الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

شذرات الذهب

Share

                      - ١١٧٢ -                    من أدب القرن العاشر                        بمكة المكرمة    قرأت هذه القصة القصيرة .. ووجدتها ذات مغزى هادف مفيد .. فأوردتها من تاريخ مكة المكرمة ، ( الخلاصة ) حيث جاء فيه ان الشريف حسن بن أبى نمى ٩٣٢ - ١٠١٠ ه أمير مكة آنئذ .. وكان ذا فضل باهر وأدب غض ، ومحاضرة فائقة واستحضار غريب ! كان فى مجلس تصدر فيه بعض الناس على بعض بنى عمه عيه ، فظهر اثر الغضب على ابن عمه ، ففطن له الشريف حسن ، فقال : انه ليقودنى إلى العجب ، ويهز من عطف اريحيتى ساعد الطرب قصيدة ابي الطيب المتنبي التي أولها :

فؤاد ما يسليه المدام

     وعمر مثل ما يهب اللئام

فتسلى بذلك ابن عمه ، وتبسم وجهه

بعد القطوب لانه علم تلميحه الى قوله فيها :

ولو لم يعل الا ذو محل

     تعالى الجيش وانحط القتام

قلت : وفى ذلك اقوى دليل على ان البيئة المكية فى ذلك العصر . . كانت شديدة التعلق بالادب العربى الحى القديم الممتاز .. وفيها أفذاذ من الرجال ذوى الاطلاع والاحاطة بروائعة .. وبدائعة .. حتى الذين كانوا مشغولين بغيره من المهام الكبرى والمصالح العامة أو الخاصة لا كما يظن بعض المعاصرين انهم كانوا - يعانون من ادوار الانحطاط الادبى - فهم بهذا الشاهد ازكن وأفطن من كثير من المعاصرين المتخصصين والمتعالمين المتشدقين فما يكاد يعرف مثل هذا الا فى العصور الذهبية الاولى .. والله أعلم ..

                       - ١١٧٣ - العملة الدارجة بمكة ١١٤٠ ه    قال في تاريخ ( مكة ) - الخلاصة - أن سنة ١١٤٠ ه كانت من أرخص السنين لكثرة الأمطار .. قال العلامة الرضى في تاريخه : (( اشترينا ( البر ) الهميس بالطائف ( الكيلة ) بأربعة ديوانية ونصف وخمسة ديوانية . والنقرة الصافية بسبعة ديوانية . والشعير بديوانيتين ونصف ، والعسل ( الرطل ) بأربعة ديوانية . والتمر بديوانى ونصف . والزبيب النعانى بأربعة ديوانية . والفواكه كثيرة جدا رخية الى الغاية .

أما عن العملة الدارجة آنئذ فهى المشخص والاحمر والريال .. وصرفها كالآتي : ( القرش ) بأربعين ديوانيا .

( الاحمر ) بقرشين . ( المشخص ) بأربعة قروش . ( الريال ) بقرشين وثمن .

قلت : ومعنى ذلك ان المشخص الذى هو بمثابة ( الجنيه ) اليوم يساوي ١٦٠ ديوانيا .. وان قيمة الرطل من العسل أربعة ديوانية ، أي أن المرء يشتري بمشخص واحد ، أو ( جنيه ) واحد : أربعين رطلا من العسل ، أى نحوا من ( ثلاثين كيلو ) على الأقل أو اكثر .. واليوم فانه باعتباره أربعين ريالا ، فانه لا يمكن أن يشترى به من السل نفس الكمية الا بما يساوي ٤٥٠ ريالا إذا كان سعر الكيلو كما هو الآن ١٨ ريالا . . وهكذا تقاس أسعار الأغذية الاخرى . .

هذا بالنسبة لما كان قبل ٢٥٠ عاما خلت! أما ما أدركناه قبل ٦٠ سنة بمكة فان أردب الحب - وهو ستون كيلة من المغربى الممتاز- كان يباع في ( أوصال الجراية ) بسعر ثلاثة ريالات الى أربعة أو خمسة، أى نصف جنيه عثمانى .. وتستطيع أن تملأ (زيرا مغربيا) من الجبن الممتاز وهو يستوعب ٥٠ ( منا ) بخمس من الريالات فقط . . ولا تستطيع ذلك الآن بخمسين ضعفا - وهي مقارنة لمجرد الذكرى . . ونسأل الله الغيث والرحمة والبركة والهداية والصلاح .

