- ٧٨٤ - ما هى " الباكورة " قديما وحديثا ؟
قال ابو بكر محمد بن حسن الزبيدى ٣١٦-٣٧٩ - قبيل نيف وألف سنة فى كتابه : ( لحن العوام ) بسند متصل الى ابن المسيب عن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا أوتى بالباكورة دفعها الى أصغر من حضر من الولدان . . وهو وارد فى جامع الترمذى
قلت : وقد تطور معنى الباكورة . . حتى اشترك فيه هذا الخيزران الذى كان مما يضرب به الصبيان . . وشتان بين الاولى وهى من كل فاكهة زوجان وبين الاخرى وهى مما تترنح به الابدان . . وهنيئا لناشئة اليوم حصانتها من ( القرمعات ) و ( الفلكات ) ! فما كانت تقتصر على البواكير . . وانما عرفناها وهى من الشوحط والعرعر كالسواطير . . وقد أصبحت من جملة الحكايات والاساطير ، ولا
٧٨٥ - ما هى السكاكة ( بضم السين )
" ومما أورده الزبيدى فى لحن العوام قوله : ويقولون : بلغ فلان ( السكيكا ) - والصواب السكاكة . . وقال الكسائى : السكاك والسكاكة الهواء بين السماء والأرض ! يقال ، لا أفعل ذلك ولو نزوت فى السكاكة " . .
قلت : وهنا يتوارد مع هذا المعنى قول المعاصرين : لا افعل كذا ولو طلعت السماء ونزلت الارض . . فذلك عين ما يدل عليه مصطلح الاقدمين . قبل الف عام . .
شمال بلادنا ( سكاكة ) انما سميت بذلك لاصطفاق الرياح بها . . والله اعلم .
- ٧٨٦ - ما هى " الشعراء ؟ "
قال الزبيدى أيضا . . ويقولون للارض الموات التى تنبت ضربا من العيدان " شعراء " بفتح الشين . . والصواب ان الشعراء الشجر الكثير ، عن الاصمعى وقال يعقوب : أرض كثيرة الشعارى اى كثيرة الشجر ، قال ابو عمرو : وبالموصل جبل يقال له ( شعران ) لكثرة شجره " . .
قلت وبهذا استعدنا ايضا علة التسمية فيما يطلق عليه اسم ( الشعراء ) . . بقلب ديار نجد ، فهذا سرها ! وقلما نفهم ذلك من قبل ، وفوق كل ذى علم عليم .
- ٧٨٧ - ما هى " القرطسة " ؟
" وقال : ويقولون هو ( يقرطس ) فى كذا أى يفكر فيه ويحاول علمه . . و ( القرطسة ) انما هى الاصابة ، واصله من القرطاس الذى يجعل غرضا للرماة . "
قلت : ومن هذا نشأ قول بعضهم فى زماننا . . جادلت فلانا او خاصمته فقرطسته فى مكانه . . فكانما هو يزعم انه أصابه فى محزه او مفصله ! وبذلك نجد المتداول بين الناس في كلامهم لا يعدم صلة بالعصور الطويلة الغابرة . . والحقيفة بنت البحث !
- ٧٨٨ - ما هى " القرفة " ؟
وقال : ويقولون - اى العوام - لبعض قشور الشجر : ( قرفا ) بكسر القاف وصوابها ( قرفة ) وجمعها قرف والقرف القشر . .
قلت : فهذه البهارة التى ينبل بها الطعام فى المطابخ يوميا . . ما هى الا من لحاء شجر ذى خواص هاضمة . . وكان من يقول لصاحبه : ( كرهت قرفتك ) انما يعنى ظاهره . . لا باطنه فهى من أروع المقادح كابن الهرمة .
- ٧٨٩ - المحارة
كانت وسائل المواصلات قديما : المحمل والهودج والمحنة ، والتخت والشقدف والشبرية . . والمحارة وهى ما يصلح لركوب النساء خاصة . . وقد ادركناها قبل خمسين سنة فى مواسم الحج القادمة برا . . .
وقد قرأت للصلاح الصفدى فى ( المحارة ) هذين البيتين اللطيفين ، قال :
رأيت فى الركب وجه خود
جوهرة رائق النضارة
من اجل ذا محمل المطايا
تعرفه الناس ( بالمحارة )
وذلك ان الدرة الثمينة . . انما تستخرج مما يسمى بالمحارة . . اى الصدفة . . وهكذا كان الشعراء القدامى لا يدعون معنى طريفا . . الا اقتنصوه . . عفا الله عنا وعنهم !
- ٧٩٠ - هل العثمانيون - حجازيون ؟
جاء فى كتاب "درر الفوائد المنظمة فى أخبار الحج وطريق مكة المكرمة " تأليف عبد القادر بن محمد الانصارى الجزيرى الذى ألفه سنة ٩٦٠ هـ وهو المولود عام ٨٨٠ هـ وقد احتوى كتابه الاحداث التاريخية الى سنة ٦٧٦ هـ ما نصه فى صفحة ( ٣٦٢ ) قال : " نقل المقريزى فى تاريخه ( جواهر العقود الفريدة فى تراجم الأعيان المفيدة ) فقال : يقال : ان اصل بنى عثمان من الحجاز . وان عثمان الأول قدم من المدينة النبوية الى بلاد قرمان ونزل قونية قارا من غلاء كان بالحجاز والشام . واتصل ببنى قرمان وبأتباع بالسلطان علاء الدين كيقبادين كيخسرو فى أعوام بضع وخمسين وستمائة ، وتزيى بزى أهل قونية ، وصار يخرج مع السرايا الى بلاد " الروم ويغزوهم ويغنم منهم فولد له بقونية سليمان بن عثمان فسلك طريق ابيه فى الغزو مع السلجوقية والقرمانية وعرف بينهم وظهرت له فروسيته ففتح عدة حصون وولد له عثمان بن سليمان فعظم شأنه وصارت له أتباع كثيرة . فخرج عن طاعة السلجوقية والقرمانية . وافتتح مدينة " بورصة "فى حدود الثلاثين والسبعمائة . واستوطنها وافتتح ما يليها من الحصون والبلاد واتسعت أحواله وكثرت أمواله ومات عن ابنه " اودن على بن عثمان " فاربى على أبيه وفتح الله على يديه عامة الحصون والبلاد التى تلى خليج " قسطنطينية " الخ . . اه .
