الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

شذرات الذهب

Share

- ٨٠٦ - المليونير المكى الاموى المتوفى سنة ٧٨٣ ه

هو ) محمد بن حسب الله ، القرشي الاموي المكي . . قال التقى الفاسي : " كان وافر الملآءة يقال ان تركته بلغت ثلثمائة ألف الف . . اي ثلاثة ملايين . . وقيل ثمانمائة الف الف ومائتي الف درهم - اي ثمانية ملايين - وهو الذي اكتسب ذلك ، وكان لا يبالي في اعطاء المال على وجه السلف - بضم السين - بالفائدة ! ويعيب على من يطلب منه القليل وكان ينال من غرمائه كثيرا بالقول والفعل . وربما حبس بعضهم بغير مؤامرة الحكام بسبب ادلاله عليهم ، باحسانه اليهم والله يغفر له . . توفي في يوم الجمعة الثالث من جمادى الآخرة سنة ٧٨٣ ه بمكة ، ودفن بالمعلاة " .

قلت : وهذا اول مليونير . . في بطن مكة بعد الذين سبقوه من رجال المال في العصور الاولى من عهد طلحة والزبير وابن عزف رضي الله عنهم اجمعين . . وهو يدل على رخاء اقتصادي كبير في ذلك الحين . . ولو في طبقة التجار واصحاب رؤوس الاموال على الاقل . . الا ان في الخبر ما يشير الى مصادر هذه الثروة الطائلة في مثل تلك الظروف

القاسية . . " وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام " ! !

- ٨٠٧ - راتب التقاعد قديم

جاء في شذرات الذهب لابن العماد قوله : في سنة ٩٥٢ توفي فيها المولى بير احمد بن حمزة الحنفي ، اشتغل بالعلم وحصل ودرس - بتشديد الراء - ببعض المدارس ثم بمدرسة ) السكوب ( ثم وصل الى احدى التمان . . ثم صاد قاضيا بمصر . . ثم اعطي ) تقاعدا (

عنها بمائة عثماني . . ومات على ذلك وخلف دنيا طائلة وكتبا نفيسة .

قلت : وبهذا نجد رواتب التقاعد . . مقررة قبل عدة قرون بنفس اللفظ والمعنى . . وان تطورت بالانظمة الحديثة التي تجعلها اكثر انطباقا على المصلحة من وجوهها المختلفة

- ٨٠٨ - الدور والتسلسل

قال صاحب الاغاني : " حدثنا محمد بن جرير الطبري قال : حدثنا ابو السائب سالم ابن جنادة ، قال : حدثنا وكبع عن هشام ابن عروة عن ابيه عن عائشة ) رضي الله عنها ( انها كانت تنشد بيت لبيد :

ذهب الذين يعاش في اكنافهم

وبقيت في خلف كجلد الاجرب

ثم تقول : رحم الله لبيدا ، فكيف لو ادرك من نحن بين ظهرانيهم ؟

قال عروة : رحم الله عائشة ! فكيف بها لو أدركت من نحن بين ظهرانيهم ؟

قال هشام : رحم الله ابي ! فكيف لو ادرك من نخن بين ظهرانيهم ؟

قال وكيع : رحم الله هشاما ! فكيف لو ادرك من نحن بين ظهرانيهم ؟

قال ابو السائب : رحم الله وكيعا ! فكيف لو ادرك من نحن بين ظهرانيهم ؟

قال ابو جعفر : رحم الله ابا السائب ! فكيف لو ادرك من نحن بين ظهرانيهم ؟ قال ابو الفرج الاصبهاني : ونحن نقول الله المستعان فالقصة اعظم من ان توصف "

قلت : وما كان ترحمهم جميعا الا على نسبة محدودة ممن فقدوا او افتقدوا في

عصورهم من اهل السماحة والايثار . والذين يعاش في اكنافهم . . فان الخير ما يزال في امة محمد صلوات الله وسلامه عليه وانما العبرة بالكثرة الغالبة . . لا بالقلة الذاهبة وما للقصة من هدف الا التذكير والتبصير . . والتحضيض على اصطناع المعروف . . وادخاره في الصغير والكبير ، ومع ترحمنا على السابقين الاولين . . فان اطمئناننا مكين باللاحقين الطيبين . وقديما قال الشاعر :

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

بشرط الستر والابتداء وعدم الرياء

والله يحب المحسنين

- ٨٠٩ - الوشم في المعاصم

ما تزال عادة ) الوشم ( في بعض البلاد العربية شائعة . . ذائعة . . وكنت احسبها مما لم يعرفه العرب القدامى ، وانها من قواعد ) مصر ( خاصة . . لكثرة ما يرى حتى اليوم من ) الوشم ( في الأعضاء . . والمعاصم . . وحتى الصدر احيانا ! ولا يختص به الرجال دون النساء فهم فيه جميعا سواء . . الا انه يغلب في الارياف . . ولا يكاد يصطنع في الحواضر والمدن