                     - ١١٧٤ -                من هو (( الشيخ محمود ))                           بجرول     في أول ( الملف ) وأمام البازان المسمى ( أم قبة ) أو رأس مفترق الطريق الى ذى طوى - والزاهر - والحجون - بمكة - يمينا

من جهة جرول - والى درب جدة - يسارا - كانت ثمة ( مقبرة ) دفن فيها الكثير من المجاورين . . وكان يطلق عليها ( مقبرة المهاجرين ) . . واحتوت أيضا على رفات عدد من أمراء مكة المكرمة في العصور الخالية قبل الانف وبعدها . . وقد انمحت الآن ولم يعد لها عين ولا أثر . . وأعرف ان الدفن فيها كان مستمرا الى عام ١٣٣ ه . وقد شهدته ، وشاركت فيه في العصر العثمانى ، ثم تقاصر واضمحل .

ويطلق الناس على هذا الموضع كله : (( الشيخ محمود )) .. ولو ذهبت تسأل الجميع عمن هو هذا الشيخ محمود ؟ لما استطعت أن تتلقى اجابة صحيحة شافية كافية . . وكان من القوم من يقول لك انه الامام (( محمود الزمخشرى )) صاحب تفسير الكشاف ، وانه مدفون ثمة . . حتى عرفت بالاستقراء انه توفي فى غير مكة من البلاد .. فواصلت البحث عن هذا ( المحمود ) - وقد ظفرت به في تاريخ لمكة المكرمة . .

(( وخلاصة الكلام )) حيث تبين انه الشيخ محمود بن ابراهيم بن أدهم الزاهد المشهور . . وقد ظفرت بذلك عرضا أثناء المطالعة . . فبادرت باثباته لمجرد التنوير حيث ما يزال هذا الاسم يتردد على ألسنة العامة والخاصة بأم القرى حماها الله، ومنه يعرف ان ابن أدهم هذا هو المدفون في هذه الجبانة القديمة .

                - ١١٧٥ -                  ( حب الفنا )               و ( جبل الفنة . . )     في بطن مكة المكرمة - يقوم جبل عظيم في محلة الشبيكة يشرف على ما يسمى غربا

بالطندباوى (( أو الطنبدأوى خطأ )) وما يطلق عليه اليوم شارع المنصور ويشرف على منطقة ( الحفاير ) وعلى ( وادى ابراهيم) كله الى (( المعلى )) من فوقه . . ويعلو عن ( جبل عمر ) فيكون دونه كالسفح . . وقد تبحر فيه العمران وامتد الى قمته ومن حواليه الآن . ويسميه أهل مكة القدامى ( جبل الفنة ) ، ولم أدر ما هى ( الفنة ) حتى قال لى المسنون منهم أنها ( نار توقد للاعلام أو الايذان بدخول الاعياد ) في القرون الماضية ، ولم أجد نصا على ذلك فى تواريخ مكة .. وفى قراءة عابرة لكتاب لأبى الفرج قدامة بن جعفر ، فى نقد الشعر ، وهو المتوفي سنة ٣٣٧ ه فى العصر العباسى استوقفنى بيت أورده من قصيدة :

( لزهير بن أبى سلمى ) :

كان فتات العهن في كل منزل

    نزلت به ( حب الفنا ) لم يحطم

وبدا لى ان هذا الجبل المشار اليه آنفا لعله كان مما ينبت فيه ( حب الفنا ) وهو حب تنبته الارض أحمر .. والعهن : هو الصوف الاحمر . . ولهذا سمي به ومرت القرون عليه وتداولته الألسن .. مع التحريف .. كما هو في غيره من الألفاظ المشتركة !! وذلك لعدم تبين أصله في نص صريح .. فهل يرى ذلك أستاذنا الانصارى؟ فاننى لم أظفر في اللغة بما يدل على صحة ما ذهب اليه القدماء من أنه جبل ( الفنة ) وانها تعني النار التى توقد فى رأسه وان كنت أدركت قبل خمسين عاما اشعال النار فيه كل ليلة جمعة وذلك من قبل ( عبيد الموارد ) الذين كانوا يقيمون فيه ما يسمى ( بالطنبرة ) من بعد العشاء حتى الصباح وبطبول وصبيحات مقلقة مزعجة .. يتردد صداها في أخاشب مكة - ويتجاوب معها

مثلها من شعاف جبل قرن ، من سلسلة ( قعيقعان ) .. هذا إذا لم تكن الكلمة ( زنجية ) المورد معهم .. والله أعلم .

                   - ١١٧٦ -                  ( اللاذ ) مرة اخرى       تحدثت فى شذرة سابقة إلى ما نبهني اليه الأديب الكبير الأخ الاستاذ عبد العزيز الرفاعى - حفظه الله - عن كلمة ( اللاز ) وانه هو (( اللاس )) الذى عرفناه منذ زمن قريب .. وهو نوع من القماش الذى تتخذ منه الأثواب و ( الشايات ) و ( الأكوات) .. وأيدته في رأيه هذا وأوردت عليه دليلا من الشعر العربي القديم .