قلت : وقد علق فى ذلك شارحه بقوله : " هذا السرد التاريخى مخالف للمعروف فى تاريخ تأسيس دولة آل عثمان " ١ . هـ وغرابة هذا النبأ . . اوردته . . معزوا
الى " القزوينى " . . ولعل ذلك كان وسيلة للعراقة والاصالة والإنتساب الى أشرف البقاع كما هو الشأن حتى فى عصرنا الحديث . . عندما الحق نسب احد الملوك الى البيت النبوى الشريف . . ومهما يكن فان الطرافة فى غرابته وحكايته لمجرد العلم به فيما اختبأ بين أحشاء التاريخ . والله اعلم .
- ٧٩١ - ( حنين ) الاخرى
ظفرت أثناء قراءتى فى كتاب ( درر الفوائد المنظمة ) بهذه الفائدة قال : " وبدر من المناهل الحجازية ، وحنين أمامها ، وليست المرادة في الآية " اهـ .
قلت : ولم أستبعد أن يسمى موضع آخر غير ( حنين ) المعروفة بنفس الاسم فقد تكرر ذلك - حتى ألف فيه القدامى - ( ما اتفق اسما . . واختلف صقعا ) وانما الذى يهم أهل جيلنا اليوم انما هو التعرف على ذلك . وعسى أن يسعفنا العلامة صاحب المنهل . . والحريص على تدوين الآثار . . بايضاح ما اذا كانت ( حنين ) هذه الاخرى ، ما تزال تدعى بهذا الاسم حتى الآن ؟ ! ( ١ ) وانها أمام ( بدر ) فعلا ؟ ! واذا صح ذلك . . فانه لذو مغزى كبير . . فهو من باب بالتذكير بالموقعتين معا اذ تقابلا مكانا . . وتلاقيا جهادا فى سبيل الله . . وان أهل بدر المعاصرين لابد انهم بذلك عارفون . . وبه خبيرون . . والعلم بالشئ خير من الجهل به . . والله ولي التوفيق
- ٧٩٢ - المنحنى وجبل العميان
قال الجزيرى الانصارى في درره ، وكان يتكلم عن حجه في سنة ٩٣٨ هـ : " وكانت الاقامة في تلك السنة بجبل ( المنحنى ) بالقرب منه عشرين درجة وسار فقطع ( جبل العميان ) سمي بذلك لكثرة من يحضر اليه من فقراء مكة وبدوانها - وغالبهم من العميان للسؤال من الحاج وطلب الصدقة . وجرت عادتهم ان كل فرقة تشعل عندها نارا ويجلسون . جماعة صغارا وكبارا . ولكل حلقة شخص يترجم بكلام معناه الحث على الصدقة والاحسان الى العميان ، والباقون يصيحون بلسان واحد بعد كلامه : ( يا الله ) هذا دأبهم في كل سنة " اهـ .
قلت : وهذه سالفة عجيبة . . وما كنا نعرف خلف المنحنى - وحتى اليوم الا ( درب المسكين ) . . فلعله هو . . بعد ان ابصروا وكانوا عميانا واغلب الظن انهم انما اختاروا هذا الطريق منفردا لئلا يزحمهم اهل الركائب . . فانه يمر على عقاب وهضاب لا يستطيع سلوكها الا المشاة . . وينتهى بهم الى الجبل الايمن المقابل لجمرة العقبة الكبرى ويمتد الى ما وراء مسجد الخيف . . وقد عمرت سفوحه بالدور والاحواش والعارات الحديثة . . وربما اعتلته الى قمته تدريجيا !!
- ٧٩٣ - المرقق والصناب
اشترى جرير جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد يعرف بابن النجار
ففركته وكرهت خشونة عيشه ! فقال : تكلفنى معيشة آل زيد ومن لى ( بالمرقق ) والصناب وقالت : لا تضم كضم زيد ! وما ضمى ؟ وليس معي شبابى ؟ !
قلت : والشاهد من بيتين - قوله ( المرقق ) . . فاكاد احسبه طعاما تقليديا تحور او تحول اسمه الى ما يطلق عليه في زماننا هذا ( المرقوق ) . . أما الصناب فقال الشراح انه صبغ يتخذ من الخردل يضرب بالزبيب يؤتدم به فيلون الخبز ويصبه فيشهى به الطعام .
وفي هذا الشعر موعظة وتوجيه بأن يختار المرء قرينته من سنه وبيئته وطبقته حتى لا تنكر عليه طعامه ومعيشته . . وضعفه وهزاله وتفركه فركا !
