- ٧٤٨ - دعابة . . مرتجلة
كان الباعث على هذه الدعابة الانتظار .. بعض الوقت لمقابلة احد المسؤولين الكبار - وكان بدوره مشتغلا مع آخرين . . فبعث اليه بهذين البيتين . . وما ان قرأهما حتى وافاه بالذات معتذرا واكرم وفادته :
بين الترقب - والاشواق - ( منزلة ) لا الجسم يحملها - ثقلا - ولا الروح فان اذنتم ظفرنا ان نواجهكم أولا ؟ ! فقولوا لنا من فضلكم " روحوا " (١ )
- ٧٤٩ - " الدوار " ليس هو بالدوجة - ولا بالدوخة
غلب استعمال الناس كلمة " الدوخة -. والدوجة " . . كلما أصيب احدهم - بالدوار . . بتشديد الدال وضمها . . والواو . . وما هما منه من قبيل اودبير ! فان ( داج ) لغة . . خدم . . و ) داخل ( ذل وخضع . . وفيها أو منها - دوخ الوجع رأسه اذا اداره ، فهذه أقرب للصواب من الاولى . . وهذا الذى
يطلق عليه ( الدوار ) يشاركه فى لفظه فقط . . ( دوار ) الباعة المتجولين . . لاستدارته . . وكانت له قاعدة تسمى ( البنيكة ) بفتح الباء وفتح النون وتشديدها بعدها ياء ساكنة فكاف فتاء مربوطة - تصنع من أعواد النخل - كالقفصان . . ويحملها البائع الجوال . . خلف ظهره بيسراه .. كما يمسك الدوار على رأسه بيمناه . . وقد أدركنا اكثر المتسببين فى المدن لا يتخذون الحوانيت والدكاكين . . وخاصة منهم باعة الفواكه . . فهم يدورون فى كل محلة ومنطقة . . فان لم يفرغوا او . . يجبروا . . بمعنى الانتهاء من تصريف البضاعة . . أوقدوا فوق الدوار ما كان يسمى بالمشعل ذى اللسان الملتهب للاضاءة . . ويكتظ بهم وبباعة " الشريك والخبز " كل من شارع المسعى قديما . . والسوق الصغير .. وسوق المعلاة . . وكانما الدخان من مشاعلهم . . ( ندخ البواخر ) . . او مداخن المصانع!!
- ٧٥٠ - جبر الخاطر
ورد ذكر الانعام - والخيل - فى " الكتاب العزيز " . وكان من جملة - الدواب - البغال والحمير . . (لتركبوها وزينة ) . . وافاض الشعراء من جاهليين واسلاميين فى اوصاف الخيل . . وشياتها وغررها وحجولها . .
وارقالها . . وخببها واغارتها . . بمالا مزيد عليه ! الا " الاعيار " . . فانما تقترن مع الاعنات - بالصغار ، وما يزيد الراضى عن الحمر ولا الساخط عليه . . فى تسميته وتكرمته على ( انه الحمار ) ! والحق ان لها ماضيا وحاضرا ، فى المشاق والاسفار . . وطالما قضيت بها شتى الاوطار ! و ( دفن الاعياد) بها اليفعة والصغار وبعض الكبار ! وقد قرأت بيتين لعدى بن الرقاع . وكان شاعرا أمويا . . ومبرزا . . يصف بهما فعل سنابك ( الحمارين) اذا عدوا . .
يتعاوران من الغبار ملاءة
غبراء - محكمة هما نسجاها
تطوى اذا علوا مكانا ناشزا ،
واذا السنابك اسهلت نشراها
قلت : انه جبر بذلك خاطر هذا الحيوان المظلوم ووصفه بما تحسده عليه الصواهل وهو مكظوم وأحسب عديا . . كان به بارا وعليه يغدو ويروح!!
- ٧٥١ - شوف " الدحة " وشوف الطير !