وقرأت لشاعر مزينة : ) معن بن أوس ( المتوفي سنة ٦٤ ه قوله :

عفا وخلا ممن عهدت به ) خم (

وشاقك بالمسحاء من ) سرف ( رسم

عفا حقبا ، من بعد ما خف اهله

وحنت به الارواح والهطل السحم

يلوح وقد عفى منازله البلى كما لاح فوق المعصم الحسن ( الوشم ) والمعصم هو موضع السوار في اليد

وبهذا النص القديم عرفت ان الوشم قديم حتى في بلاد العرب . . ولعل تسمية المنطقة المعروفة في نجد بهذا الاسم انما كان اطلاقها عليه تحلية لها . . به . . او انها كانت من النضرة والخضرة . . والأخضلال ذات اسورة تحاكي الوشم ، وحتى ما كان الى عهد قريب في مكة حماها الله من عادة " المشالي " ! او التمشيل ( في الخدود . وكان مما يعتبر زينة وجمالا . . قد اصبح اثرا بعد عين . وكم لشعراء القرون المتاخرة من غزل فيه ونسيب وكان مما يتخذه آدم وحواء . . واغلب الظن انه دخيل غير اصيل فما عثرت على ذكر له فيما قرات من شعر ولا منثور كما هو الحال في شاهد الوشم والله اعلم .

- ٨١٠ - منى ) مكة ( ومنى ) طخفة ( !

استهل لبيد بن ربيعة بن مالك ) ابو عقيل معلقته بقوله :

عنفت الديار محلها فمقامها

) بمنى ( ، تأبد غولها فرجامها

وقال الشارح ابو زكريا الخطيب التبريزي ٤٢١-٥٠٢ ه : " ومنى موضع قريب من طخفة بالحمى . . ) حمى ضربة ( وقال : المراد منى مكة - وهي تؤنث وتذكر فمتى أنث لم يصرفها . ومتى ذكر صرفها . . وسميت ) منى ( لان آدم لما انتهى قيل له

( تمن ) . قال : ) اتمنى الجنة ( وقيل : سميت ) منى ( لما يمنى فيها من الدم ! وقيل : لما يمنى فيها من ثواب الله . والغول والرجام بنفس الحمى ، وقال بعض الرواة : الغول والرجام جبلان " الخ

قلت : فان تكن الاخرى وهي ) منى حمى ضربة ( فاني لأتساءل وارجو من لديه من أهلها علم ان يفيدنا على صفحات المنهل الغراء . . ما اذا كانت لا تزال باقية وتدعى بهذا الاسم مع الغول والرجام ؟ ام عفت عليها الرياح والايام ؟ !

- ٨١١ - من الشعر المكى قبل ٨٠ سنة

عندما أنشأ واسس المرحوم العلامة الشيخ رحمة الله بن خليل العثماني المولود سنة ١٢٢٦ ه والمتوفي بمكة سنة ١٣٠٨ ه . . اول مدرسة منظمة بمكة المكرمة عام ١٢٩٢ ه وهي المدرسة الصولتية بحارة الباب بالخندريسة بمكة المكرمة . . واقام الى جانبها المسجد الذي بجوارها تقدم اليه الشيخ احمد نظيف ) المحامي ( - او الدعوجي كما كانوا يطلقون ذلك على كل مترافع في المحاكم عن موكله في الخصومات ) وهو والد المرحوم الاديب الشيخ حسين نظيف ( . . وطلب منه ان يسمح له بكتابة أبيات نظمها لتخليد ذكراه على باب المسجد المشار اليه فأذن له بذلك ونقرت على حجر كبير نصب على الباب وما يزال على حاله في محله ، قال :

