأنا الآن اراجعكم فى أن هذا الامر لا يمره الشرع الشريف ولا يرضى به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . . فان سمعت النصيحة فعد عن هذا او مر بالغائه والإ فانى سأصيح فى الناس بالجهاد . ما دام حامي الشريعة - ينقضها ويخالفها وهذا كفنى وحنوطى تحت ابطى - والقى الله وقد وفيت بعهدى وقمت بما امرني به

قالوا : فما كان من " سيدنا " جزاه الله خيرا الا أن بادر فى الحال بالغاء ذلك الامر . . واعادة ما سبق اخذه من قبل الى اهله . . وشكر الناصح . . وقبل النصيحة واذعن للحق . . ودحض الباطل . . ان الباطل كان زهوقا .

( سيدنا ) و ( جليسه ) وشيخ الاغاوات

تتردد هذه الحكاية من أفواه الرواة . . وهي انه كان منذ اكثر من قرن بمكة رجل ذو مكانة ووقار . . ومن بيت معروف بالفضل والكرم واليسار وكان شيخا من مشايخ الجاوي . . وله ادب ومشاركة في النوادر والفكاهات . . ويحضر مجلس سيدنا في كل ليلة للمسامرة !

وفي احد الاعوام ضاقت به الاحوال ولم يرد موسم مناسب يسدد به ديونه ويقضي حوائجه . . فانقطع عن عادته في المجلس . . ولم يتعهده . سيدنا " بالسؤال عن انقطاعه . . شهرا . .

واقبل شهر رمضان - وتكاليفه عادة مضاعفة ويحتاج إلى " كساوى " لاهله واولاده وخدمه ولا شئ لديه من الدراهم ! . . و " الحاجة أم الاختراع " كما يقولون . . ففكر وقدر . . وهدته الحيلة إلى طريقة يحل بها مشكلته ويزيل بها ازمته فانطلق الى " المنشية " او سوق الفاكهة . . وسال عن أحدث وافضل الفواكه الجديدة الواردة من الداخل ومن الخارج . . فوجد عميله على قدم الاستعداد لتقديم كل ما يريد " نصبة - او سلفا "

فقال له : اسمع احضر الآن اربعة معاشر ممتازة واملا فيها عشرة صحون من الكبار المذهبة ، ابعث بها اليك الآن . . وضع خير ما لديك فيها . . وغطها - " بالغطابوش " . . وهي من صفر مرغول بالفضة ومزركش ، وائتني بها إلى البيت حالا . . وكان ذلك فى ليلة ٢٩ رمضان . . وتوجه الى داره ووافته

المعاشر . . فاستدعي اربعة من رجاله واصدقائه . . والبسهم الصمائد والعقل المذهبة . . والمشالح الجميلة . . وكان قد استعار لهم ذلك ايضا . . من بعض معارفه . . وحملهم المعاشر الاربعة . . وقال لهم : اذهبوا بها حالا الى دار صاحب السعادة " شيخ الاغاوات ، . . في وقار واحترام . . وقدموها اليه بأنها مرسلة إلى سعادته من " دولتلو سيادتلو سيدنا وسيد الجميع ، هدية وتذكارا واكراما واختصاصا واكبارا . . وكان لشيخ الاغوات مكانة ممتازة فى ذلك العهد - " ادركنا بقاياها في آخر عهود الاتراك بمكة " . وذلك لصلته المباشرة بأغوات القصر السلطاني في الاستاناة . .

وما ان وصلوا بالمعاشر الى دار الشيخ حتى بادر خدمه وعبيده باخباره " برسل سيدنا وهداياه " !

فنزل من أعلى الدار الى ديوان الاستقبال وهو لا يكاد يصدق ذلك . . او انه في حلم . . وأحسن وفادة القادمين وما شك انهم رسل سيدنا بما كانوا يرتدونه من " الصمائد الشوربان " ! والجنابي المذهبة . . والمشالح . . المهذبة . . وأجاز كل واحد منهم

بخمسمائة ريال فرانسة مبالغة في التقدير للمرسل المهدى وعظمته وعطفه !

وعادوا الى عمهم وهم يحملون الصرر ذات الالفين . . من الريالات " الفرنسية " . . وكانت ذات قيمة شرائية عظيمة بحيث يمكن ان يشترى بها داران وأكثر ! فاخذها منهم . . واعطى كل واحد منهم ما تيسر . . وحاسب صاحب الفواكه ومالك المعاشر . . وخرج الى سويقة واشترى حاجات أهله واولاده . . من الاكسية " للعيد السعيد " ثم قضى كل ما يلزم من اللحوم والخضراوات والحلوى والجبن والزيتون و " الدبيازة " و " الكنافة " والماء ورد . . ( لاجل المرش !) . .

