الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

شذرات الذهب

Share

١٢٠٠ -           من فصيح العامة               ( أشوى )    روى أبو القاسم عبد الرحمن بن اسحاق الزجاجى المتوفي سنة ٣٤٠ ه في أماليه النادرة الآتية قال : (( كان معاوية بن أبى سفيان وابن الزبير يتسايران فأبصرا راكبا ، فقال معاوية : هو فلان ، وقال ابن الزبير : هو فلان ، فلما تبيناه كان الذى قال ابن الزبير ، فقال معاوية : يا أبا بكر ، ما أحسن هذه الحدة مع الكبر ! قال : برك يا أمير المؤمنين ( أى قل بارك الله عليك - وهي عبارة كانت تقال لدفع العين ) . فسكت ، فقال له الثانية : برك . . فسكت وضحك ، قال ابن الزبير : ما أحسن هذه الثنايا وأطرأ هذا الوجه مع طول العمر وكثرة الهموم ! فقال معاوية : برك ، فسكت يقولها ثلاثا ويسكت ابن الزبير ، ثم افترقا فاشتكى ابن الزبير عينيه حتى أشرف على ذهابهما ، وسقطت ثنايا معاوية . . فالتقيا في الحول

الثانى ، فقال له : يا ابا بكر ، انا ( أشوى ) منك - ( أي أكثر حظا منك في الاصابة بالعين - وأنا أقل ضررا منك ) ا ه .

قال ثعلب : هو من قولهم : رماه فأشواه اذا لم يصب مقتله . ا ه

قلت : وفى هذه القصة مع التهذيب والتأديب دليل على بقاء هذه الكلمة في الاستعمال كما هى بمعناها العربى الفصيح الصحيح الى يومنا هذا يتداولها العامة والخاصة ، والرجال والنساء ، بمدلولها القديم ، دون أى تحريف ، وكثير أمثالها في الكلام الدارج . . وذلك هو الأصل المفروض أن لا يعتوره أي تبدل أو تحول ، لولا انه اصبح غريبا لشيوع العجمة واللحن والدخيل .

               - ١٢٠١ -                هذا هو الرجل      جاء في معجم ( ياقوت ) عن الأبرى ما نصه : (( قال اسحاق بن راهويه : (( كنا عند سفيان بن عينية نكتب أحاديث عمرو ابن دينار ، فجاءنى أحمد بن حنبل ، فقال لى : قم يا أبا يعقوب حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله ، فقمت ، فأتى بى فناء ( زمزم ) فاذا هناك رجل عليه ثياب بيض تعلو وجهه السمرة ، حسن السمت ، حسن العقل ، وأجلسنى الى جانبه ، فقال : يا أبا عبدالله . هذا اسحاق بن راهويه الحنظلي ، فرحب بى ، وحيانى فذاكرته فانفجر لى منه علم أعجبنى ، فلما طال مجلسنا قلت : قم بنا الى الرجل ، قال : هذا هو الرجل ، فقلت : يا سبحان الله ، قمت من عند رجل يقول : حد بنا الرهرى . فما توهمت الا أن تأتينا

برجل مثل الزهرى أو قريب منه ، فأتيت بنا الى هذا ( الشاب ) . . فقال لى : يا أبا يعقوب اقتبس من الرجل فانه ما رأت عيناي مثله )) ا ه .

قلت : وما كان هذا ( الشاب ) الذى وصفه الامام أحمد بن حنبل الا الامام الشافعى رضى الله عنهما . .

وهكذا - لا يعرف الفضل الا ذووه . . وكذلك كان العلم زينة الشباب . . فهل لأجيالنا الصاعدة من عودة الى هذه الامجاد الباسقة ؟!

الا انه لا سؤدد ولا شرف ولا امتياز ولا تقدم ولا كرامة ولا اعتزاز الا بهذا ( العلم الدينى ) يهدى به الله عباده الصالحين .

وهو ما يجب أن يحرص عليه ويتنافس فيه شباب ( مكة ) خاصة - وحول ( فناء زمزم ) .. وهل من ينشد قول الشاعر القديم :

ورثناهن عن آباء صدق

    ونورثها  اذا  متنا  بنينا

اللهم انك القادر على كل شىء .. فهب لنا من أمرنا رشدا فانك نعم المولى ونعم النصير .

وبارك الله فيمن نسج على منوال السلف الصالح ، وحفظ بهم تراث السابقين الاولين في هذا البلد الامين ، وسائر بلاد المسلمين .