على ايمن الدانين بالسفح من ) كدا (

مقام كريم للمصلى تجددا

دعائمه شيدت على البر والتقى

وارجاؤه للدين والعلم والهدى

احاطت به الانوار من كل جانب

وطاب لاهل العلم والرشد موردا

بناه الهمام البحر ذو الفضل والندى

ولا غرو قد أضحى اماما مجددا

فلله ما ابدى من الخير فى الورى

من النفع فى نشر العلوم وشيدا

له الفوز ما قال ) النظيف ( مؤرخا

بما فاء انشأ ) رحمة الله ( مسجدا

قلت : وكانت هذه العادة مستمرة خلال القرون الطويلة . . في الشعر التاريخي أو التاريخ الشعري لا تتجاوز الى ما قبل الرابع او اخامس كما لم أظفر على شيء من آثارها في العصور السالفة ! وهي لا تخلو من التكلف احيانا الا فيما ندر ! وقد اضمحلت في عصرنا هذا في كثير من اقطار العالم العربي والاسلامي . غير ان الروح الشعرية في هذه الابيات تدل على قدم راسخ وأدب رفيع ، وما احسب هذا الشاعر الا أدركه ما ادرك كثيرا غيره ممن سبقه او عاصره من الادباء المكيين . . فضاع تراثه ! أو فرط فيه وراثه ! وبالمناسبة فاني كنت ممن تشرف بالطلب في هذه المدرسة الكبرى بعض حين فيما بين عام ١٣٢٨ وعام ١٣٣٠ ه وكنت ممن يصلي في هذا المسجد في أيام رمضان ، ويهيأ فيه التلاميذ ) من الحفاظ ( لاداء صلاة التراويح بعد العشاء في المسجد الحرام بعد ان يكونوا قد قاموا بذلك بدقة في هذا المسجد بالنهار وكنت منهم آنئذ

- ٨١٢ - أين هما " الرفمتان " ؟

قال زهير فى معلقته المشهورة :

ديار لها بالرقمتين كأنها

مراجع وشم فى نواشير معصم

وقال الاصمعي : الرقمتان احداهما قرب المدينة . والأخرى قرب البصرة ومعناه بينهما ، وقال الكلابى : الرقمتان بين جرثم - وبين مطلع الشمس بأرض بنى أسد وهما ابرقان مختلطان بالحجارة والرمل . والرقمتان ايضا حذاء ساق الغرو . . وساق الغرو جبل فى ارض بنى أسد ، والرقمتان ايضا بشط فلج أرض بنى حنظلة

قلت : وتساءلت وأين هم من ( رقمتى مكة ( ؟ . . ومنذ نشأنا نعرفهما ) بمنحدر جبل الفلق ( الى محلة السليمانية . . وحتى يومنا هذا لا يجهلهما سكان تلك المنطقة وطالما رددنا بيتى الرقمتين المشهورين كلما مررنا بهما :

رأت قمر السماء فذكرتنى

ليالى وصلها بالرقمتين

كلانا ناظر قمرا ولكن

رأيت بعينها ورأت بعينى

ومن التعسف انكار ذلك - مع تواترمـــ المقترن بالقرون الطويلة . ولا بأس أن يكون هذا الشعر قد قيل - باحدى هذه المواضـ ـع الذى وصف الاصمعى او الكلاب : ولكن ذلك لا يستدعى تجاهل ما هو معروف فى " أم القرى " ! فى احاطة الرواة - بكل ما على وجه جزيرة العرب . . احاطة تامة ! ولتكن هنالك اخوات لها . . وجدات

وعمات . . غير أن وجودهن لا يقتضى عدمها وان انعدم اتفاق الرؤيتين . . المشار اليه فى هذين البيتين !

- ٨١٣ - الغبيط - هو الشقدف !

كل ما للشقف من صفات وميزات . تجتمع فى انه يحمل اثنين ، كل منهما فى جانب او شقة وزدنا عليه فى زماننا وما سبقه منذ اصطناعه - ) الوسك ( وهو ) الوسق ( أى ظهر البعير بين الراكبين . فكان طورا يشغل براكب ولو صغيرا . أو يكون خاليا .

فاما فى العصر الجاهلى . . فانه " الغبيط " . . وان لم يكن فى سعته وشكله وصناعته وطرازه المحدث بعد ان تطور . . خلال القرون الطويلة . قال امرؤ القيس في معلقته :

تقول وقد مال ) الغبط ( بنا معا

عقرت بعيري يا امرا القيس فانزل

وليس البعير هو الجمل فقط فقد كانوا لا يركبون النساء الا على الذكور لانها اقوى واضبط . . اما الناقة فانها بعير ايضا فيما عرف عنهم . . ومحل الاستدلال هنا هو ان هذا الغبيط . . وقد تعادل فيه اثنان . . فانه بعينه وسنه هو الشقدف ) بلا مقدف ( ! وهو يختلف عن ) الهودج ( بان هذا محتجز عن معادله كما شهدناه فى ايام الحج والقوافل قبل السيارات ! ولعل كلمة ) شقدف ( جاءت دخيلة وتعبيرا عنه بلغة أعجمية . والله أعلم .

- ٨١٤ - كير الحداد والسوق !