ما رسخ فى أذهاننا منذ نشأنا ونطقنا وسمعنا ووعينا مثل هذه الكلمة . . يخادع بها الطفل . . وهو بين الثانية والرابعة . . ( الدحة ) بتشديد الحاء . . فما هى لغة ؟ انها فى الاصل " الداح " . . وهو " نقش يلوح به للصبيان . . يعللون به !! "
قلت : ويضم اليها كلمة اخرى . . ما قرأتها فى كتاب قط ، ولكنها كانت وما تزال دارجة . . وللاطفال ايضا . . وهي انه
اذا شرب الماء . . وشرق به . . تفاجؤه امه بقولها - وهى ترفع يدها الى السقف : ( شوف الطير . . شوف الطير ) وتشغله عن ( شرقته )بذلك فتزول فأذن الله . . وهى انما توجه ذهنه اليه . . ليتحرك حلقومه الى فوق . . ولهذه الكلمة او الجملة مزية ثالثة . . يستعملها (المزين ) او ( الحلاق ) اذا تولى ختان الصغير . . ليصرفه عن النظر الى ما هو بسببه ! وما من احد من المواطنين الكرام فى المدن . . او القرى . . الا مرت به هذه التجربة ، أما البوادى فلا ادرى ما اصطلحوا عليه في ذلك كله . .
و " الشوف " بمعنى النظر . . فقد جاء عنه : " شافه شوفا : صقله وجلاه " . . فهو ابلغ من مجرد الرؤية . . وامكن منها وامعن !!
- ٧٥٢ - حرم الكلام
نقولها ام العيال او " ست البيت " . . اذ تجادلت مع القرين وقاطعها . . ومانعها . . او لم يصغ اليها . . أو انكر عليها ما قالت : وأسخطها فاجأته بقولها فى انزعاج ( حرم الكلام ) معاك . . وتنطقها - وهى ومن على شاكلتها . . من الاناث والرجال
وهي بكسر الحاء والراء . . وصحتها فتح الحاء وكسر الراء . . وهذا " التحريم " عرفا لا شرعا ! ولذلك اصل قديم ، قال المعذل بن غيلان فى العصر العباسى الأول يخاطب عيسى بن جعفر ابن المنصور :
قد قلت اذ هتف الامير
يا ايها القمر المنير
" حرم الكلام " فلم أجب
واجاب دعوتك الضمير
قلت : أرأيتم كيف القي بها الفلك الدوار
. . منذ اكثر من ألف ومائتين من السنين . . الى ان استعملها فى عصرنا عشرات الملايين ؟ ! وقد تكون سابقة في التداول لعصر هذا الشاعر ، ولولا ذلك ما تسنى له ان يدرجها فيما يحب ان لا يجهله السامع او القارىء اذا وقف على أبياته .
- ٧٥٣ - الدكاترة زكى مبارك والخليلان
أطلق الادباء . . على الدكتور - زكي مبارك - عفا الله عنه او هو أطلق على نفسه لقب (الدكاترة )..لتعدد ما ناله من جوائز " الدكتورية " من عدة مجامع أو جامعات شرقية أو غربية . وكان معاصروه يتندرون بذلك عليه . . أو يتندر هو عليهم!!
وقرأت في الاغاني ما يشبه ذلك تقريبا . . ولو من بعض الوجوه . . فهذا ( خليل ) بن عمرو المكى مولى بنى عامر بن لؤى ، كان معلما ويطلق عليه ( الخليلان ) وذلك انه كان يؤدب الصبيان . . ويعلم الجوارى الغناء فى موضع واحد ! ! قال الراوى ( محمد بن حسن ) فحدثني من حضره قال : كنت يوما عنده وهو يردد على صبى يقرأ بين يديه " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم " . . ثم يلتفت الى صبية يردد عليها :
اعتاد هذا القلب بلباله
أن قربت للبين أجماله !
فضحكت ضحكا مفرطا . . لما فعله ، فالتفت الى ، فقال : ويلك ما لك ؟ فقلت : ضحكى مما تفعل ، والله ما سبقك الى هذا أحد ، ثم قلت : انظر اى شىء اخذت على الصبى من القرآن ؟ واى شىء تلقى على
الصبية ؟ والله انى لأظنك ممن يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ! فقال : أرجو ان لا أكون كذلك ان شاء الله .
قلت : فلو جمع ( الخليلان ) حرفة او صنعة ثالثة لنعتوه . . ( بالاخلاء ) . . تماما كما نعت ( الدكاترة ) ! و " كم في الزوايا من خبايا " .