وبعد ان رجع وكانت الساعة الرابعة ليلا او الخامسة . . اخذ مكانه من سرير نومه و ( راحت السكرة . . وجاءت الفكرة)؟ ! وقدر ان شيخ الإغاوات سيذهب فى الصباح الى سيدنا ليقدم اليه شكره العميق ودعاءه الصالح . . فماذا يكون الموقف حينئذ ؟ ونهض على الفور من فراشه ولبس ارديته وتجمل . . وتوجه فى الحال إلى دار سيدنا . . وصعد وما كان يمنعه احد من الحجاب لانه معروف الشخصية وانه من خواص مخدومهم . . ودخل وسلم . . واستغرب ( سيدنا ) من انقطاعه الطويل وحضوره غير المنتظر . . وسال منه عن سبب ذلك ؟

فقال له : - يا سيدنا . . كان من امرى كيت وكيت . . وقد شغل سيدنا عن خادمه ولم يفتكره ولا تفقده او تعهده . . واخيرا فعلت وفعلت ! وكان كذا وكذا . . ولقد خفت ان يقدم الشيخ شكره لسيدنا واقع في مكروه وعتاب او عقاب شديدين ! فاطرق الشريف مليا . . ثم قال له : حق لك نسيناه . . وعلينا اللائمة فيما فرطنا فيه . . وان كل ما فعلته قد أجزناه . . واذا جاءني شاكرا تقبلت ذلك منه وكافاته بما يناسب مادة ومعنى . . اما انت فلك العتب ترضى ولك ما وصلك منه ومثله معه منا وأمر له بالفي ريال فرانسة اخرى ! ولم يخرج الا وهي امامه . . وكان عيده مباركا سعيدا لم يسبق له مثيل من قبل .

واقبل الشيخ . . ( شيخ الاغوات ) في موكبه ( يوم العيد) . . وعلى عربته ومع خدمه . . وصعد درج القصر قفزا مبادرا الى تقبيل يدى سيدنا الذي اثره بهديه . . ورتل آيات الشكر والبقاء والدعاء . . وما كان من ( سيد الجميع ) الا انه قال له : هذا قليل في حقك يا شيخ . . واعد له كسوة ممتازة ولمن كان في معيته من حاشيته وبذل له هن بشاشته واكراه وعطفه بما لا عهد له به ! وهكذا خرج مسرورا محبورا . . والله اعلم .

و ( الدين النصيحة) - فلا يصح ان تكرر الحادثة . . فما كل مرة تسلم الجرة ! ؟

- ٢٣٢ - شتائم المركاز

كان من عوائد كبار اهل المحلة او الحارة من الفحول . . ومن يشار اليهم بالبنان . . انهم بعد أداء الصلوات - المغرب والعشاء - يعقدون جلساتهم - ويواصنون سهراتهم فى ( المراكيز) ! اى على كراسى القهوة . . كل فى محلته وعلى الواجهة . . او فى ( المقافى) ! . . واخذ احدهم . يشتم الشريف عبد الله بن محمد بن عون ويقذع . ويتمادى فى ذلك . . وسمعه احدهم انصاره فرفع الى مسامعه ما يتحدث به ذلك الرجل . . فقال الشريف ( اى سيدنا : ) لا بأس دعه والله حسيبه ! - وفى اليوم التالي استدعاه الى حضرته . . وجاء الرجل وهو لا يشك أنه سيعذب ويسجن ويضرب . وكاد المريب ان يقول : خذوني - فأقبل مصفر اللون ممتقع الوجه . . مرتعش الاوصال . . وعندما قرب من الشريف . . قبل يده وخضع وخنع . . وربت سيدنا على كتفه . . وقال له : مرحبا بك . . انني عاتب عليك . . وانت من اهل حارتنا وتعد من جيراننا ولا نراك ولا تزورنا لا لا ! هذا منك جفاء . . لا بد من ان نراك دائما . .

وعندما قال له ذلك . . اعتذر وأبدى أسفه على التقصير . . وعزاه الى الهيبة والمقام . . وقبل ان يغادر مكانه كان الشريف قد احضر له صرة . . مختومة . . وفيها ( لكامية ) قد لا تقل عن ( المائة) . . من الريالات . . وكل ريال كان يومئذ . . يعادل جنيها ونصف وربع وثمن الجنيه في قيمته الشرائية . . فقبضها وخرج بها وهو طائر من الفرح . . داعيا شاكرا حامدا !