عن عمر بن شبة فى أخبار المدينة ان عمر رضى الله عنه رأى ) كير حداد ( فى السوق فضربه برجله حتى هدمه . " اهـ

قلت : فهذا الاصل فى عدم السماح بمشاركة أهل المهن ذات الخطر او الاذى . . لغيرهم ممن يبيعون الخز والديباج . . أو الطعام والشراب فى الأسواق العامة . . وهو ما يدعو الى حجزهم في منطقة خاصة . . لا يتعدى بها الضرر إلى غيرهم منها . . وانما لهم كسبهم وحدهم ! ولقد كان الفاروق رضى الله عنه ، أول قائم بما نسميه اليوم ) أمانة العاصمة ( أو البلدية . . ومن قبلها الاحتسابة والمحتسب " وحديثه مع ابى سفيان فى المدعى ، وهدم دكته على باب داره معروف ! والقاعدة فى ذلك عامة : ) لا ضرر ولا ضرار ( . . و ) يخلق الله ما يشاء ويختار ( .

- ٨١٥ - الهوشة ، قديمة

" عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليلنى منكم اولو الاحلام والنهى . . ثم الذين يلونهم - ثلاثا - واياكم وهيشات الاسواق " .

قال القطبى : " هيشات الاسواق . قال أبو عبيدة : والهوشة الفتنة والهيج - والاختلاف يقال هوش القوم اذا اختلفوا " اهـ " رياض الصالحين "

قلت : وهذا هدى نبينا الكريم صلوات

الله وسلامه عليه . . وان لا يليه الا ذوو الاحلام والنهى . . وتحذيره من هوشات الاسواق ! وقد ادركناها . . قبل خمسين سنة فى شدتها وعنفوانها حتى ليشارك العامة فيها بعض الخاصة ! مغالاة فى العصبية . . ولأسباب تافهة . . وحماقات طانشة ! . . فما ترى غير ملطوش ومفقوش ومصروع وفجوع . . ثم السجون والاغلال والبلاء والنكال . . وكفانا الله شرها باقامة الحدود وهيبة السلطان . والحكم بالعدل والقسطاس المبين . . حتى لا تحدث احدا نفسه بالتجاوز او التطاول ! والا كان عبرة لغيره . . والحمد لله رب العالمين

- ٨١٦ - ما أشبه الليلة بالبارحة !

روى لى فضيلة السادن الاول فاتح بيت الله الحرام الشيخ امين عبدالله الشيبى قصة عجيبة يوم ١١-٢-١٣٨٨ . . وهى انه كان في باريس صاحب محل لبيع الدين الحليب . . وكان متسامحا فى سعره بحيث لا يبلغ نصف ما يباع به عند غيره . واقبل المستهلكون والشارون عليه . . فتضاعفت أرباحه جدا . . وضاق به منافسوه ذرعا . . وكلما اسقط من السعر شيئا اضطرهم لمثله حتى أعياهم الكسب . وسقطوا فى هوات مرعبة من الخسانر الفادحة ؛ واجمعوا أمرهم أن يكتشفوا سره ! وما كان فى ) حليبه ( من عيب ولا غش ولا مزج ولا اختلاط ! وما زالوا يبحثون ويتعقبون حتى عرفوا السبب بوسائلهم الخاصة . .

فقد كانت احدى الممثلات الشهيرات الثريات لا تغتسل الا بالحليب ! فى احواض الحمام ترفها وترطيبا وتطييبا ! . .

وكان صاحبنا هو المتعهد لها بذلك . . على شرط انها بعد ان تفرغ من استحمامها يستعيد بضاعته مرة اخرى ! مقابل تخفيض فى الثمن لها . . وهكذا كان يعرضه للبيع مرة اخرى . . وقد اغتسلت به ذات الشرف والدلال ! ولم يشب بغير ذلك من استعمال ! وافتضح أمره وسيق الى المحاكمة بعد الامهال . . وهنا : حوقلت وحسبت على من لا دين له ولا ضمير ، ولا وازع ولا رادع من الكسب الحقير !

وفى اليوم الثانى مباشرة ١٢-٢-١٣٨٨ اتفق اننى اقلب فى ) بخلاء الجاحظ ( فاذا به يروى هذه القصة : قال : ) قالوا : كان بلال بن ابى بردة قد خاف الجذام - وهو والى البصرة فوصفوا له الاستنقاع فى السمن . . فكان اذا فرغ من الجلوس فيه أمر ببيعه ! . . فاجتنب الناس تلك السنة أكل السمن . . ( اهـ

قلت : فما راق لى أن اختص بمعرفة ذلك - وحدى - وآثرت ان اطرف قراء ) المنهل ( بهذه الحكاية وسابقتها قبل ألف ومايتين من السنين ، وصلى الله وسلم على من يقول : ) من غشنا ليس منا ( . . واكاد لا أصدق ان مثل ) بلال ( فى مكانته وعلمه ومنصبه يتدنى الى هذا الحضيض ، فقد يكون ضحية الايذاء والتنديد والتحريض . . وحسبنا الله ونعم الوكيل