- ٧٥٤ - أنت أبخص
يتداول هذه الكلمة : ( ابخص ) عرب الجزيرة فى نجد . . وانتشر استعمالها في الحواضر والبوادى كلها مع الامتزاج . . والازدواج . . فهل هى عربية فصيحة ؟
وأقول : نعم - انها لصحيحة - وهي تعنى لغة ، التحديق بالنظر . . لقد وجدت ان " تبخص . . بتشديد الخاء تؤدى هذا المدلول . أما في الاصطلاح . . فهى تعنى : أبصر . . وأفطن . . وأرشد . . وأهدى الى التوفيق . . فيما دق وجل . . واعتقد ان طول الاستعمال أحلها منزلة أعلى تتجاوز البصر الى البصيرة . . وقد تمكنت جذورها فى الاعماق ، ولا سبيل الى ابدالها أو تبديلها الا بما ترضى به الاجيال الصاعدة وتستظرفه الاذواق ! ! وهيهات هيهات التقيد بعد الانطلاق
- ٧٥٥ - البشكة " لغة
منذ عقلنا فى الحياة واشتركنا فيها . . نسمع " بالبشكة " . . ونفهم انها عمليا انما تعنى ( الجماعة) المؤتلفة . . يلمها السمر . . وتضمها القيلات والليلات . . والاصائل والامسيات ! !. . وما كان لنا
اهتمام بالوقوف على أصلها وفرعها . . وقرأت فى اللغة هذا النص : " بشك بشكا " : أسرع . الخبر اختلقه ، الثوب خاطه خياطة متباعدة ، فى عمله : ساء ، ( وبشك) كذب الكلام : ارتجله واختلقه و ( البشاك ) الكذاب . اه
قلت : وحاولت التوفيق بين كل هذه المعاني . . وبين البنشكة او البشاك . . فى اصطلاحنا . . فما وجدت لواحدة منها صلة بها الا أن يكون فى الاسراع الى الاجتماع !! آه فى جمعها من لم يكن منها احيانا او فى ما هو من لوازمها تنادرا وتفكها . . ولهوا . . ولغوا . . وتوقفت . . لانني اتذكر ان فى اللغة التركية كلمة كنت اسمعها فى الصغر وهى تقول ( بوبشكة - بوبشكة ) اى هذا شئ وذاك شئ اخر ، فعلى من عرف أو علم أن يريحنا من هذا الاستشكال صيانة وأمانة للتاريخ المدال ورحم الله البشاك . . والشياكة والمشبك والشباك .
- ٧٥٦ - ما هى " بدنق " ولكنها " دنخ " !
" قال ابو عمرو . . وغزا ابو خراش ) فهما ) فاصاب منهم عجوزا . . وأتى بها منزل قومه - فدفعها الى شيخ منهم ، وقال : احتفظ بها حتى آتيك ، وانطلق لحاجته . . فأدخلها ) بيتا ( وأغلق عليها ، وانطلق ! ! فجاء أبو خراش وقد ذهبت فقال :
سدت عليه - (دولجا ) ثم يمممت
(واحسب صحته : وتيممت). . بني فالج ( بالليث ) أهل الخزائم
وقالت له : ( دنخ ) مكانك انثى سألقاك - ان وافيت أهل المواسم
والدولج . . هو بيت صغير يكون للبهم ! قلت : ودنخ . . الرجل . . ودمخ اذا أكب على وجهه ويديه كما فسره فى الاغاني . وأغلب الظن انها هى التى يعبر عنها أهل زماننا بقولهم ( دنق ) . . فلعلها انما تحولت . . وحرفت . . مع الأيام ، ومع الاعجام . وهناك أحد العاب الصبيان يطلق عليه : ( دن أو دن وأركب ! ) وما هى الا دنخ . . ما دام تفسيرها هذا الذى رويناه من مصادره الموثوقة!!