- ٧٩٤ - كلمة انصاف
قال ابن سلام في كتابه : (طبقات فحول الشعراء ) : وشهدت خلفا ، فقيل له : من أشعر الناس ؟ فقال : ما ينتهى هذا الى واحد يجتمع عليه كما لا يجتمع على أشجع الناس ، وأخطب الناس ، وأجمل الناس ، قلت : فأيهم أعجب اليك يا أبا محرز ؟ قال : الأعشى . قال : أظنه . قال : كان أجمعهم " اهـ
قلت : انها لكلمة انصاف صادرة من ناقد خبير ! فقد يكون أحدهم أجود وابلغ في بيت - واسبق الى معنى لم يطرقه قبله سواه ! او في قصيدة كاملة ، أما أن يكون على الاطلاق وحيد دهره فيما اثر عنه أو اتيح له من المعانى النادرة فان الحكم له لو عليه . .
انما يكون بالمقارنة بين ما ابدع فيه وما هو في مستواه ولفظه ومعناه ! بل وفي زمنه الذى عاش فيه ومع لداته واقرانه من معاصريه وكل ما قيل . عن الأفضل انما هو من قبيل الاستحسان والتغليب بالجملة . . وكم ترك الأول للآخر .
- ٧٩٥ - ارث زهير من بشامة
" كان بشامة بن العذير كثير المسال ، وكان ممن فقأ عين بعير في الجاهلية ! وكان الرجل اذا ملك ألف بعير فقأ عين فحلها . . وكان قد اقعد ! فلما حضرته الوفاة لم يكن له ولد فقسم ماله بين اخوته ، واخيه وأقاربه ، فقال زهير بن أبى سلمى - وهو ابن أخته : ماذا قسمت لى يا خالاه ؟ فقال : افضل ذلك كله ! قال : ما هو ؟ قال : شعرى ، فيزعم من زعم أن زهيرا جاءه الشعر من قبل بشامة! " اهـ
قلت : وهكذا فضل بشامة ما ترك لابن اخته زهير من الشعر على كل ما ورثه اقاربه وابناء عمومته من الأموال . . والضياع والأنعام . . والأغنام . . الا ان في النفس حاجة من هذا التوريث فهل هو ممكن ؟ ! ما أراه ان صح الا انه من جهة الخؤولة والدم . . ولا دخل للارادة فيه ولا للهبة ! وما أحسب غير زهير بقانع بمثل هذه القسمة بعده البتة ! ويغلب على الظن انه اخذ بهذا الدفع من حيث لا يسعه أن يشارك الورثة في الذهب والفضة !
- ٧٩٦ - الصاقعة هى الصاعقة
كثيرا ما تردد فتيات البيوت وعجائزها كلمة ( صاقعة ) ويعنين بها الصاعقة . .
وكنت أنكر عليهن ذلك وأصححه . فينفرن من هذه العجرفة . . اللغوية ! ومصادفة وجدتهن على حق فيما درجت عليه ألسنتهن خلفا عن سلف . فهذا الصلتان العبدى يقول من عينية خالدة :
يناشدنى النصر الفرزدق بعدما
الحت عليه من جرير صواقع
قال الشارح : الصواقع جمع صاقعة . . وهى الصاعقة . وهذه لغة تميم ، ويتبع هذا البيت آخر وهو :
جرير اشد الشاعرين شكيمة ولكن علته الباذخات الفوارع
وعلى ذلك . . فلا ينبغى التعجل في النقد حتى يتثبت الناقد ! ! فما تلقى الناس مصطلحاتهم الا عن أصول عريقة . . وعصور سحيقة ، واذا توافرت المنادح . . فلا سبيل الى المقادح
- ٧٩٧٠
" بقى " أعمل لك ايه
تتردد كلمة ( بقى ) بفتح القاف - بمعنى بقى بكسرها في اللهجة المصرية . . ووجدتها فى الشعر الجاهلى : قال المستوغر بن ربيعة ابن كعب بن سعد زيد مناة بن تميم وبقى بقاء طويلا :
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وازددت من عدد السنين مئينا
مئة أتت من بعدها مئتان لى
وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما ( بقى ) الا كما قد فاتنا
يوم يكر ، وليلة تحدونا ( ١ )
قال ابن سلام الجمحى : ( بقا ) : يريد بقى - وفنا : يريد فنى وهما لغتان لطئ . .
اذن هى فصيحة صحيحة لا غبار عليها وليست محرفة . . . ومن توارد الخواطر قول لبيد :
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
والشطر الاول كله للمستوغر نصا وفصا !
- ٧٩٨ - الصباح والمساء - لغة وشعرا
عن ابن عمر رضى الله عنهما : اذا امسيت فلا تنتظر الصباح - واذا اصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . . رواه البخارى
وفسر الصباح والمساء العلامة ابن علان المكى المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ فى " دليل الفالحين " ( الصباح ) لغة : " من نصف الليل الى الزوال ، ومنه الى نصف الليل ( المساء ) كما نقله السيوطى عن الجمهرة لابن دريد وقال انها فائدة عزيزة النقل ، اما شرعا فان الصباح من طلوع الفجر الى طلوع الشمس . .
قلت : حملنى عل اراد ذلك استعمال الاذاعة للتوقيت الزوالى ولها بهذا النص سند قوى فى اللغة الا انه لكى يرسخ فى الاذهان لا بد من اقترانه - بما هو قديم الاستعمال - ( الغروبى ) - وهو ما تفعله الاذاعة مشكورة ، وكذلك الحال فى
جميع تقاوى السنة فلا بد من بيان التوقيتين معا لازالة كل استشكال . . وعلى الله الاتكال .
- ٧٩٩ - ما هما " الاخشبان " وأين يقعان ؟
جاء فى الحديث الشريف عن جبريل وما قاله للنبى صلى الله عليه وسلم بعد ان لقى من قومه ما امضه وارمضه ( يوم العقبة ) ! وهو ( بقرن الثعالب ) - أى قرن المنازل - المعروف بين الطائف ومكة . .