- ٨١٧ - مكة - والطب في القرن السابع والثامن

جاء فى كتاب ) الداء والدواء ( للامام ابن قيم الجوزية ٦٩١-٧٥١ ه قوله

" ولو احسن العبد التداوى ) بالفاتحة ( لرأى لها تأثيرا عجيبا فى الشفاء ، قال : ومكثت ) بمكة ( مدة يعترينى أدواء ، ولا أجد طبيبا - ولا دواء ! فكنت اعالج نفسى بالفاتحة . فأرى لها تأثيرا عجيبا . . فكنت أصف ذلك لمن يشتكى الما . . فكان كثير منهم يبرأ سريعا " اهـ .

وأردف ذلك بقوله : ولكن هنا أمر ينبغى التفطن له وهو ان الاذكار والآيات أو الادعية التى يستشفى بها ويرقى بها هى نفسها نافعة شافية . ولكن تستدعى قبول المحل ، وقوة همة الفاعل وتأثيره فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوى فيه يمنع ان ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك فى الأدوية والادواء الحسية الخ . . "

قلت : ومع الفائدة المكتسبة من الناحية الروحية فى العلاج . . فقد عرفنا بهذه الرواية خلو ) مكة ( من الدواء والاطباء فى ذلك الزمن . . خلوا ان لم يكن عاما . . فانه الغالب الا لذوى السلطان والثراء . . وما احسبها على كل حال . . الا ذات ) بيمارستانات ( تقام ولو خلال موسم الحج وربما استصحبها معهم امراء الحجيج فقط كبعثات الحكومات على عهدنا هذا ونحمد الله تعالى انعم علينا فى الحواضر والبوادى بالدواء والاطباء يتعهدون المرضى فى بطون الصحراء ) وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( . .

- ٨١٨ - مكتبة الامام الشافعى " بخيف مىى "

هذا الامام العظيم . . الذى مشى فى

ركابه أحبار الامة وعلماؤها واخيارها وصلحاؤها يقول : كما هو فى الحلية لابى نعيم : " كنت يتيما فى حجر امى ولم يكن معها ما تعطى المعلم ، وكان المعلم قد رضى منى أخلفه اذا قام ! فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فاحفظ الحديث أو المسألة . . وكان منزلنا بمكة فى ) شعب الخيف ( فكنت انظر الى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث والمسألة ! وكانت لنا جرة قديمة فاذا امتلأ العظم طرحته فى الجرة ، وفى رواية اخرى ، فكنت اجمع العظام والاكتاف فأكتب فيها حتى امتلأ من دارنا من ذلك ) جباب ( اهـ

قلت : فهذه كانت ) مكتبة ( من قال عنه الإمام احمد بن حنبل رضي الله عنه ما رواه ابن راهويه قال : كنت مع أحمد بمكة فقال : تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله فكيف هو على بصره وبصيرته وورعه وتقواه وعلمه وفضله وحجاه . . لو تيسرت له اسباب الحياة . . وأمدته المطابع . . بما يحبه الله ويرضاه ؟ غير ان الاساس في ذلك كله ) الاخلاص ( أولا وانما الاعمال بالنيات ، احسن الله مثوبته على ما قدم بين يديه في سبيل الله .

- ٨١٩ - الاديبان الراويتان المكيتان

ان من الانصاف . . ان يتدارك اهل الادب المخضرمون فى هذا العصر - من الذين ادركوا الفترة ما بين عام الثلاثين - الى الثمانين - وما بعدهما . . حتى الآن ، الاشادة بمن طوتهم الارض . . واخترمتهم المنون من الرواد الاوائل الذين استهواهم العربى القديم والحديث والجاهلى

والإسلامي والاموي والعباسي . . وما الى ذلك من طرائفه وروائعه ، وان يتولى ذلك اهل كل مدينة ويلد في طول المملكة وعرضها . . احياء لذكراهم وترحما عليهم . . واداء لامانة التاريخ . . وان يكن من المتعذر الحصر والاحصاء فلا اقل من ذكر من يعرف ولا يجهل منهم والتنقيب عما ترك من تراث ) مخطوط ( لدى اهله او ورثته ونشره والاستفادة منه ان وجد