- ٧٥٧ - الكلمات المظلومة والألفاظ المكلومة
نعم - انها لجديرة بالانصاف فقد حملت فى الزمن الاخير ما لا يدلها فيه من المعانى . . فهذه الكلمة التى كانت فى الذروة من اللغة . . وهي ( العلق ) . . فانها ما ان ينعت بها أحد الآن حتى يلجأ الى اقذع الشتائم يرد بها على من جعله ( علقا ) ! وما كانت الا الشىء النفيس ! ثم طرأ عليها التلبيس والتدنيس ، والأخرى وهى ) (العرص ) فما كانت فى اللغة الا وصفا للرجل ( الفرح ، المرح الطروب ) ! فآل بها التطور الى الحضيض الذليل . . وتفاداها كل ذى حياء ! لمدلولها الدخيل ! ! وأخيرا اقترنت ( البجاحة ) ( بالقباحة ) ! او ( الوقاحة ) ! وما كانت تعنى فى اللغة الا الفرح . . فان تجاوزته فالى الافتخار والتعاظم والتباهى . . وما يستطيع المرء أن يجابه بها أحدا الآن حتى يكيل له الصاع صاعين ! لمجرد مفهومها الطارىء ، المقترن بالمساوىء ، ولعل لذلك
امثالا شتى . وما احاول الا الاشارة إلى ماضيها وحاضرها فما لعثرتها من مقيل!! وقديما قال الشاعر :
قد قيل ما قيل ان صدقا وان كذبا
فما اعتذارك من قول اذا قيلا ؟
- ٧٥٨ - فتى الكهول
كان عمر بن الخطاب يحب عبد الله ابن عباس رضي الله عنهم ، ويدنيه ويشاوره مع أجلة الصحابة ، وكان عمر يقول : ابن عباس فتى الكهول له لسان قؤول وقلب عقول ، وروى عن ابن مسعود انه قال : نعم ترجمان القرآن - لو ادرك أسناننا ما عاشره منا رجل . . اه
قلت : وهكذا يحمل الحق والتقدير ابن مسعود ان يقول كلمة الحق فى شاب ، يعتبر من أبنائه ، بحيث قدر أنه لو أدرك أسنانهم ( منا عاشره منهم رجل .) لا بظاهر معنى اللفظ وانما بباطنه . . أى ما استطاع أحد أن يباريه فى ذكائه وعلمه وحفظه وسعة مداركه وهو من قال عنه ( عطاء ) : " كان ناس يأتون ابن عباس فى الشعر والانساب ، وناس يأتون لايام الحرب ووقائعها ، وناس يأتون للعلم والفقه ، ما منهم صنف الا يقبل عليهم بما شاءوا " ! ! فطوبى للشباب المهتدين الهادين الذين أنار الله بصائرهم ، وانما المرء بأصغريه : قلبه ولسانه ، وفي الاسلام والمسلمين خاصة وفى عصرنا هذا يضاف الى ذلك : ( وبعقيدته وايمانه ) . . والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم
- ٧٥٩ - ثالثة الأثافى النشا والنيل -
وما أقصد بهما الا ما تبيض به الثياب بعد الغسيل . . سواء أكان ذلك صرفا - أم ممزوجا - وتذكرتهما عندما قرأت بيتين لأبى نصر القشيرى المتوفى سنة ٥١٤ ه حيث قال فى ولده ( فضل الله ) :
كم حسرة لى فى الحشا
من ولدى حين نشا ؟ !
كنا نشا - فلاحه
فما نشا - كما نشا!!
قلت : ولو أن هذا النشا المستعمل فى عصرنا هذا كان معروفا فى عهد ابى الفضل او أبى نصر . . لاضافة الى شعره ! ولزاد عليه ( النيل ) ايضا ، ولعزز " بيتيه بثالث " واظنه ينسجم معهما ، وفى معناهما : وهو :
ما كان الا " نيلة " (١)
يا ليته كان " نشا "
وأثابه الله على ما ابتلى به من نقص في ولده الفضل وانك " لا تهدى من احببت "
-٧٦٠- ابن مكنسة
كان شاعرا فكها - وعاش فى أواخر
القرن الخامس وأوائل السادس وقد كبر سنه فقال :
عشت خمسين - بل تزيد - رقيعا كما ترى !
احسب المقل - بندقا - وكذا الملح سكر
قد كبر ، بر ببر بيرت وعقلي الى ورا ! !
عجبا ! كيف كل شئ أراه - تغيرا
لا أرى البيض صار يؤكل الا مقشرا !!
واذا دق بالحجار (زجاج ) . . تكسرا
قلت : والابداع هنا هو فى تمثيله للرعشة ولشخصيته " للشيخوخة " حين يخرج الكلام . . مقطعا . . مقترا . . فى قوله ) قد كبر ببر الخ ) ولم نعدم بحمد الله فى زماننا هكذا من ملك ناصية البيان ( فى بلادنا ) فيسخر به إذا سلك سبيل المجد ، ويعجز به إذا سابق فى ميادين الهزل والجد ! ! وما أوردت هذه الابيات الا ترفيها عن القراء واجماما والتماسا للتفريج . . ولو لماما ! ! ( هذا وهو فى الخمسين ، ولما يبلغ الثمانين ) !