وحان موعد السمر . . وكان ( الرقيب سميعا بصيرا ) واخذ القوم فى الحديث . . فابتدرهم المجاز . . على الحقيقة لا المجاز ؟ ! بقوله : يا جماعة " أيش أقل لكم ؟ البارح شفت فى النوم رؤيا عجيبة ! رأيت النبى صلى الله عليه وسلم ينهانى عن شتم الشريف . . ويوصينى بالاخلاص له والثناء عليه . . وانه خير الحكام وانه لا يرضى من كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ان يتعرض له بسوء فى القول والعمل . وها آنذا اشهدكم اننى لن اتحدث عنه الا بكل خير اطال الله عمره . . وايده ونصره وحفظه وتولاه . . و ( تعروى ) له . . فى كل كبير وصغير . . وو . . ودهش السامرون من هذا . . الذى انعكس من القدح الى المدح . . ومن الردح الى الموادعة . . وصدقوا ( الرؤيا )

وجاء الرقيب الى سيدنا . . فسأله ! ألا يزال صاحبك يسب ويشتم ؟ . . فأخبره بما سمع ورأى ، فقال له . . على كل حال قد قطعنا لسانه وكسبنا امتنانه والانسان عبد الاحسان ، ويدرك باللطف ما لا يدرك بالعنف والله جل وعلا يقول لنبيه الكريم : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) . . والله اعلم .

-٢٣٣- ابن الوزير في ( المطاف )

حكى أن ابنا لوزير كبير لاحد امراء مكة القدامى كان في صباه - ( نائعا مائعا . . . . وزير نساء . . ) ولا يزال يتزين فى لباسه ويتأنق فى مظهره ، فسراويله من الشلش وثوبه من ( الدرابزون ) وصمادته من ( السليمى) . . والجور فى عينيه من كحل الحجر والاثمد . . وريح العود ينفح من اعطافه واذا مشى تأود كغصن البان . . وترنح كالسكران واذا نطق كالكواعب واذا نظر فكالارانب .

وبلغ به الترف والعياقة وسوء الادب . و ( قلة الدين) . . ان يتبختر فى ( المطاف ) . . ويحدق فى الطائفات من ذوات الصون والدين والعفاف وربما تكلم بلحظه . . وأوما بكفه . . وزاحم بكتفه ورآه أهل المروءة من خدام المسجد الحرام الامناء والاغاوات الكرام . . فنصحوه فزجرهم . . معتمدا على نفوذ أبيه ومكانته ! وضاقوا به ذرعا وابلغوا عنه ( شيخهم ) الكبير وكان ذا مكانة عالية وسلطة نافذة وحينئذ قال لهم : دعوه وسأحضر مساء اليوم عصرا . . واصلى المغرب واتحقق بنفسي ما رميتموه به . . وحضر فعلا وثبت لديه بالمشهدة والعيان صدق ما قالوه . فقال لانصاره وخدمه وعبيده ورهطه هاتوه وطرحه أرضا . . وشواه عجنا وعضا . . وطولا وعرضا . . وترك فى بدنه آثارا لا تمحى من الضرب المبرح . وقام ينفض عنه أردان الموت . . ولا يكاد ينجو منه واشتفي بذلك غليل الصالحين من عباد الله وأحاطوا بالشيخ يشكرون له ما صنع

ويدعون له بالجزاء الحسن . . وذهب ( المضروب ) الى ابيه يشكو ما وقع فيه . . واخذه بيده الى ( بيت سيدنا) . . وأراه ما به من آثار الجلد والرض . . ودمه لا يزال يسيل ! فاستدعى ( شيخ الاغوات ) فى الحال والغضب آخذ منه كل مأخذ . . ورغم كل ما كان للشيخ من اعتبار فقد عزم على الانتقام منه بكل ما يستطيع من تحقير وتوبيخ و " تصبيخ " ! واقبل الشيخ وفاتحه الامير - بكثير من الغضب والحنق بما حصل منه وان هذا لا يصح ان يكون ولا يرضى به ولاهو من صلاحيته . . وبعد ان افرغ كل ما فى نفسه من هجوم واحتجاج . . والشيخ صامت لا يجيب . . قال : تكلم ما هذا الذى تجرأت عليه مع وجودى ! قالوا ( فتحرك الشيخ من مجلسه ووقف . . وقال : يا سيدنا ان هذا الدين الذى يدين به كل مؤمن وكل مسلم انما جاءنا وآمنا به وفديناه بأرواحنا عن طريق جدكم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه . . ونحن انما اقامنا السلطان خدما لبيت الله الحرام لنحفظ حماه من كل معكر . . وفي حدود المطاف لا غير . . وقد تكرر من هذا " الوغد " . . ما لا يصبر عليه غيور ولا يفضى عنه الا فاجر كفور . . ولم نبدأه بالشر . . ولا بالزج . . ونصحناه مرارا . . أن يتقي الله ويخشاه فى هذا المكان المقدس التى تطأطأ فيه جباه الملوك والعظماء . . وترقب الله وترجو رحمته وتخشى عذابه . . فلم يزدجر . . واعتمد على سلطة ابيه . . واستهتر بنا وبالدين وبالادب والاخلاق . . ورأيت كل من فى المسجد حانقا عليه يكاد يبطش به . . ويقضى على حياته . . فأدبته وأذقته ما لو كان على يدكم وبغيرتكم على المروءة والشهامة التى هى " فضيلتكم "