واني - في حدود ذاكرتي - لاقدم هنا أديبين كبيرين لا اعرف لهما شعرا يجعل منهما شاعرين ! وانما كان كل واحد منهما علما ( في الرواية فما يضمه مجلس او ناد لا اوسعه ترنما واشاه بما يحفظه ويرويه من الدرر والغرر وكأنما هو في نشوة من طربه واطرابه . . ولا يكتفي بالانشاء فحسب ! بل يمزجه بالالحان العذبة المثيرة المرقصة . . وفي نغم اخاذ ، وترديد مستعذب ! وأولهما واشهرهما وأذيعهما صيتا . . الشيخ طاهر الصباغ - وقد اجتمعت اليه في متجر والدي ) بقاعة الشفا ( بمكة المكرمة في عام ١٣٣٠ ه او ١٣٣١ - واستمعت اليه أحيانا وهو يروي من مقامات الحريري مقطوعات لطيفة ! ومن الشعر الاندلسي والمعزو ، لابن هانىء او ابن دراج او ابن زيدون . . ما جعلني رغم ) طفولتي ( ، او يفاعتي ( يومئذ . . أنظر اليه باكبار واغتباط واتمنى ان تتكرر زياراته لنا بما بينه وبين الوالد من علاقة متينة وصداقة وطيدة ! ثم انقطع خبره منذ نشبت الحرب العالمية الكبرى - الاولى - وتبين انه سافر الى الخارج وأقام في ) فرنسا ( وانشأ في باريس ( ) مقهى ( ومطعما فاخرا . . كان المختلفون اليهما كبار الزائرين لها من البلدان

العربية ولاسيما مصر والشام ولبنان والعراق والمغرب وتونس وشمال افريقية كلها . . ويجتمع فيه ويتلاقى الاخوة المتحابون والشعراء النابغون واصحاب الشخصية البارزون ! ويؤيد ذلك ما أشار اليه عطوفة امير البيان ) الامير شكيب ارسلان ( في كتابه الموسوم بــــــ شوقي . . أو صداقة اربعين سنة " وهو السفر الذي احتوى على الكثير من آثار شوقي واخباره ، فقد تحدث فيه عن الشيخ طاهر الصباغ في الصفحة ٤٩ منه فقال وهو يتحدث عن تلاقيه بشوقي في باريس عام ١٩٢٦ م : " . . . وأخذنا مذ ذاك ويعني نفسه وامير الشعراء رحمهما الله نجتمع في مقمهى الجامع حيث كان يوجد رجل أديب ماهر الذكاء ، واسع الرواية ، فصيح اللهجة اسمه " السيد طاهر الصباغ " مكي الاصل ، تونسي الدار ، كان وجوده في ذلك المقهى باعث نشوة ، وسبب سلوة لكل من ينتاب المحل ، وكان يروي كثيرا من شعر شوقي وغيره من الشعراء المغلقين ، كما انه كان يقرأ اكثر مقالاتي ويتتبعها ، فكان اذا جئت أنا وشوقي ومحمد عبد الوهاب ومن معنا من الاصحاب ، وجلسنا للمنادمة وسماع الالحان الشجية على نقرات ) العود ( يأخذ السيد طاهر الصباغ الطرب ولا يسعه المكان من الفرح . . وكان يتحير كيف يصنع ؟ ليوفر اسباب راحتنا وسرورنا ، ولكنه في آخر الامر عتب على اخي شوقي لكونه وعده بنسخة من ديوانه ، وذهب من باريس ولم ينجز وعده هذا . . فلما كاشفني بهذه الموجدة ، أخبرته عن غرائب ) شوقي في الذهول ! وقلت له : لو عرفت أمره في هذا الشأن لعذرته . . ثم قال : وقد توفي الصباغ الى رحمة ربه قبل وفاة شوقي بقليل رحمهما الله تعالى

قلت : وهذا يعني انه توفي في حدود سنة ١٣٥٠ ه لان شوقي توفي في ١٤ جمادي الآخرة سنة ١٣٥١ ه - ١٤ اكتوبر سنة ١٩٣٢ م بمصر

وهكذا طويت صفحة هذا ) الطاهر ( دون ان نجد من آثاره المروية . . ونوادره الادبية ما يبل الغلة . . او يطفي الاوام . . وعسى الايام تتيح لمن يرتاد ) باريس ( ان يعثر على ذلك او بعضه من أصدقائه هنالك أو ذوي مودته . . فيقدمه للنشر والطبع ! وما احسب العلامة الجليل الشيخ محمد نصيف الا محيطا بكثير من اخباره وأتمنى ان تتاح له فرصة ليكشف عنها الحجاب . . أمده الله بالصحة والعافية .

