- ١٢٤٠ - ذوا الحمد لله الذى لم يضيع حرمه
قال محمد بن سلام : . كانت سوداء بالمدينة مشغوفة بشعر عمر بن أبى ربيعة وكانت من مولدات مكة ، فلما ورد على أهل المدينة نعي عمر بن أبي ربيعة أكبروا ذلك واشتد عليهم ، وكانت السوداء أشدهم حزنا وتسلبا - أى لبس الحداد - وجعلت لا تمر بسكة من سكك المدينة الا ندبته . فلقيها بعض فتيان مكة ، فقال لها : خفضى عليك ، فقد نشأ ابن عم له يشبه شعره . فقالت : أنشدني بعضه ، فأنشدها قول الحارث بن خالد المخزومى :
اني وما نحروا غداة من
عند الجمار تؤودها العقل
الابيات كلها . قال : " فجعلت تمسح عينيها من الدموع وتقول : الحمد لله الذى لم يضيع حرمه " اهـ .
قلت : لقد كان أحرى بهذه السوداء أن
تبكي فرحا بأن الله صان حرمه ممن كان أكثر شعره التشبيب في ذرات الحجال ، وفي موطن الهداية ومشاعر الدين ، والذي لقبوه ( بفاسق قريش ) غفر الله له . . وهو الذي يقول :
وكم مالىء عينيه من شئ غيره
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
- ١٢٤١ - ابن الزبير - وابن يسار
" خرج عروة بن الزبير الى الشام يريد الوليد بن عبدالمك وخرج معه اسماعيل بن يسار النسائى ، وكان منقطعا الى آل الزبير . . ( فعادله ) فقال عروة ليلة لبعض غلمانه : انظر كيف ترى ( المحمل ) قال : أراه معتدلا . قال اسماعيل : الله أكبر ، ما اعتدل الحق والباطل قبل الليلة قط ! فضحك عروة ، وكان يستخف اسماعيل ويستطيبه " اهـ
قلت : هدفي من سياق هذه الرواية .
الاستدلال بها على أن ما كنا نسميــــه بالشقدف ، في الزمن الاخير ، كان يطلق عليه ( المحمل ) ويركبه العظماء مع مـــن يختارون من ندمائهم وذوى مودتهم للمسامرة . . فيعادلونهم في الشق الثاني منه ، تماما كما هو الحال في ( الشقدف ) . وشقدف الله من سماه بغير اسمه الفصيح المعروف وهو ( المحمل ) سقي الله أيامه الغاربة .
- ١٢٤٢ - ما هو الدولاب ؟
قال علي بن الحسن بن سعد الخير في دولاب :
لله دولاب يفيض بسلسـل
في روضة قد أينعت أفنانا
قد طارحته بها الحمائم شجوها
فيجيبها ويرجع الالحانـا
فكأنه دنف يدور بمعهد
يبكى ! ويسأل فيه عمن بانــا
ضاقت مجارى طرفه عن دمعه
فتفتحـت أضلاعه أجفانـا
قلت : فهذا أصل الدولاب وهو ما يستخرج به الماء من الآبار والانهار . وما يزال مستعملا في بعض الاقطار باســم " الناعورة " على ما أظن ، لا ما أتيقن ،
فكيف تحول من الماء الى الخشب ؟ وأصبح مباءة للأمتعة أو الألبسة أو الكيف ؟ - ذلك ما أرجو أن يميط اللثام عنه استاذنا الكبير ( أبو نبيه ) في تعليقاته الشائقة خشيــة أن تأخذ ( الدولاب ) العزة بالأثم فيتذكر ماضيه أو تنشق أضلاعه . . فيغرق مـا يحتويه من المقتنيات أو يقنع بأنه غير مغبون ولا مفتات .
- ١٢٤٣ - ( الكشك ) بكسر الكاف - و ( الكشك ) بضمها
فأما الكشك - بكسر الكاف - فانه طعام لذيذ وافد الى بلاد العرب من ( مصر ) غالبا وأكثر من يسمعون به من القدامى لا يجهلونه ، ولا بد أنهم استطابوه وعهدى به قد بعد . وهو يتألف من الحب أو الحنطة واللبن . وفيه مزازة أو حموضة لذيذة . وكان أهل مكة لا يسأمون منه ، ويطبخونه ، ويرصعونه بقطع من ( الكياب ) المدور ، ويشاركهم في ذلك اخوانهم في المدن الحجازية الاخرى ، وقد قل أو انعدم اصطناعه مع انقراض العجائز وهو أشبه ما يكون طعما ولذة بما يسمى عند أهل نجد ( بالجريش ) او " المجروش " ، وما تناول منه أحد الا ود لو استبدله بكل مطرز ومنقوش .