-٧٦١- حتى يجئ أبوكم
قال عبد الملك بن سلع : " قلت لعبدخير ابن يزيد الهدانى : يا أبا عمار ، لقد كبرت ، فكم أتى عليك ؟ قال : عشرون ومائة سنة ! قلت : فهل تذكر من أمر الجاهلية شيئا ؟ قال : نعم ، أذكر أن أمي طبخت قدرا لها ، فقلت : أطعمينا . . فقالت : حتى يجئ أبوكم ! ! فجاء أبي ، فقال : أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن لحوم الميتة . . فذكر له أنها كانت لحم ميتة . . فأكفأناها " اه
قلت : فلينظر اخي القارىء الكريم - كيف ان نفس الجملة . . ( ما عدا الهمزة )
تقولها الام لأولادها بعد الظهر أو المغرب حتى يجئ أبوكم . . تصبرهم عن الطعام الى أن يحضر . . وقد يطول غيابه . . ويشق ذلك على الصغار . . خصوصا إذا كانت اوقات الدوام . . محدودة بما يزيد على دواعي الطعام ، ولا بد من التجاوز عن ذلك فى بعض الايام ، والا وقع ما لا يحتسب من الاختلاس او الالتهام ، تماما كما يحدث فى أصول الصيام ، ولا سيما بعد أن الزمت المدارس الاطفال والتلاميذ بالبكور والفطور مع انتفاضة الطيور
- ٧٦٢ - علة المجتمع الأولى
عن عون بن عبدالله بن عقبة قال : كنت أجالس الاغنياء ، فكنت من أكثر الناس هما - وأكثرهم غما أرى مركبا خيرا من مركبي وثوبا خيرا من ثوبى فاهتم ، فجالست الفقراء فاسترحت " اه
قلت : انها لحكمة بالغة . . وعظة نافعة وهي فى الواقع سبب جميع المشاكل التى تنشب او تتعقد بين المرء ونفسه ! ! وبينه وبين أهله وأولاده وبناته . . فمن أراد أن يستريح كهذا ( العون ) فعليه بما أراحه . . ان استطاع . . ولن يستطيع ذلك الا من هيأ نفسه للسفر الى دار المقامة ، وثبت الله قلبه على ما يطمئن اليه من فضله وعفوه
وكرمه واحسانه ، . .
واقول : كان هذا قبل أن تتضاعف المغريات " وتخدع المظاهر ، وتفتن المحدثات . . فكيف والدنيا تبهر وتقهر ؟ وتهزأ وتسخر ؟ " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب "
-٧٦٣- أصل " الغربلة " !
كثيرا ما نسمع من اخواننا أهل نجد - بارك الله فيهم - بعض الكلمات التى لم نتداولها - وقد نجهل مدلولها أو أصولها وهى فى الواقع ذات جذور عربية ومن ذلك قولهم لمن فعل ما يغضب : " الله يغربلك " ومع انها واضحة من حيث المعنى اللغوى والاصطلاحى ايضا . . الا اننى ظفرت بهذا النص الذى يثبت قدم استعمالها : فقد ورد فى الحديث الشريف عن شريح قال : قال عمر بن الخطاب : قال صلى الله عليه وسلم : " ستغربلون حتى تصيروا فى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخربت أماناتهم " فقال قائل : فكيف بنا يا رسول الله ؟ قال : تعملون بما تعرفون ، وتتركون ما تنكرون ، وتقولون ( أحد - أحد )انصرنا على من ظلمنا : واكفنا من بغانا " . اه
قلت : فهذا . . ما لا جدال فيه من الدليل على صحة الاستعمال . . وكفانا الله الغربلة . . وما وراءها عند أهل الحرفة من المنخل والمرجف ، وما قبلهما الهروال!! والى الله المرجع والمآل .
- ٧٦٤ - "الشهداء" و " مقبرة المهاجرين " بمكة
لا أدرى على جهة الدقة وبالنص لماذا
سميت هذه المنطقة فى وادى الزاهر بمكة بالشهداء . . الا تقديرا أو تخمينا ان ذلك انما كان فى السنة التى نضبت فيها المعركة بين الهادى العباسى - والحسين بن على -في القرن الثاني الهجرى ، وقتل فيها عدد كبير من أهل البيت وانصارهم . . يومئذ . . فدفنوا ثمة . . وما تزال المقابر قائمة بها حتى اليوم .