أما الثاني . . وهو قريب العهد بمفارقة الدنيا وكثير من ادبائنا الكبار يعرفونه شخصيا . . فهو المرحوم الشيخ ) حسين مميش ( . . فانه كان شديد الولع بالادب وروايته وحسن اختياره لما يحفظه منه ويرويه . . وله طريقة خاصة به في انشاده وتكاد قسمات وجهه ، تعبر عن كل معنى في كل بيت ينشده . . وكثيرا ما قضينا معه السمر الطويل . . في بشر وسرور ونعمة وغبطة . . بما له من ذهن وقاد ، وحفظ واستعداد . . وغرام وهيام بالشعر العربي القح . . وكان له تعلق باللغة ومفرداتها فلا يكاد يغرب عنه تفسير لاية لفظة غامضة أو مجهولة عند المتأخرين فانه على الفور يعيدها الى أصولها . . ويشرح معناها . . عن علم وبصيرة وتحقيق . وكان له اختصاص قديم بصحبة اللحوم الشيخ عباس قطان . . ثم بمعالي الوزير الجليل كبير رواد الادب في الحجاز الشيخ ) محمد سرور الصبان ( وغيرهما من رجالات البلاد وادبائها

ورؤسائها وعلمائها وما يخلو من اثر مدون ) ١ ( خلفه في ورثته ويجب أن يبعث ويطبع وينشر . لاسيما بعد ان تيسرت دور النشر وشجعت عليه تطورات ) الطباعة الحديثة ( ! والأريحيات الكريمة وما العهد به ببعيد فانه لا يتجاوز منذ وفاته بضع سنوات ، وما أحق أمثالهما بالالتفات والعناية . . والتقدير رحيمهما الله واحسن جزاءهما على ما بذلا من جهود تقادم عليها الزمن ، وضمهما الكفن

" فان الله لا يضيع اجر المحسنين "

- ٨٢٠ - الادب المكشوف أو العادى

قرأت لسيادة الاديب الكبير والصديق العزيز السيد عبيد مدني حفظه الله ما كتبه في " المنهل " الاغر . . تحت عنوان : " اللغة العربية بين الماضي والحاضر ، . . وقد اغتبطت كثيرا بما أفاض فيه يراعه السلس ، بالعدد الاخير الممتاز من مقارنات وأراء سديدة . في هذا المجال الذي لا بد للباحث

فيه من تمكن وتضلع في اللغة وآدابها وتطوراتها . . وشفى نفسي وأبرأ سقمها ما أورده من الكلمات المحدثة . . ذات المدلولات الجديدة ! وكان مماتحدث عنه سيادته ) كلمة الادب ( وسرد ما تدل عليه قديما وحديثا - وكأني به - وهو القدوة الحسنة - في الادب الرفيع ، قد تحرج ان يدرج في حديثه هذا - ما اصطلح عليه المتأخرون من اطلاق كلمة الادب حتى على ما هو في حقيقته . . خلاعة وتبذل ، وتحلل وانطلاق فيقولون انه " الادب المكشوف " ! ! وأراه على حق في اهماله - كليا - لانه لا ينبغي ان يضاف الى الادب ما ليس منه ، وما أرى من حجة لهؤلاء الا انه انما يعالجه اصحابه بحروف والفاظ وكلمات عربية . . ليس غير ! ولا أنكر ان في أسفارنا القديمة أشكالا منه شتى ! ! قد تبلغ حد الانكار حتى على الذين دونوها . . الا انهم قد خرجوا من اللائمة - بعضا او كلا - بعدم ادعائهم أنها من الادب . . وانما هي ) المجون ( والدعايات والنكات . . والتفريج . . أحيانا . . واني لاقدر لسيادته الغاءه هذا الضرب من باب ) الادب ( . . فما ينبغي أن يضاف اليه الا ما يدل عليه . . شرعا وأخلاقا . . واستزيده من هذه الفرائد ، وكم له من مخبات أبكار ، ومحبرات وآثار ؟ ونطمع ان يمنحه الله العمر الطويل والصحة والعافية ليبرز هذه المخدرات . . مع ) تاريخ المدينة المنورة ( فانه بما درس ولابس من احداث هذا القرن الرابع عشر الهجري خير من ينهض بهذا العبء الكبير ، وهو بذلك أثير وبه جدير اعاننا الله واياه وكل ذي بيان على أداء الواجب لهذا الوطن المقدس