أما ( الكشك ) - بضم الكاف - فهو ما لا يزال قائما بالدليل على الذوق الجميل والخير الوفير ، والنعمة السابغة ، وهو " مقيال " أهل الوجاهة والشرف ولا يكون الا في أعالي الدور والقصور ، وفيه تحلو القيلة ويطيب السمر ، وتسحر الامسيات ومر ..... أن يراه في ذراه ،
فيلتمس ذلك من حضرة صاحب الفضيلة والد الجميع العالم الكبير الشيــخ محمد حسين نصيف ، بجدة ، فان مــن يصعد اليه ويستوى فيه يدرك صحة مــا قاله " أبو العبر " في زمن المستعين العباسى ببغداد : " الكشكية لا تطيب الا بالكشك " . وما أشد اندهاشى عندما وجدت هذا الطعام وهذا المقام معروفين منذ عصر الرشيد ، والمتوكل ، ويرحم الله عصر الاكشاك ، والرواشين ، والكشك ، والسكنجبين .
- ١٢٤٤ - نعم : ( اس ) هى ( هس )
أرشدنى - كعادته المعهودة - علامتنـا الجليل صاحب المنهل الأغر أطال الله بقاءه وضاعف اليه نعماءه ، في تعليقه على الشذرة ( ١٢٣١ ) بمنهل ذى القعدة سنة ١٣٩٠ هـ الى ما غفلت عنه فيها - من أن كلمة هس ، ربما كانت في الاصل مبدوءة بالالــف المضمومة ، بدلا من الهاء ، وتنبهت الى ان كثيرا من الناس يقولون " أس " لمن يريدون منه أن يسكت . ومنهم من يبدؤها بالهاء وهي أكثر تداولا بيننا فاذا جعلناها في صيغة الامر نجدها كفيلة بالمقصود ، رغم حذف الكاف والتاء منها .
وهي بطبيعة الحال متميزة بالقرينــة الحسية مواجهة ، فأما كلمة " أس " فى غير هذا الموقف ، فانها مفرد ( آساس ) وهي أصول البناء . . كما هو معروف . . وشتان بينهما في الاولى والثانية .
وما دامت كلمة " هس " انما كانت تزجر بها الغنم خاصة . . فان " أس " خير
منها وأسلم ، وأصبح وأقوم ولعلى لا أساير بذلك أحدا فيضجر ويقولها . . فانكمش وارتبك .
- ١٢٤٥ - اذن - ما هو الا المعصوب
روي أن الحسن البصري قال لفرقد : " بلغني أنك لا تأكل الفالوذج " . قال : يا أبا سعيد ، أخاف أن لا أؤدى شكره ، قال : يا لكع ، وهل تؤدى شكر الماء البارد فى الصيف والحار فى الشتاء ؟ أما سمعت قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما كسبتم " .
وسمع الحسن أيضا رجلا يعـــيب الفالوذج " فقال : " نباب البر بلعاب النحل بخالص السمن . ما عاب هذا مسلم . " اهـ . ( ابن عبد ربه )
قلت : وبموجب هذا الوصف فان الفالوذج هو هذا الذى نطلق عليه ( المعصوب ) ، مضافا اليه في الزمن الاخير " الموز " أحيانا والقشطة أحيانا اخرى . . وقد أخذ هذا النوع من الطعام يتلاشى ويقل صانعوه ، لانه في نظر المعاصرين ، بطئ الهضم ، وانما يسعى اليه ويغتبط به أهل الزنود الكادحة ، والصحة الرابحة ، والى جانبه قدح الفول المدمس . ولله في خلقه شؤون .
- ١٢٤٦ - الأصمعى - وحر يقيص
روى أحدهم قال : " وقف علينا غلام من بني أسد ، رث الاطمار لا يدل مظهره على ذكاء أو علم ، ثم سلم وجلس . فسأله
الاصمعى عن اسمه . فقال " حريقيص " ، قال الاصمعى : أما كفى أهلك أن يسموك " حرقوصا " وهو اسم لحشرة كالبرغوث ، حتى حقروا اسمك وصغروه ، قال الغلام : " ان السقط ليحرق الحرجة " ( ١ ) ، فعجب الاصمعى من جوابه . اهـ .
قلت : ما أعظم المواهب التى ينعم بها أبناء البادية ، ومنها هذا الذكاء الفطرى الذي لا يزاحمهم فيه غيرهم من الاتراب في الحواضر ، الا القليـــل النادر ، وانى لأستبشر كثيرا ، بشمول التعليم العصرى لهم واتاحة الفرص أمامهم لابراز ما جبلوا عليه من الزكانة ، والفطانة ، والابانة ، وما هو ببعيد ذلك اليوم الذي يزاحمون فيه أفذاذ الامم والشعوب كلها في مجالات الفن والاختراع . " وان غدا لناظره قريب " اهـ .