قال صلى الله عليه وسلم : " فرفعت رأسى واذا آثار سحابة قد أظلتنى فاذا فيها جبريل صلى الله عليه وسلم فنادانى فقال : قد سمع الله قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث اليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فنادانى ملك الجبال فسلم على ثم قال : يا محمد ان الله قد سمع قول قومك لك وانا ملك الجبال وقد بعثنى ربك اليك ليأمرنى بأمرك فيم شئت ، ان شئت اطبقت عليهم ( الاخشبين ) . . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : بل ارجو ان يخرج الله من اصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا . .
قال النووى : الاخشبان الجبلان المحيطان بمكة والاخشب هو الجبل الغليط ، وفى النهاية : " الاخشبان هما الجبلان المطبقان بمكة " ( ابو قبيس ) والاحمر . . وهو جبل مشرف وجهه على ( قعيقعان ) . .
ويغلط كثير من المتأخرين فيظنون أن ( الاخشبين ) هما " المازمان " ما بين عرفة والمزدلفة . . وشتان ما بينهما !
- ٨٠٠ - كل مما يليك
ورد فى الحديث النبوى الشريف عن عمرو بن ابى سلمة رضى الله عنهما قال : كنت غلاما فى حجر رسول الله صل الله عليه وسلم وكانت يدى تطيش فى الصحفة فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا غلام سم الله تعالى ، وكل بيمينك وكل مما يليك ) . . متفق عليه .
قلت سبحان الله ، لقد نشأنا وهذه هى وصاية الامهات والجدات والعمات والخلات للاطفال . . كلما طاشت ايديهم في الصحاف او الصحون . . او القصاع . . . وربما شددن فى ذلك . . تهذيبا وتاديبا للاطفال . . وما احسبهن تمسكن بذلك الا اتباعا لأدب السنة وتلقيا من اهل العلم وقد كان منهم فضليات النساء ومن تجيز علماء الآفاق فى رواية الحديث . . وهن اكثر من ان يحصرن ! فهذا بعض ما اخذته عنهن ربات البيوت ! وعسى ان يجعل الله من خلفهن من يقفو اثرهن . . فما من خير الاوصى به من أرسله الله رحمة للعالمين . . وقد انكرتا كثيرا مما كان معروفا وليس أقله .
ان الغلام الصغير لا يدعو اخاه الاكبر منه ١ لابيا سيدى . . ولا الاخت الصغرى اختها الكبرى الا " بيا استيتى " ولم يبق من ذلك عين ولا اثر الا فيمن تجاوز الخمسين من ابناء آدم وحواء . . فهل الى مرد من سبيل ؟ !
وانى لعظيم الغبطة ببرنامج التلفزيون ( نور وهداية ) وما يبنه فيه العلامة الجليل الشيخ على الطنطاوى من التبصر بأمور
الدين وآداب الشريعة واحكامها بما تتنور به جميع الاوساط فى الجامع والدور وربات الحجال والخذور ، أحسن الله مثوبته وأمده بروح من عنده وهو فراغ عظيم ملأه فضيلته بما اؤتى من قوة بيانية وعلم واسع واسلوب أخاذ وحكمة وبصيرة وحسن تأثير
- ٨٠١ - عشر وعشرون وثلاثون !
عن عمران بن الحصين رضى الله عنهما قال : جاء رجل الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ثم جلس ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " عشر " ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد عليه فجلس فقال : " عشرون " ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه فجلس ، فقال : ثلاثون . . والمقصود بذلك عشر حسنات كتبت للأول وعشرون للثانى وثلاثون للثالث . . لان الحسنة يجزى صاحبها بعشر امثالها .
قلت : الا ليتنا نتوخى ذلك فى التسليم على من نسلم عليهم جماعة أو افرادا ، فما ايسره على من تحراه ، وما فيه من تكليف يمنع منه . . الا الحرمان من ثوابه ، وقد وجدنا بعضهم فى عصرنا هذا ربما اكتفى بالاشارة بيده . . او قال : صباح الخير . . او مساء الخير . . او حتى ( سعيدة ) و ( بخيئة ) اختصارا ، وعدم اكتراث بما هو الافضل والاكمل ، والله الهادى الى سواء السبيل .
- ٨٠٢ أنا . . أنا
عن جابر رضى الله عنه قال : أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فدفعت الباب فقال من ذا ؟ فقلت : أنا ، فقال : ( انا . . . انا ) كأنه كرهها . . متفق عليه
قلت : وكثيرا ما يصعد اليك خادمك فيقول ان عمر - او عبدالله - أو زيدا أو خالدا ، يريد ان يواجهك - فلا تدرى من هو لاشتراك الاسماء فيصر على ان لا يفصح عن كنيته او لقبه الذى يعرف به . . اما اعناتا ، واما قصدا لانك لو عرفته - كما يقدر هو - فربما انتحلت له عذرا من عدم مقابلته . . فهو يحاول ان يتصل بك ولو كان ممن لا ترضاه وهذه خصلة ذميمة . . ولا يصطنعها الا محتال او ماكر !
وبهذه المناسبة اتذكر بيتا انشدته على باب دار استأجرها منى بالطائف فى احدى السنوات السالفة اخى الاستاذ الشاعر الكبير فؤاد شاكر فقلت اسمعه :
أبا عزة انى على الباب واقف
فهل أنا مأذون وهل أنت آذن ؟
فأجابنى فى الحال :
بلى ، انها الدار التى انت ربها
وما أنا الا دونها لك سادن
واردفه ببيت آخر لا اذكره الآن .