وظفرت أخيرا بهذا البيت الذى يرجع الى أكثر من ألف سنة أو تزيد .. وهو قول أبى عبادة البحترى :

متعود لبس الدروع تخالها

   فى البرد خزا - والهواجر ( لاذا ) ؟

( الحاتمى )

قلت : وزادنى هذا البيت معنى جديدا -وهو ان اللاذ رهيف خفيف وانما يستعمل في فصل الصيف وحمارة القيظ والهواجر . . بينما المعروف في ( اللاس ) الذى أدركناه أنه ( حار ) ويحسن استعماله وارتدؤه في الشتاء . . ولعله من قبيل التطور في المنسوجات . . وربما كان منه النوعان . . و ( ليس الخبر كالعيان ) !! وقد طويت صفحته مع ( الكتان ) !

                    - ١١٧٧ -               ( العلق - قديما وحديثا عرفنا أن هذه الكلمة في اللغة الفصحى

- تدل على كل ما يعلق به القلب أو يكون شيئا نفيسا يعلق - لنفاسته ، ومن ذلك تسمية القصائد المذهبة بالمعلقات . . أو قول الشاعر :

علقتها عرضا - وعلقت رجلا

       غيرى ! وعلق أخرى غيرها الرجل

ثم تطورت حتى أصبح لها مدلول كريه لا يرضى به من يحترم نفسه ، فاذا نعت به غضب . . واكفهر ! . . وحق له ذلك بعد أن لبست ثوب التحقير والازراء ، والشتم والايذاء !

وتعقبت كثيرا أسباب هذا البلاء الذى نزل بها فلم أجده الا في الاصطلاح المتداول، والمفهوم المعلوم المتعاطل ، ومصادفة وجدت ( صلاح الدين الصفدى ) قبل نحو من ٧٠٠ سنة ه. يقول في قصيدته السينية .. التى ينكر فيها استعمال غريب اللغة .. ( انما الحيزبون والدردبيس ) . .

أترانى ان قلت للحب .. يا علق

             درى أنه العزيز النفيس ؟؟

    ولذلك أدركت أن القوم كانوا يرتابون منها . ويتأبون منذ قرون طويلة أن ينعتوا بها . . لغلبة دلالتها على ما يسوء في الاوساط العامة والخاصة . . وانها كالخبيص الذى كان من أجود أنواع الحلوى فصار مثلا للاختلاط ( والخربطة ) والفوضى .. ولهذا يجب التنزه عنها فى الاستعمال ، ما دامت قابلة للوجهين ، و ( دع ما يريبك الى ما لا يريبك ) .

                 - ١١٧٨ -                   تطور التطريق    عندما كانت شوارع مكة وأزقتها تعج منذ الصباح الى المساء بأفواج من ( الحمير )

التى تنقل عليها مؤن العمائر .. كالحجار والحداد والنورة والتراب ، بأعداد وفيرة - وذلك قبل استخدام ( السيارات القلابة) . . كان يلازم كل فوج منها سائق أو سائقان أو أكثر - يرفعون عقيرتهم بين يديها وأمامها ومن خلفها بقولهم : ( طريق . . طريق ) .. لتنبيه المارة حتى لا تصدمهم وتؤذيهم . . فأما ما يستخدم منها لمجرد الركوب فقط .. فكانت لها (( جلاجل )) تناط الى رقابها يسمونها ( الكشحة ) . . وكلما تحرك العير أو الحمار . . سمعت لها أصوات تحمل الغافل على الابتعاد عن طريقها . .

وقرأت في الادب القديم : ان أبا العيناء وكان ضريرا . . زحمه رجل على الجسر في بغداد راكب على حماره . . فضرب أبو الصفياء على أذنى الحمار وقال له : يا فتى قل للحمار الذى فوقك يقول : (( الطريق )) . . فقلت ان التطريق الذى أدركناه كان معروفا من القرن الثانى والثالث الهجرى بصورته التى شهدناها ثم سكت . . بعد (( أبواق )) السيارات .. ولكل زمان ما يلائمه من الاسباب ولعل فيما يقبل من الايام من الوسائل ما يعفى على الجديد حتى يعود قديمة . . ولا محيص من التطوير .. ( والى الله المصير ) .