            - ١٢٠٢ -               شجر الدوم    روى أبو عبيدة ، أبياتا للحاجب بن زرارة، أحد شعراء نجد يقول فيها :

شتان هذا والعناق ، والنوم

       و( المنهل ) البارد ، في ظل الدوم

فسمع الاصمعى بذلك ، فقال : (( كذب أبو عبيدة ، انما هو : المنهل البارد في الظل الدوم ، أى الدائم . وأما قوله في ظل الدوم . . فمعناه في ظل شجر الدوم ، وشجر الدوم ينبت في الحجاز ، والشاعر نجدى ، وليس لأهل نجد شجر الدوم )) ا ه

( نزهة الالباء )

قلت : وأغلب الظن ان شجر الدوم هذا انما ينبت في جنوب الحجاز التهامى (١)  .. وكان أغلب السقوف بمكة المكرمة من ( عيدانه ) أو اعواده ذوات الشعبتين . . وما تزال بعض دورها القديمة . . تحتفظ به منذ قرون عديدة . وهناك بيتان لعمر بن أبى ربيعة يقول فيهما :

سقي سدرتى (أجياد) فالدومة التى

    الى الدار صوب الساكب المتهلل

هنالك لو انى مرضت لعادنى

    كرام ومن لا يأت منهن يرسل

مما يدل على أن الدوم أيضا من شجر مكة قديما ، أما انه لا ينبت في (نجد) فذلك ما يدل عليه عدم استخدامه في عمرانها القديم .. ولعل سيادة البحاثة العليم الاستاذ الجليل الشيخ عثمان الصالح يتناول بيان ذلك

مشكورا في احدى خواطره الشائقة ، ان شاء الله .

- ١٢٠٣ -                اصطلاح طبى قديم         اذا تناول أحدهم ( مسهلا ) قال : ( جانبى مجلسين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل ) . . فمن أين جاءت تسمية ذلك بالمجلس ؟

قرأت فى كتاب : ( أخبار العلماء - بأخبار الحكماء ) للوزير القفطى المتوفي سنة ٦٤٦ ه - قوله في ترجمة الطبيب (عبدوس بن زيد): (( ولما اعتل القاسم بن عبيدالله في حياة أبيه وكان به مرض حاد في تموز وحصل به ( قولنج ) صعب ، وانفرد بعلاجه عبدوس ابن زيد وسقاه ماء الكرفس والرازانج ودهن الخروع وطرح عليه شيئا من أيارج ، فلما شربه سكن وجعه وقلقه وجاءه ( مجلسان )! وأفاق ثم أعطاه من غد ذلك اليوم ماء الشعير فاستظرف هذا منه )) ا ه .

قلت : والمراد من ايراد ذلك ليس ( الوصفة ) للقولنج والحرارة وعلاجهما .. وانما هو الشاهد على ان كلمة ( مجلس ) انحدرت الى الناس من القرن السابع الهجرى وما قبله وحتى اليوم ولا تتميز الا بالقرينة. ومع ( السنامكى ) و ( والهليلج ) و ( الملح الانكليزى ) .

    - ١٢٠٤ - (( ذنبك على جنبك ))

وهذه الجملة . . تتردد يوميا . . وباللهجة العامية أيضا دون مراعاة ما يجب نصبه أو رفعه ..  أو خفضه ! وهى غاية في الايجاز .. والبلاغة والاعجاز . .

وأصلها في الفصيح الصحيح (( قوله تعالى : ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها )) . .

وهى على عاميتها - لا تخلو من التذكير، والتحذير ، وتزيد عليهما - المقت والنكير . ويقابلها المثل العامى بمعناها :

(( الحجر من الارض - والدم من رأسك ))

على اختلاف كبير بينهما من حيث الوعظ والاعتبار . . فتلك أوقع في النفس وأشد في الانكار . . وأدعى الى الانابة والاستغفار . . ومن هنا نستطيع أن ندرك بسهولة ان القدماء جزاهم الله خيرا .. قد درجوا على الادب الشرعى .. وتخلقوا به ودعوا اليه .. لا في الرجال فحسب ! بل وبين ربات الحجال ، اللواتى كن متأثرات بالعلم الدينى والادب النبوى . . وما زالت كبيرات السن منهن ، بهذه الخصال . . ويتمنين أن يرين أخلافهن متزينات بها في كل مجال .. سواء منهن من سكن السهول - أم من احتضن القمم والجبال . . وهن لعمر الله ثمرة العصور الخيرة ، والعناصر الطيبة ، وركائز الصلاح ، وميراث الأجيال ، وبهن البركة ولهن التكريم والامتثال .