وقرأت فى احدى الفكاهات القديمة ان سائلا طلب من صاحب المنزل ان يهبط السلم اليه ليكلمه فنزل فقال له : ( يا رب يا كريم ) . . وذلك بعد ان جسمه مشقة النزول . . فاخذ بيده وصعد به الى اعلى
سطح الدار . . . وقال له : الله كريم . وحرمه من امله جزاء سوء تصرفه ! وما من أمر دعانا اليه رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم الا وهو الخير كله لو اتبعناه ولا حول ولا قوة الا بالله .
- ٨٠٣ - كتب قيمة .
ما اعظم اليد البيضاء تسدى الى الاجيال الصاعدة . . بتقديم صحف العلم والادب والتاريخ مضمخة بالطيب والتهذيب وتربط بين الماضى والحاضر والمستقبل في نسق جميل وعناية تامة .
وقد اسعدني الحظ خلال الاسابيع القليلة الماضية بطائفة من هذه المطبوعات الثمينة التي تميط اللئام عن الملآلئ الدرية ، والمعرفة الصحيحة والاحداث المتسلسلة عبر العصور وكان من أبرزها واجملها عرضا وتعليقا :
١ - " عنوان المجد في تاريخ نجد " للمؤرخ ابن بشر ، وقد تطرز بحواش وتعليقات ذات اهمية كبرى وكان ذلك من بعض مايتعهده ويحرص عليه ويهتم به معالي وزير المعارف الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ حفظه الله ومن أجدر بهذا منه وهو سليل . بيت العلم والفضل والخلق والدين ؟ جزاه الله خير الجزاء .
٢ - " تاريخ حضرموت " للمرحوم الاستاذ السيد صالح الحامد وقد نشره الاخ الاديب الشيخ سالم عبد الله بالعمش ، وهو قمين بالاطلاع وثروة تضاف الى المكتبة العربية وفيه ما لا غنى عنه من معرفة الحقائق الماضية عن هذا القطر
العربي الشقيق ، احسن الله مثوبته .
٣ - " كنز الانساب : ومجمع الاداب " للعلامة الجليل رئيس محكمة الخرج الشرعية فضيلة الشيخ " ابي عبد الكريم حمد بن ابراهيم الحقيل " . . امده الله بعونه وتوفيقه ، وقد عشت معه ردحا من الزمن اقتطف من ثماره اليانعة وازاهيره العابقة ما اطلق لساني بالحمد والتقدير لمؤلفه الذي ما برح يزود المكتبة العربية بآثاره الخالدة زقد اشتمل على ما لا بد من الاحاطة به من الانساب قديمها وحديثها في قلب جزيرة العرب وكان الاول من نوعه في سرد الاصول والفروع للحمولات ( الاسر ) الكبيرة ذات الشهرة والاثر المباشر في الاحداث المعاصرة عدى القبائل والعشائر . . مما لا يستطيع الكثيرون الاحاطة به الا عن طريق هذا المؤلف الثمين .
وعدى ذلك فقد احتوى القسم الثاني منه على الادب العالي الرفيع مما يتزين به كل متأدب ولا يستغنى عنه كاتب أو شاعر أو خطيب ، وعلى قصائد ومفاكهات وقصص فلا يكاد المرء يبتدئ فيه حتى يستقصيه الى منتهاه بما فيه من ظرف وحكمة وحذق وفطنة . . وما هى باولى الحسنات من شيخنا الجليل فانه على رغم ما يتحمله من اعباء منصبه العالي قد وهبه الله ملكة البيان واتاح له ما بلغه من مكانة علمية وادبية وتاريخية . . فحمدا لله وشكرا على أن قلب الجزيرة ما زال عامرا بالرجال الافذاذ من فطاحل العلماء ، أحسن الله مثوبتهم وامدهم بروح من عنده ، وشكر لهم ما يتجشمون في سبيل احياء التراث العربي والاسلامي الرائع
٤ - " علاقات المواطن بالدوائر الشرعية "
ابراهيم الحقيل مدير ادارة ورئيس ضبط محكمة الخرج الشرعية بارك الله فيه وفي أبيه . . وهو نجل العلامة صاحب كنز الانساب السالف الذكر .
" والمرء ينشا على ما كان والده
ان الاصول عليها بنبت الشجر "
وفي المثل : ( ما جاء على اصله لا يسأل عنه ) . . ولا شك في ان اثره هذا بالغ الاهمية من حيث تنوير كل مواطن بما يجب ان يرعاه ولا يتخطاه موظفا كان او مراجعا في الحقل الخاص الذي توافر عليه واحاط به وارشد اليه . . وهو اقصر طريق الى وصول اصحاب الحقوق الى غاياتهم دون عنت او مشقة او التواء .
وقد كتبت اليه مقرظا بهذه الابيات :
بمثل هذه تهنئ لا بما انطلقت
به الخيالات والاوهام تضطرب
هذا السبيل الى الرضوان يسلكه
من شفه المجد والاسلام ، والعرب
وفي غد سوف نتلوها معوذة
صحائفا لك منها الدر والذهب
وهكذا تتزود ربوعنا بكنوز من العلم والمعرفة متمشية مع التطور العلمى والحضارى الآخذ بعضه برقاب بعض وما لكل هؤلاء العاملين المخلصين ما يكافئ جهودهم المتواصلة في ( التأليف ) والتصنيف الا الدعاء لهم بدوام الصحة والنشاط والتوفيق
٥ - " حياة سيد العرب " لمؤلفه المرحوم الشيخ حسين باسلامه احسن الله جزاءه ، - وقد نشره تباعا في طبعة فاخرة - فضيلة الشيخ عمر عبد الجبار وقد صدر الجزء الثالث منه فى حالة قشبية وتحقيق دقيق
تولاه عضو مجلس ادارة الحرم المكي الشيخ ( زكريا بن عبد الله بيلا ) . . وهو غاية في الاجادة والافادة . . وما استطع أن أقوم بتقديم ذلك الا ان أحث كل قارئ الى اقتنائه ليرى بأم عينه ما بذل فيه من جهد كبير . . وذلك شأن الناشر الكريم دائما وابدا بما قدمه من مؤلفات ثمينة قيمة . تولاه الله بمعونته واحسانه جزاء ما يعنى به من هذه الكنوز الغالية . وتيسير الحصول عليها للعامة والخاصة .