- ١١٧٩-           كلمات لا بد من ترجمتها    تنشر الصحف والمجلات العربية الداخلية والخارجية - مقالات وأبحاث مستفيضة لا تخلو من كلمات أجنبية غير معروفة أو مفهومة لدى جمهرة القراء - من غير أولئك الذين درسوا في الجامعات . . وحذقوا بعض

اللغات . . وضربوا بسهم وافر في الفنون الحديثة . . وطالما تسالعت وتساءل كثير غيرى عن مدلولات تلك الكلمات غير العربية - أو المترجمة - واعتمدت في الاجابة عنها على ما توهمه الخاطر . . أو قدره الظن =  يخطئ ويصيب = ، ومن ذلك :

١ - الكوميديا . ٢ - الانسكلوبيديا . ٣ - التقنية . ٤ - الاستراتيجية . ٥ - المكيافيلية . ٦ - التول . ٧ - الديكور . ٨ - الطرطور . ٩ - الفلكور . ١٠ - الدكتور . ١١ - البلكونة . ١٢ - التلسكوب . ١٣ - الرومانسية . ١٤ - الكلاسيكية ١٥ - الايدولوجية . ١٦ - الامبريالية . ١٧ - الأوتوماتيك . ١٨ - التكتيك . ١٩ - الجنتلمان . ٢٠ - الأتيكيت . ٢١ - الدبلماسية . ٢٢ - الجرامفون . ٢٣ - التلفون . ٢٤ - التلفزيون . ٢٥ - المرمطون .

الى غير ذلك مما لا يكاد يحصى . . مما يتصل بالعلم والفن والادب والاجتماع . . ومع أن كل كلمة منها قد عرف مدلولها ( عمليا ) في الأجهزة الآلية .. مشاهدة

وتطبيقا . . ولكن بعضها ذو مفهوم معنوى غير ملموس . . ويقف القارئ منه حائرا يتلمس ما يروي غليله لادراك مغزاه ومعناه، فان من واجب أولئك المحيطين بهذه المعلومات أن يصدروا بين حين وآخر (( نشرات أو كتيبات دورية )) دائمة . . تسير مع كل تطور جديد ، ولفظ عتيد تكون ( دليلا ) أو ( منجدا ) للقراء . . ويحتوي على ترجمة أو تعريب كل كلمة طارئة ، إذا أمكن ذلك، أو جمع ما عرف منها وشاع استعماله حتى الآن في ( مؤلف ) كبير .. يتولى القيام بها ( أهل الذكر ) أو المنمكنون في اللغات الحية الاخرى التى تمت اليها هذه المصطلحات الحديث منها والقديم .. حتى يكون الناس على بصيرة من كل ما تعنيه مهما دق وجل وهو عمل انشائى عظيم لم يسبق اليه في كافة الاقطار العربية حتى الآن كما أظن .

انه اقتراح - أتمنى أن يجد من ينهد اليه ويعطف عليه .. ويحققه من أرباب القلم وأعلام البيان .. فهو ( جديد ) كل الجدة . . ويتلهف على الظفر به جميع القراء .. فما فى اللغة العربية حتى يومنا هذا كتاب يجمع متفرقه ، ويضم أشتاته ، ويكشف عن المجهول منه والمعلوم .. وسيجد مثل هذا الكتاب الجامع رواجا كبيرا ، فان هذه الكلمات المستحدثة ، لم تكن - قبل هذه الحقبة ، معروفة في الاوساط العربية عامة . . ولست أرى في ذلك حرجا أو صعوبة على من ( علموا ) على أن فيه كل الفائدة لمن ( جهلوا ) .. فهل الى ذلك من سبيل ؟

اننى لأرحو أن تتضافر الجهود على ذلك

مبادرة .. وعسى أن يفضل سيادة أستاذنا الكبير العلامة التحرير ( صاحب المنهل الأغر ) ليؤيد هذا الاقتراح .. ولولا العبء الكبير الذى يحمله وينهض به في رسالته العلمية والأدبية والاثرية في مجلته التى هى من ذخائر الادب الرفيع ، لوجهت اليه قبل أى شئ آخر ، هذا الرجاء .. فقد قام بتحقيقه فعلا في بعض الظروف ونشر في نفس المجلة قسطا وافرا من الترجمة والتعريفات، لما تيسر له بحثه وتحقيقه في نطاق الامكانات المحدودة . . جزاه الله خير الجزاء .

على اننى لا أجد بدا - مع ذلك - من التقدم اليه بالرجاء ، بأن يتابع جهوده فيما بدأ به .. فيفرد لذلك من المجلة صفحة واحدة من كل عدد ، يتعقب بها ترجمة وتعريف كل لفظ جديد يطرق الأسماع ويملأ الرقاع يوميا من مبتكرات الحضارة الحديثة .. فانه لاغنى عن ذلك البتة ما دمنا مضطرين الى استعمالها واصطناعها . . ويعد ذلك كسبا عظيما - للغة الضاد - وثروة جديدة تضاف الى كنوزها الثمينة ، وانه لفاعل ذلك ان شاء الله وهو به جدير . . والله ربنا ونعم المولى ونعم النصير (١) .

اشترك في نشرتنا البريدية