- ١٢٠٥ -         احنا - وانتو شىء ، واحد     جملة عامية . . يقولها المجامل لجاره أو صديقه . . أو ضيفه . . بهذه الصيغة المطلقة . . المتداولة . .

وقرأت في شعر عمر بن أبى ربيعة نفس الجملة تقريبا قال :

انما  أهلك  جيران  لنا

    انما  نحن  وهم  شىء  أحد

فكأنما هى عميقة الجذور ، من قبل أربعة عشر قرنا ، في هذا (( البلد الامين )) يتداولها أهله في مناسباتها وملابساتها .. بالنص والفص . . فهى ذات نسب عريق ومعنى دقيق ، ولا تقبل الزيادة ، ولا النقص ، وادراجها في ((الشذرات)) انما هو على طريقة ( حكاية المقص ) : ( كلمتين وبس ) .

         - ١٢٠٦ -           ضع - ضع            واخ - اخ      أنشد الاصمعي : قلن : اتضعت ، فقالت : لا ، فقلن لها فكيف تقوين يا سلمى على الجمل

قال المبرد في كتابه (( الفاضل )) اثر ايراده هذا البيت :

زعموا ان المؤدب من الابل يقال له :

(( ضع ضع )) فيطئطىء رأسه ليركب

يقول : وأنت لو لم تفعلى ذلك ما قدرت على ركوبه ! واتضعت افتعلت من الوضع ))                                           اهـ

قلت : أما ما سمعناه حين يراد من الجمل أن يركب . . فهو (( اخ . . اخ )) - بكسر الالف وسكون الخاء سواء أكان ذلك ليبرك ، أم ليصعد عليه . . فأما ((ضع،ضع)) فقد تكون من اللهجات التى تختلف في القبائل ، أو من المترادفات . . أو من فصيح لغة الجمال أو هى خاصة بالمؤدب منها . . دون الأرعن أو الطائش ، وما يضطر لذلك أهل الحضر فيما شهدناه وجربناه . . فقد كانوا يضعون السلالم على رقاب الابل للصعود الى (( الشقادف )) . . فأما أهل

البادية . . فانهم يقفزون اليها قفزا ويثبون عليها وثبا . . وهى (( عري )) من القتد والشداد ، وقد شهدت فتيات من أهل الاخبية فيما بين مكة والطائف والزيمة والسيل يركضن وراء السائمة من الابل ويقتعدن أسنمتها في لمح البصر .. (( سقاهن الحيا . . وزانهن الحياء )) .

- ١٢٠٧ -              ما كانت في حسابى    . . . وهذه جملة دارجة رائجة عتيقة منذ أكثر من ثمانية قرون وهى تستعمل منذ ذلك الحين حتى الآن بالنص أيضا .. وقد قرأتها في ( الحلة السيراء ) لابن الأبار ٥٩٥-٦٥٨ ه .

قال - وهو يترجم لرفيع الدولة بن المعتصم - وله :

اذا ما الامر أخفق فيه سفي

    وضاق صرامه من كل باب

فلا تقنط ، فان الله يأتي

    بفتح لم يكن لك في حساب

قلت : وأحسبها حافظة مكانتها في التداول الى يوم الحساب .

- ١٢٠٨ -              يا أخى لا (( تردن ))    ( الردن ) - بفتح الراء - وعند العامة والخاصة في زماننا ، وفي التداول العام ، لا يعنى الا تكرير الكلام وترديده مع الازعاج والانزعاج أو السخط والغضب والتكره !

وحقيقته اللغوية انه (( صوت وقع السلاح ببعضه على بعض )) كما ورد ذلك فى لسان

العرب : قال الامير الحكم بن هشام الربضى ٢٠٦ ه :

غناء صليل البيض أشهى الى الاذن

من اللحن في الاوتار ، واللهو في الردن

وأقول : انه بهذا التقدير والاعتبار يكون استعماله أول الامر على أن ترديد الكلام بتلك الصورة ، يشبه (( صوت وقع السلاح بعضه على بعض )) من حيث الصدى والصوت . . ولا يستعمل السلاح عادة الا في حالة الحرب أو الغضب والاستياء ! ومن هنا اصطبغ بهذه الحالة النفسية ( مجازا ) . . وما أبعده عن المعنى الآخر الذى هو في أخيه (( الردن )) - بضم الراء - وهو ما يزيد من أكمام الثوب . . كالثياب التى كانت تسمى ( بالمحرورة ) وتنسدل من السواعد والأعضاء الى ما تحت اليدين وتعقد أحيانا عند اللقاء من خلف الرقاب والأجياد ! وقد أخذت في الانقراض بعد أن أدركناها في أزياء أهل البادية الى عهد قريب !