٦ - " الفوائد " للامام شمس الدين ابن قيم الجوزية . . المتوفي سنة ( ٧٥١ ) والمؤلف واسع الشهرة عظيم الانتاج وقد نشره على نفقته ، فضيلة الاستاذ الجليل الشيخ عمر عبد الجبار كدأبه في أبتغاء مرضاة الله وتعميم الثقافة الدينية وقد ضم بين دفتيه من الحكم والمواعظ والمعارف ما تطمئن به القلوب . . وتنشرح الصدور . . وتتأدب النفوس . . وتتهذب الطباع . . وهو من أغلى ما تتزين به المكاتب وتنشده مكارم الاخلاق . . فاهلا بالانتاج المثمر المفيد والى الامام أيها العاملون المجدون والله معكم
واني لاعتقد جازما أن هؤلاء جميعا سواء أكانوا مؤلفين أم ناشرين انما يرمون عن قوس واحدة الى هدف واحد وهو مسايرة النهضة العلمية الرائعة في عصر " المفيصل العظيم " الذي لم يأل جهدا في اقامة صروح هذه المملكة الفتية على اساس سليم من العلم الصحيح ، والادب الرفيع ، والخلق الكريم . وان المركب ، لمغذ في سيره الى ان يعيد التاريخ نفسه وتجتمع مقومات الحضارة الاسلامية العربية بكل مميزاتها وخصائصها في بلادنا المقدسة . . بريئة
من الشوائب داعية الى الخير . . واقفة بالمرصاد لكل من يجحدها أو يتنكر لها او يحاول تعكير صفوها . . بالخزعبلات والسفسطات . . وانها لا منع من العقاب . والله يحب المحسنين
- ٨٠٤ - القصور حول المسجد الحرام قبل ألف عام
جاء فى حلية أبى نعيم المتوفي سنة ٤٣٠ هـ فى ترجمة " عبدالله بن عبد العزيز العمرى " قوله بالسند المتصل الى محمد بن حرب المكى قال : " قدم علينا أبو عبدالرحمن العمرى الزاهد فجتمعنا عليه وأتاه " وجوه أهل مكة " فرفع رأسه فلما نظر الى القصور المحدقة بالكعبة نادى بأعلى صوته : يا أصحاب القصور المشيدة ، أذكروا ظلمة القبور الموحشة ، يا أهل التنعم والتلذذ ، أذكروا الدود والصديد وبلى الاجسام فى التراب قال : فغلبته عيناه فنام ! " أ. هـ
قلت : ومن هذا نستدل على أن ما كان حول المسجد الحرام من الدور العالية والقصور الشاهقة لم يكن حادثا فى القرون المتأخرة بل كان قائما فى القرن الثانى والثالث والرابع وما بعدهما .
وفى القرن الاول أزال الفاروق وعثمان رضى الله عنهما ما ادخلاه الى المسجد من الدور التى كانت محيطة به .
وبهذه المناسبة أتذكر حادثا كان محل عجب الناس واستغرابهم فى حينه . . فأنه لما جاء المجاهد السودانى الشهير " عثمان دقنة " حاحا بعد أن أطلبق سراحه من
اعتقاله ، وكان قد بلغ المائة ونيف عليها حتى ان رموش عينيه لا تكاد ترتفع الا بصعوبة وقد أكرمه المرحوم الملك " الحسين بن على " حوالى عام الاربعين بعد الثلاثمائة والالف - تقريبا - وأحله فى المدرسة " الداودية " وبعث اليه وفدا من قبله لتحيته وتكريمه باسمه . فما كان منه الا أن قال لهم - وكان على رأسهم وكيل الخارجية آنذاك - شاعر العرب الكبير الشيخ فؤاد الخطيب رحمه الله : " اسمع ، قل لسيدك أنه لا يصح أن تبقى هذه الدور المطلة على " الكعبة " فى جوانبها ولا يجوز أن تحيط بها " مراحيضها " ! وهذه هى تحيتى اذا أراد تكريمى ، والدين النصيحة " وقد أبلغوا ذلك الى جلالته . . وسمعت أنه قال يومئذ - غفر الله له - : " انه الرجل قد خرف " . . ونحمد الله تعالى أن تهيأت الاسباب وتحققت الامنيات . . وأزيلت المحاذير ، بمشروع التوسعة السعودية التى أنجزها الله بفضله ثم بعزيمة الملك " عبد العزيز " تغمده الله برضوانه وبما بذل فى تحقيقه من الغالى والنفيس سواء فى المسجد الحرام أم المسجد النبوى الشريف وباتمام ذلك واكماله فى ظل شبله العظيم " فيصل العرب " وحامى حمى البيت الامين أدام الله عزه وتأييده وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
- ٨٠٥ - السيول العمة الثلاثة بمكة بين عامي ١٢٨٧ و ١٣٨٧ هـ
اما احدها وأولها خلال قرن من الزمن وقد شهده من أدركه من الاحياء . . وكتبت عن اهلائه ما فيه الكفاية فى جريدة " صوت الحجاز " أبان صدورها فى مقالات افتتاحية متعددة . . وهو المعمر " العم زهران " وكان
قد عاصر أحداث القرن الثالث عشر من عام ١٢٤٠ الى أن توفاه الله بعد عام ١٣٥٥ هـ فيما اتذكر . وقد حدثنى عن " السيل " الذى أطلق عليه أهل مكة اذ ذاك اسم " أبو قرنين " . . ولا أدرى للسيل من قرون الا اتجاهاته من ناحيتين ، أو اكثر ، أو تهويلا به . وتمثيلا ( ١ ) وقد أسهب فى وصفة حتى قال : انه احتبس فى مقام الشافعية فوق بئر زمزم ، الرئيس الذى يعلن الاذان والاقامة مدة طويلة كراكب فى سفين ، واحسب أنه حدد زمنه فى عام ١٢٨٧ ان لم تخنى الذاكرة - أى منذ مائة عام - وانشدنى من روايته أبياتا شعرية نشرتها مع حديث قيلت بسببه .