واهتديت اخيرا الى خبر أورده ابن عبد البر ، في الاستيعاب عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما . . قال : قال ابو عمر : مات عبدالله بن عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين لا يختلفون فى ذلك بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر او نحوها . . وقيل لستة أشهر ، وكان أوصى أن يدفن فى الحل فلم يقدر على ذلك من اجل الحجاج ! ! ودفن " بذى طوى " فى " مقبرة المهاجرين " . اه
قلت : وكنت احسب مقبرة المهاجرين التى كانت الى ما قبل خمسين عاما بجرول فى الموقع المسمى بالشيخ محمود !!وذلك لانها اقرب الى ذى طوى من الزاهر والشهداء . . وبهذا النص . أميل الى ان مقابر الشهداء هى مقبرة المهاجرين . . بسبب واضح وهى أن التواتر عبر القرون الطويلة مجمع على ان أبن عمرو مدفون بها . والله أعلم .
- ٧٦٥ - يا واد . . انت ما تسمع الكلام
كلما رأى الوالد فى ولده " الصغير - طبعا " . . اعراضا عن نصحه أو اهمالا لأمره قال له : يا واد انت ما تسمع الكلام ؟ ووجدت الغزالى - اهتم بذلك وقدمه فى وصيته للولد وآدابه مع الوالدين : قال : " آداب الولد مع والديه ، يسمع كلامهما ويقوم لقيامهما - ويمتثل لامرهما ، ويلبى دعوتهما ، ويخفض لهما جناح الذل من
الرحمة ، ولا يبرمهما بالالحاح ، ولا يمن عليهما بالبر لهما ولا بالقيام بامرهما ، ولأ ينظر اليهما شذرا - ولا يعصى لهما أمرا " .
قلت : وأحسبه أوجز في ذلك لانه لم يذكر ما وصى به غيره بأن يمشى الولد وراء ابيه نهارا . . أما فى الليل . . فمن الأدب أن يكون سيرة مقدما أمامه. . وذلك لكى يكون سابرا للدرب وقاية له ان يقع فى حفرة . . او يصاب بعثرة ! !- الا أن تكون الشوارع والازقة . . ذات أضواء كهربية . . لا يخشى معها التدهور . . او السقوط . . ونحمد الله تعالى ان هذه الوصايا كلها ومعها أمثالها مرعية كل الرعاية من كثير من البنين وفي هذه السنين خاصة فقد زاد التهذيب . . وانعدم التشريب ، وما أسعد البادين.. واتعس العاقين ، وكل امرئ بما اكتسب رهين .
- ٧٦٦ - لا تلبلب!
يعنى القوم " باللبلبة " كثرة الكلام والالحاح فى موضوع واحد ، وأكثر ما يستعمله قائله يكون على سبيل الانكار!! فما أصل هذه الكلمة . . عند الاقدمين ؟
قرأت فى كلام الامام الغزالي رحمه الله فى عرضه لأهل زمانه قوله : فلما رأيت من أصناف الخلق من ضعف ايمانهم الى هذا الحد بهذه الاسباب . . ورأيت نفسى ( ملبة ) بكشف هذه الشبهة . . الخ . . قال الشارح : " ملبة ، متجهة " .
؛ بذلك يختلف معناها المتداول حديثا . . عما كان في استعمال الأولين وفى اللغة : " لبلبت المرأة بولدها - رقت له وحنت عليه . . والشاة بولدها بعد الوضع لحسته بشفتيها وتعطفت عليه . . و (لبلب ) القوم تفرقوا . . وكل ذلك لا يعنى المفهوم الجديد
أو المحدث لهذه " اللبلبة " ! ! فهى انما تمثل مداومة الكلام وترديده فى عصرنا هذا وانى لها أن تعود الى ماضيها المنسلخ : ولو لبلب به ( الملبلبون ) وصاح به ( الملبون ) ؟
- ٧٦٧ - ولا قلتم . . ولا قلنا
قال البهاء زهير - وكان قد ولد بمكة المكرمة - ونشأ بمصر - :
من اليوم تعارفنا
ونطوى ما جرى منا
ولا كان - ولا صا
ر ، ولا قلتم ولا قلنا
وان كان ولا بد
من العتب فبالحسني!!