- ١٢٠٩ -               الديباج الخسروانى قال اسحاق الموصلى : أنشدت الاصمعى :

هل الى نظرة اليك سبيل ؟

        فيبل الصدى ويشفى الغليل

ان ما قل منك يكثر عندى

       وكثير   ممن   تحب   القليل !

فقال : هذا والله الديباج الخسروانى ! ولمن تنشدنى ؟ فقلت : انهما لليلتهما . . فقال : لا جرم . والله ان أثر التكلف فيهما ظاهر . ا ه

قلت : وفي هذه القصة عظة وعبرة . . لا

تخفى على الحاذق الفطن ، فلو ان اسحاق ابتدأ الاصمعى - بنسبتهما اليه- لما وصفهما بالديباج الخسروانى ، ولكنه أغفل صاحبهما حتى يتقن استحسانه لهما .. صارحه بأنهما له من ليلتهما فما وجده أهلا . . لتقديره وتكريمه .. فأقسم ان أثر التكلف ظاهر فيهما .. و ( المعاصرة حرمان ) . . وقديما ضرب المثل : ( يوجد فى النهر . . ما لا يوجد فى البحر ) .

- ١٢١٠ -               السماط - والسموط    قال البحترى : يقوم لها ( السماط ) وقد أضاءت على جنبات ( لبتها ) السموط

ويعنى بالسماط : الرجال الموظفون ، في مجلس الخليفة أو الحاكم والذين يصطفون على يمينه وشماله . . فما يقومون الا لذى مكانة عليا ومقام كريم . . فهم يقومون لها اذا أقبلت . . كما تضىء اللآلىء والجواهر وهى سموط . . أى منظومة منسقة في ( لبتها ) . . أي صدرها . . و ( قد أدركنا أيام (( اللبة )) . . التى أشار اليها في الاعراس . . وهى أعلى قيمة وأرفع منزلة من (( العقود )) )  .

وقد أطلق الناس على بعض أنواع الموائد الكبرى من الاطعمة المنوعة التى تقام في الحفلات السلطانية الفخمة - أطلقوا اسم ( السماط ) . . لما يجتمع فيه على الجانبين من مختلف الاطعمة الشهية والحلوى والفاكهة حتى لا يقل عدد الاطباق المحدودة عن ألف طبق في أدنى الاحوال ، ثم تطور ، واكتفي عنه بهذه الموائد العصرية .. التى لا يقدم فيها اطعام الا نوعا بعد آخر .. حتى يفرغ

منه مع احاطته بالقوائم المشتملة على أسماء ما يقدم تباعا فيها .. ولكل زمان تقاليده وعوائده وما استحسن فيه من أشكال وألوان .

              - ١٢١١ -                  زكن عليه     تستعمل في لهجاتنا - الخاصة والعامة - بمعنى : أكد عليه . . وما كانت في الاصل الا كما نص عليه ( ثعلب ) فى كتابه فصيح اللغة ، قال : ( وزكنت منك كذا وكذا . . أزكن . . أى علمت ) وأنشد هذا البيت :     ولن يراجع قلبى حبهم أبدا           ز كنت من بعضهم مثل الذى زكنوا                                            ا ه

قلت : وشتان بين المدلولين .. ولكنه التطور في المفاهيم .. والتداول بين الجديد والقديم .. فلو أخذ الناس في ( زكن ) بما تعنيه في عصر (الثعلب) لتجردت من مدلولها الحاضر .. وهو التأكيد .. وما كان الا مجرد العلم .. وما في ذلك من بأس .. فمن العلم ( التأكيد ) أيضا .

فقد قال الشاعر :

أتروض عرسك بعدما هرمت ؟

          ومن العناء رياضة الهرم ؟!

- ١٢١٢ -                    شوانى       اذا تضايق الانسان من تصرفات غيره معه ، واعوجاجها ، واشتد ألمه من ذلك قال : ( شوانى ) . . وقرأت ليزيد بن الحكم الثقفى قوله :

تملأت من غيظ على فلم يزل

      بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوى !

                                      ا ه

قلت : وبذلك تكون الكلمة عريقة في الاستعمال منذ ألف سنة وزيادة . وأغلب ما يتداولها النساء . . ويعنين بها ((الصبيان)) (٢) ! في أكثر الاحوال . . ( لو وجدوا في هذا الزمان ) فكلهم احتوتهم ( المدارس ) والمعاهد . . في جميع القرى والمدن والحمد لله .

- ١٢١٣ -                      من اخلاق العرب     قال حاتم الطائى :

تحلم عن الأدنين ، واستبق ودهم

     ولن تستطيع الحلم حتى تحلما

ونفسك أكرمها - فانك ان تهن

     عليك ، فلن تلقى لها الدهر مكرما

أهن في الذى تهوى التلاد فانه

     يصير اذا ما مت نهبا مقسما

قليلا به ما يحمدنك وارث

     اذا ساق مما كنت تجمع مغنما

وأغفر عوراء ، الكريم ادخاره

        وأعرض عن شتم اللئيم تكرما

ولن يكسب الصعلوك مجدا ولا غنى

       اذا هو لم يركب من الامر معظما

لحا الله صعلوكا مناه وهمه

      من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما !

                                     أ ه

قلت : وكثيرا ما كنت أسمع جلالة المغفور له الملك عبد العزيز تغمده الله برحمته ورضوانه يتمثل بطائفة مختارة من الشعر العربى الرصين . ومنها هذه الابيات ولا سيما قوله :

(( وأغفر عوراء الكريم ادخاره

        وأعرض عن شتم اللئيم تكرما ))

وقد سرنى جدا ان رأيت في المقررات المدرسية مختارات من هذا الادب العالى الرفيع .. وقد نقلت هذه من الجزء الاول من كتاب تاريخ الادب العربى تأليف العلامة الاستاذ الجليل الشيخ محمد سعيد الدفتردار وهو مؤلف عام ١٣٧٤ ه ومطبوع .. وقد أندى الي فضيلته أجزاءه الاربعة . وهى من الكنوز الغالية .. أطال الله عمره .. وأدام توفيقه لما يحب ويرضى .

- ١٢١٤ -                 هسه ، ولسه      كلمتان عاميتان دارجتان .. تتردد على الالسنة آلاف المرات يوميا . . أما الاولى ، فانها رغم ما يبدو من العجمة فيها أو اللكنة . . واختصاص اخواننا الأفارقة من (( الفلاتة والهوسة )) بها . . الا انها تعتبر اقتضابا لقولنا بالعربية الواضحة : (( هذه الساعة )) . . وهى لديهم أكثر استعمالا منها لدى المواطنين ، وما اتخذوها في الاصل الا من الفصيح !

وأما الاخرى وهى أختها (( لسه )) . .

فتؤدى معنى : (( الى هذه الساعة )) وهى من استعمال المواطنين . . وكلاهما راسخ القدم في لهجتنا المحلية . . وان كانت (( لسه )) أبرز وأميز .

- ١٢١٥ -                شاهد الصقعة      يقولون : هذا ( الواد ) أو ( الانسان ) مصقوع . . أى خفيف . . طائش مشعوذ في تصرفاته ! وهذا هو معناها في اللغة الصحيحة الفصيحة . . وقد قال ( سويد ابن أبى كاهل اليشكرى ) فى عينيته المعروفة :

صاحب المرة لا يسأمها

     يوقد  النار  اذا  الشر  سطع

( أصقع ) الناس برجم صائب

     ليس  بالطيش  ولا  بالمرتجع

قلت : ويبدو ان سويدا هذا ، لم يأنف أن يكون ( أصقع الناس ) ، مع استدراكه وما في الشطر الثانى من انه ( ليس بالطيش ولا بالمرتجع ) . . وان رجمه صائب رغم انه أصقع الناس ، فهو يثني على صقعته هذه . . لا بالمدلول الشائع وانما بالذكاء البالغ . . أو الطائع . . كأنما يريد أن يقول ما قاله الشاعر الآخر :

الالمعى الذى يظن بك الظن

    كان   قد   رأى   وقد   سمعا

وكيف ما كان الامر ، فان الصقعة ، ( صعقة ) . . والرزانة خير من الزكانة . . اذا تجاوزت حدودها !

اشترك في نشرتنا البريدية