وأما ثانيهما فقد ادركته غلام عام ١٣٢٧ هـ وكان سنى لا يتجاوز يومئذ التاسعة . . ان لم تكن الثامنة . . - وعلى كل حال فانه كان
بينهما بكل تأكيد وقد وقفت انظر اليه وهو يتلاطم بأمواجه من القشاشية الى السوق الصغير والهجلة . . ويتدفق من أعالى الدرج فى باب الزيادة . . وباب القطبى وباب الباسطية وباب الدريبة . . ويعتلى فوق اعلى درجات باب السلام من جهة المسعى ، وكان والدى آخذا بيدى لكيلا انزلق اليه . .
وكان مما شهدته فيه أنه احتمل معه أو اجترف كل ما صادفه فى طريقه من " الأبطح " و" المحصب " و " الحجون " و " سوق المعلاة " و " الغزة " بعد فجر اليوم الذى باغت فيه الناس هدار موارا ، كما يصطخب موج " المحيط " ومما أضحك وأبكى أن جمالا تحمل الفاكهة والخضراوات كانت فى " الحلقة " بسوق المعلى . . أو المعلاة . . وعلى ظهورها بعض الجمالة ، وبسطات بعض السمانة بجرار الفول والسمن . . كان يطويهم وينشرهم ، عبر " وادى ابراهيم " بشكل مرعب رهيب . مما حمل أهل المروءات والشهامة على نصب الحبال بين ضفتى الهجلة وباب ابراهيم ، ليتمسك بها " الغرقى " . . وكانت الضحايا فيه كثيرة جدا . . وما كان له من نذير بالمطر الغزير . . أو بالعواصف أو الرعود . . وانما كان أعمى داهما . . غير متوقع . . لان المطر على مكة كان عاديا . . ولا يكاد يزيد عن الرذاذ أو الهتان أو ما يسميه البدو " الرون " ولكنه كان خادعا باطشا مفاجئا تتجاوب به الفجاج ، وتتدفق الامواج . . وقد رد " عين زبيدة " وقنواتها وشرايينها ، وخرزاتها ، من نعمان الى آخر خرزة فى بطن مكة . . وترتب على ذلك حرمان أهلها من الماء . . وعز وجوده أكثر من شهر . واستورده الناس من الآبار المالحة والضواحى البعيدة . ونال السكان
من ذلك أكبر المشقات ، وانما سمى بسيل الخديوى لان جنابه أيضا - وهو عباس باشا حلمى - كان قد حج فى ذلك العام . . فأطلق عليه كما هى عادة العرب فى الاحداث الكبرى كسيل " أم نهشل " فى صدر الاسلام . .
وكنت أبصر بعض الحجاج ولا سيما اخواننا الجاويين " الاندونيسيين " الذين لهم خبرة تامة بالسباحة يطوفون فوق ( مراكن ) زمزم . . كما لو كانوا يستقلون القوارب . . وبلغ ارتفاعه داخل المسجد الحرام انه غمر قناديل الاروقة كلها وامتنع اداء الصلاة فيه . . أياما . . بما تراكم من الاتربة والاحجار . . فى صحن المسجد كله . . وكأنى انظر اليه الآن وهو يتلاطم تلاطما بأمواجه وأثباجه ! وما يزال بعض لداتى ممن شهدوه أحياء . . ولكنهم - لامر ما - لا يشاركوننى القصص عنه حذرا من الاعتراف بارتفاع السن ! الا القليل النادر ، الذين يعلمون ان خيركم من طال عمره وحسن عمله . . أحسن الله خواتيمنا . . جميعا . . واحيانا ما كانت الحياة خيرا لنا .
وخلال الاسبوع التالى لهذا السيل العظيم . برز ( أمير مكة ) على رغم ارتفاع سنه وكل من يشار اليه بالبنان من ذويه وحاشيته والعلماء والكبراء ، والجسود ، وأهل البلد خاصتهم وعامتهم يحاز : تأيديهم المكاتل والزنابيل والمعاول والمساحى ويقومون بالتطهير والتغسيل والتنظيف ! ويتنافسون فى ذلك ليل نهار ، حتى اقيمت فيه الصلوات وعاد سيرته الاولى . . وكان ارتفاعه فوق ( باب الكعبة ) بما يتجاوزه الى نصف متر أو اكثر !