قلت : وما تزال نفس الكلمات تتردد فى أوساطنا حتى اليوم . . وان كان لى من تعليق عليها . . فهو : لماذا القال والقيل . . و ( طولة اللسان ) وسوء التأويل ، ما دمنا نؤمن بأن كلام المرء من عمله . . وأن " من يعمل مثقال ذرة خيرا يره . . ومن بعمل مثقال ذرة شرا يره " ؟ ٠ .
وقديما قال الشاعر :
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتأم ما جرح اللسان
- ٧٦٨ - وادى " الأراك
قال البحترى :
ذاك (وادى الاراك ) فاحبس قليلا
مقصرا من صبابة - أو مطيلا
قف ، مشوقا ، أو مسعدا ، أو حزينا
أو معينا ، أو عذرا - أو عذولا
قلت : أما وادى الاراك فهو بنعمان . . وما حوله من الفجاج . . وأما التمييز بين المواقف الستة . . فخير منها جميعا
و " الموقف " قريب منه في ) عرفات ) الاستغفار . . والحمد والنسبيح . . إذا اكتظ بالحجاج ! ! و " التلبية والتكبير " . . دون أى جدال أو فسوق أو لجاج ! ونسأله جل وعلا الهداية والوقاية والتبصير الى ما فيه النجاة من الغرق بين شتى الامواج انا نعم المولى ونعم النصير
-٧٦٩- هيا - بلا تهاويل !
تتردد هذه الجملة . . بين الناس رجالا ونساء فى عهدنا هذا . . كلما سمعوا متحدثا بما يزعجهم . . قالوا له : هيا . . اى اقصر . . بلا تهاويل . . أى لا حاجة لنا الى حديثك هذا المفزع المروع !
وما كانت ( التهاويل ) - لغة - الا الالوان المختلفة من الاحمر والاصفر والأخضر . . وهى زينة التصاوير والنقوش والحلى " وأين هذا من ذاك ؟ ٠٠
والحق ان القصد . . هو الهول والتهويل . . أى التكبير للهول ويعنى المخيف . . وفى الاستطاعة احتمال المعنى المتداول تجاوزا أو تجوزا . . لتشابه الالفاظ . . ويتميز كل معنى بقرينته ! ومن امثال العامة . . " ولا تكبر الصغيرة " !
-٧٧٠- البلسن - والبلس هما : التين والعدس -
قال ابو العلاء المعرى :
يقنعني بلسن يمارس لى
فان أنتني حلاوة فبلس
فليس ما اخترت أن اروح من
يسار قارون ) عفة و فلس )؟
قلت :فكم من مائة مليون عربى يستطيع أن يفهم ان البلسن هو العدس ، وان البلس
هو التين ؟ ١) الا من رحمه الله ، فرجع اليهما فى مهجور القواميس ! وبعد ذلك - هل كان القائل الفيلسوف القانع أو الزاهد . . يصر على رأيه هذا لولا ضغط ظروفه الخاصة ، وعجزه عن معاناة التكسب ، وما فطر عليه من تشاؤم ، ومضض و رمض . فما خلق الله الانسان الا ليكدح ، ولا يبقى الا الاصلح .
-٧٧١- حالات الزمان
كنت قبل اعوام فى زيارة لكبير رواد الأدب الوزير النبي الشيخ محمد سرور الصبان بداره العامرة بجدة . . فنظرت الى لوح مكتوب بخط جميل . . مرفوع على جدار الحائط فاذا فيه بيت من شعر ابى الطيب المتنبى :
حالات الزمان عليك شتى
وحالك واحد فى كل حال
فقلت :سبحان الله . لابد لهذا البيت من تقديم . . او مقدمة ، وقلت فورا :
أرى الدنيا تقلب فى أناس
وتغتنيهم بجاه ، او بمال
( وحالات الزمان عليك شتى
وحالك واحد فى كل حال )
وغلب على ظني ان الهدف المقصود يتحقق بهذه الاضافة ، ولعل له فى قافيته أو أو قصيدته . . غير هذا المدلول ! الا انني لم ارجع اليها فى ديوانه حتى الساعة ! ( الفضل للمتقدم ) . .