لكان فى " خبر كان " واخواتها وان من حقنا على سيدنا ان يشجعنا على ما قمنا به لانه من توصياتكم . . واخص صفاتكم . . وما بعدكم من يزعم انه اغير منكم على الحرمات ولكم ان تصنعوا بعد ذلك ما شئتم والله مع المتقين . .

فما كان من سيدنا الا ان صافحه شاكرا . . وأيده شيخا . . واكبره مسلما . .

وصرفه مكرما . . وطرد الاب وابنه . . من داره . . ومنعه من زيارته او جواره ، وتوعده بما لا يخطر بباله من التأديب ان هو عاد إلى فعلاته المنكرة . . والله اعلم

- ٢٣٤ - الشريف عون الرفيق و " باجو " . .

كان على ( باجو) - وهو رجل قبورى بمكة دين لاحد الناس . . ولم يوفه به وماطله كثيرا . . فشكاه الى امير مكة الشريف عون الرفيق . . فاستدعاه وسأله لماذا لم يؤد لصاحبه حقه ؟ فقال : يا سيدى ( الحال واقف) . . وربنا يفرجها . . وان شاء الله الموسم مقبل واملنا في الله كبير . . ! فقال له : وما هو عملك انت حتى ترجو الفرج فى الموسم ؟ فقال : انني " قبورى " ! ! فقال : اتريد ان يكون فرج الله لك ( بلاء ) فى خلقه . . و ( شوطة فى حجاجه) . . خذوه الى السجن فاستدار ليؤخذ وهو يتمتم فقال : اعيدوه بماذا انت " تبربر " وماذا تقول ؟ قال : لا شئ . . انما كنت أقول : لا رحم الله الحجاج . . قال لماذا ؟ قال : لانه لم يستأصلكم جميعا . . فلا نقع فى هذا ٦٦

الظلم . . فقهقه طويلا وقال : اطلقوه . . اطلقوه . .

هذا ما سمعناه والعهدة على الراوي

- ٢٣٥ - تكذيب أو تصديق ؟

أخبرنى احد المعمرين . . انه عند ما توفي - امير مكة المكرمة - وكان محبوبا من الاهالى . . وكثيرالاتصال بخاصتهم وعامتهم المرحوم الشريف عبد الله بن محمد بن عون - امير مكة المكرمة - وكان محبوبا من الاهالى . . وكثير الاتصال بخاصتهم وعامتهم . . ولا يضن عليهم ببره وصلاته . وتعهده وزياراته . . حزن لذلك الجميع . . ورثاه شعراء وقته . . ومنهم شاعر قال من قصيدته : " ان ابن عون هذا لم يدفن فى لحده وحده . . بل دفن معه الكرم والجود . . ( ايضا) . . قال الراوى :

وكان في المجلس المرحوم - ( الشريف الحسين بن على ) ابن أخي المتوفى الذى كان اميرا لمكة من عام ١٣٢٦ ه الى عام ١٣٣٤ ه ثم اعلن الثورة على الاتراك فى عام ١٣٣٤ وصار ملكا للحجاز الى عام ١٣٤٣ . . واستمع الى الشاعر وهو يردد بيته هذا ؟ فتبرم به ومنه وأزعجه أن يموت الكرم والجود مع عمه . . أى فلا يظن أحد بعده ان من أهله أو ذوى قرابته من يسد فراغه فزجره . . وقال :

لا - لا - لا . . لا تقل هذا ؟ . وكان الشاعر صاحب بديهة حاضرة . . فقال : بشرك الله بالخير . . يا طويل العمر . . وما عليك الا ان تكذبني في الحال . . وأنا اغيره . . على الفور ايضا . . او تصدقني وتشاغل عنه على مضض ! وكذلك سمعناها من المتقدمين والله اعلم بالمهتدين

اشترك في نشرتنا البريدية