وعلى اثر ذلك وبضغط الحاجة الشديدة الى الماء . . ورغم انعدام الموارد المجدية لاصلاح عين زبيدة من المنبع الى المصب . . نتيجة هطول الامطار وزمجرة السيول التى انحدرت من رؤوس الجبال وبطون الاودية . . اتجه الامير آنئذ - وهو المرحوم الشريف الحسين بن على - وكل من استنفره الى وادى نعمان ونصب هنالك الخيام . . واستعان بكل قادر على العمل من شباب مكة وأهالى البلد الحرام . . والمجاورين . . لفتح ما أغلق . . ونزح ما ارتدم ! واجراء ما توقف . . واستمر على ذلك . . نحو شهر كامل . . حتى انطلق الماء الى مجاريه . . بعد اجهاد وجهاد طويلين . . وقد فصل ذلك فى رسالة خاصة فضيلة ( السيد عبد الله الزواوى ) مفتى الشافعية يومئذ . . وكان يرأس ادارة العين من قبل الامير . . ومعه هيئة من كبار أهل مكة ونبلائها . . ومن اعلام المجاورين بها . . وكانوا كلهم يعملون بلا أجر ولا راتب ابتغاء مرضاة الله ومثوبته . .
وما كان له من مغريات للعمل والعمال الا مجرد النخوة . . واشعال نيران ( السليق ) ليلا . . ودارارات ( المزمار ) . . لمن يطربون له وينشطون به من العيال المطاليق وقد استصرخ فيما اذكر " الاستانة " وجاءه بعض العون من الدولة لذلك ، كما أنه حصل على بعض الاعانات من الهند الاسلامية . . وبعض ذوى اليسار فى الداخل والخارج . . وتنفس سكان مكة ، الصعداء ، وأقاموا الافراح - والليالى الملاح - بعد أن ازال الله الكربة . . وملأ ١(القربة ) . . وحقق ( القربة ) . . والحمد لله .
ثم أردكت - بعد ذلك السيل الثالث -
المسمى بسيل عام الستين أى بعد الالف والثلثمائة . . وكنت صباح يومه أزور معالى الشيخ محمد سرور الصبان بداره العامرة فى جرول . . وقال : هيا نزور معالى الشيخ حمد السليمان بداره فى " ذى طوى " . . وقام وقمت وركبت معه فى سيارته وزرناه . . وقبل أن نركب . . ما كان فى السماء الا قزعة " كالترس " ! دون ودق ، ولا رعد ولا برق . . وكانت الشمس مشرقة . . والوقت فى نحو الثانية صباحا . . ( ٢ ) . . فما أن وصلنا إلى دار الشيخ حمد . . حتى أخذت السماء تهمى . . ولكن بالوبل المدرار . . وثمة انحدر السيل من رأس الجبل . .
واقتحم الدار من داخلها وعلوها . . ومع طول اصطبارنا ، أكثر من ساعة فأن المطر كان من الشدة والانهمار ، بحيث رأينا السيارات تعوم فى الماء ! . . وتؤذن بالانساب من قوة الانصباب . . فما وجدنا محيصا من من الخروج . . ولكن من أين ؟ من خلف الدار الى قمة الجبل . . سيرا على الإقدام . . وتحت الوابل المدرار . . حتى حاذينا ( جبل الكعبة ) . . فأخذه معالى الشيخ محمد سرور سبيله الى داره واتجهت الى حارة الباب . . وكان ذلك نحو الساعة الثالثة صباحا و استمر المطر منهمرا الى المغرب بين كر وفر . . أو نهل وعل . . ولا تسل عن الفزع الذى اطبق على الناس مما سقط من دور ومنازل وما ارتفع من اصوات الاستنجاد من الصغار والضعاف والارامل . . حتى أن سبعة من الأعيرة . . أو الحمير تحطم فوقها سقف المبنى الذى كن تحته فتناهقن . . وما كان لنا من بد من نجدتها وانقاذها وكان الباب مغلقا عليها وأخرجناها وهى تنفض
غبار المنون ، وترفع عقائرها ، بلغتها ونهجتها وتشكر الله على ما أتاح لها من أسباب النجاة .
وقد اقتحم هذا السيل الثالث المسجد الحرام ولكنه رغم كل ما سقط من المطر . . لم يبلغ خطره وضروه ما كان معروفا ومخوفا من سيل الخديوى السالف الذكر . ومن ذكرياتى فيه انه بعد مشاهدته . . صعدت مع والدى رحمه الله الى منزل احد اصدقائه وتغديت معهم " مبشورا " وما يزال المقعد الذى اجتمعنا به قائما فى قاعة الشفا حتى الآن رغم كل ما أزالته مشروعات التوسعة . والتهمته الحرائق المذهلة بتلك المنطقة !
وفيما بين هذه السيول الثلاثة تتابعت سيول شتى . . لا أتذكر انها أكثر كما . .
وان لم تكن أقل هما وغما . ولكنها لولا فداحة الاضرار الكبرى منها لكانت هى بدورها ذات شأن . . وخطر . . وقد حدانى الى هذا الاستطراد ( سيل الحمل ) وما حمل ؟ ! وهو فى منتصف شهر محرم الحرام ١٣٨٨ هـ فان له نفس المفاجأة وفى ساعتين أو أقل . . وقد فعل الافاعيل وسحب السيارات . . وكان له من الضحايا والبلايا ما يثير الشجون . . ويسفح الدمع الهتون . . وكان مصحوبا بالبرد الكبير الحجم والصواعق المفجعة . . والرعود المصعقة وما تزال عواقبه . . محل التعقب والاستصلاح . . وكما يقول المثل العامى القديم " كل دقة بتعليمة " و " ما ذهب من مالك ما وعظك " و " الوقاية خير من العلاج " ! وما تشاؤون الا أن يشاء الله . وهو أرحم الراحمين