- ٨٢١ رباط الرقبة والدكتور طه حسين

هذا الدكتور اشهر أن يعرف . . وقد درس في ) الازهر ( ونشأ فيه ثم في جامعة ) السوربون ( بباريس . . وقد اتسعت آفاق معرفته وأصبح عالميا . . ونال جوائز كبرى وشهادات عليا . . وطبق صيته المحافل والاوساط العلمية والادبية وتخصص في الآداب اللاتينية . . وشغل منصب العمادة في الجامعة المصرية ووزارة المعارف بمصر ، وله معارك فاصلة في المجلات الادبية والتاريخية . . واشتبك مع رجال أفذاذ من نوابغ بلده ) مصر ( . . ولسنا بصدد ذلك الآن ، وانما الذي أحب ان اشير اليه من ) مذكراته ( " انه نعى على الغربيين بعض ما اصطنعوه من عوائد او تقاليد او ازياء فقد قال في بعض صحائف مذكراته وهو يقص المشاق التى كابدها وعانناها - في دور الطلب - في فرنسا : " واتخذ الفتي اي هو زي الاوروبيين ، وما أسرع ما تعلم الدخول فيه والخروج منه الا شيئا واحدا لم يحسنه اعواما طوالا وهو هذا الرباط السخيف الذي يديره الناس حول اعناقهم ثم يعقدونه بعد ذلك من امام ، عقدة يتأنقون فيها قليلا او كثيرا " .

قلت : وهذا مثل نسوقه على ان ما يصلح ويروج في بلد ما قد لا يستذوقه او يرتاح يه بلد آخر . . لا في الازياء فقط . بل وفي لاطعمة . . والأغاني والعادات والتقاليد وليس حتما على الناس أن يتخذوا ما لا رضونه من غيرهم .. وما لا مبرر له

عندهم . . ولا تعودوه ولا استحسنوه ! وان طلب العلم والمعرفة . . لا يستتبع الانصهار فيما عداهما . . من اسباب المظاهر ) السخيفة ( كما قال ، ولفت نظري من كتابه هذا انه رغم ) آفته ( التي كثيرا ما أرمضته وآلمته . . كان مستقل التفكير - بعيد النور حريصا على أن لا ينكر ما لهذا الشرق من خصائص يتميز بها في حضارته وأخلاقه وأزيائه وكل ما لا يتنافى مع العلم والادب الصحيحين ، فان العبرة بما يمخض ويستخلص منه ) الزبد ( لا أن يتحول المرء الى جرم غريب ! لا يتفق مع جو بلاده - ولا أمزجتها . . او أذواقها ولا ريب انه ) مثل رائع ( في احتمال أعظم المشقات وافدح الاثمان ابان تلقيه للعلم . . وفيما عدا ذلك فانه كبشر ! ) فهل من مدكر ( ؟

- ٨٢٢ - البحبحة

اصدها لغة : كما هي اصطلاحا . . رغد العيش وخياره . . وبحبوحة الدار وسطها ويستعملها البعض بمعنى الافضاء بالسر الى الصديق . . أو الاصدقاء والتبسط في الحديث دون تحرج . . وما في ذلك من بأس ما لم يتحول الى تصحيفها . . بالنون ) من فوقها ( ! مكان الباء او ان تبدل الجيم بالخاء وما أيسر ذلك على ذوى الالمية والذكاء . . وكفانا الله شر الغباء !

- ٨٢٣ - مضغ العلك !

من اخبار اشعب انه سئل مرة : هل رأيت احدا قط الطمع منك ؟ قال : نعم ، كلبا يتبعني أربعة أميال على ) مضغ العلك ( ! قلت : وعجبت ان العلك الذي كان يمضغه اشعب - قبل الف وثلثمائة سنة . . بقي عادة

في مدن الحجاز . . حتى الآن وان قل مضغه في الاكثرين من رجال ونساء وولدان وأبدل بخير منه . . من البان واللبان والحلوى ذات الطعوم والالوان ! . . وما برح يستورد حتى الآن ، ويعرض في واجهات كل دكان . . وهو على كل حال خير من مضغ الماء !

وأفضل منهما : التسبيح والاستغفار . . و " كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان : سبحان الله ويحمده ، سبحان الله العظيم " .

- ٨٢٤ - بدنة ( المدينة المنورة و ( بدنة ( الجوف الشمالى

قال التقي الناسي في العقد الثمين : " سرية بدنة " وارسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى ) بدنة ( على أربعة اميال من المدينة في شعبان اي سنة سبع من الهجرة في ثلاثين راجلا . . فلم يلق بها احدا

قلت : ان ( بدنة ) هذه . . وبهذا التحديد ليست ) بدنة ( الجوف الشمالي القائمة على طريق ) التابلاين ( - خط الانابيب - وهي في عصرنا هذا محطة هامة جدا . . ومركز حكومي كبير . . ولعل الاستاذ الكبير صاحب المنهل الاغر - وهو صاحب القدم الراسخة والباع الطويل في الآثار عامة وآثار المدينة المنورة خاصة يدلنا على ) بدنتها ( هذه . . وهل لا تزال بهذا الاسم ؟ وعادة ام غامرة ؟ وله الشكر سلفا . ) ١ (

اشترك في نشرتنا البريدية