- ١٢٤٧ - منشورة تطوى
ليس من الوفاء في شىء أن ننسى أو نتناسى ما كان دارجا ومتداولا الى عهد قريب من الكلمات اللطيفة ذات المدلول الاجتماعى الرقيق . ثم أخذت تنطوى أو تنزوى ولا يهتم بها الا النزر اليسير من الناس ، فمن ذلك :
١ - ( جبا ) للدعوة الى المركاز . . ودفع التكاليف .
٢ - ( دستورك ) - للاستئذان يقولها راكب البعير أو الحمار للجالس عندما يمر به . دون انتظار منه للأذن . ويرد عليه بقوله : ( معاك ) . . ( ٢ )
٣ - ( نعيما ) - يقولها الصديق لمن يراه مطرقا للحلاق . . ويرد عليه : " أنعم الله دنياك " . ولا أدرى ان كان ذلك من النعومة ، أو النعمة أصلا .
٤ - ( عوافي ) - يقولها الزائر للمعلم سواء أكان من البنائين أم من غيرهم . ويرد عليه : " الله يعافيك " .
٥ - ( من الزرقاء ) . يقولها من يشاهد أحدهم " يتوضأ " ، ويرد عليه جميعـا ان شاء الله . فان كان من أهل المدينة المنورة قال : من زمزم .
٦ - ( شوفيتم ) اذا انتهى من الحمام او بيت الخلاء ويرد عليه : " عوفيتم " ( ٣ ) .
٧ - كل عام وانتم بخير . في رأس كل عام أو حلول كل عيد . وهي التى ما تزال تحافظ على الرمق . وتنفرج بها الشفاه وتتهلل بها الاسارير وتقر الحدق .
وما أردت بهذا ، الحصر ، وانما أوردت أمثلة لعبارات أو كلمات كانت هجيرى الناس منذ عهود بعيدة . . أيام كانـوا يأخذون الاباريق ويتوضأون أمام الدكاكين عند كل أذان وفريضة . . ويرون التقصير فيها أو اهمالها محل الانتقاد . فاذا بها تتوارى في جميع الاوساط ، ولا تكاد تسمعها الا نادرا ، فهل ضاق بها الوقت ؟ أو أتى عليها ما حل بكثير سواها من المصطلحات الاجتماعية المستحسنة ؟ فسلام عليها مع أهلها الطيبين .
- ١٢٤٨ - " جلباب العروس " كان " أسود "
قال ذو الرمة ، وهو من شعراء صدر الاسلام :
وليل كجلباب العروس ادرعته
بأربعة والشخص في العين واحد
أصم " علافي " ، وأبيض صارم
وأعيس مهرى ، وأروع ماجد
ويعني بالاصم العلافي الرحل ، والاروع الماجد نفسه هو ، والشاهد فيها ، قوله : " كجلباب العروس " . . فما كان اذن الا أسود اللون ، لا كما هو فى عصرنا هذا ، لا يكون الا أبيض ، وله ذيول ، تحملها الوصائف ، أو الولائف ، ولا عجب أن يكون " الاسود " في عهد الشاعر هو لون ثوب العرس . . فقد جاء بعده من قال دعاية للبزازين الذين سبقوا الغرب الى فن ( الاعلان ) .
قل للمليحة في الخمار الاسود
ماذا فعلت بناسك متعبد ؟
قد كان شمر للصلاة ثيابه
حتى وقفت له بباب المسجد
وأقول : هذا وهي مقنعة ، ولم يظهر منها الا القناع ، فكيف به لو رآهن سافرات ؟؟ واستوعب نظره ما كان مستورا عن " النميرى " يوم كان ركبه هو وغلامه وحماره وراء عرفات ، واذكن كما قال :
يخبئن اطراف البنان من التقى
ويخرجن نصف الليل معتجرات
ولنرجع الى ثوب " العرس " أو ما يسمى الآن بالفستان فانه أبيض ويشاركه أيضا في البياض ثوب " المأتم " أو العزاء . . - وكان خليقا أن يكون مسودا - كما هو الحال في الصحف إذا جللت بالسواد نبأ الوفاة .
أما سواد القناع " الخمار " فانه معهود وأدركناه ، ثم أخذ يتبدل بمــا ليس قناعا ، ولا قنعة وانما هو " تحلة القسم " " ولا أفلح من ظلم "
- ١٢٤٩ - ( حج ) ملك التكرور - والذهب
جاء في ذيل كتاب " العبر " للذهبى والحسينى ، قوله في ص ١٣٣ وص ١٣٨ : ( وفي سنة ٧٢٤ هـ قدم " ملك التكرور " موسى بن أبى بكر الاسود ، في ألوف من قومه للحج ، فنزل سعر الذهب درهمين ، ودخل الى السلطان فسلم ، ولم يجلس ، ثم أركب حصانا بزنارين أطلس ، وأهدى هو الى السلطان أربعين ألف دينار ، والى
نائبه عشرة آلاف ، وهو شاب عاقل حسن الشكل ، راغب في العلم ، مالكى ، اهـ . وقال بعد ذلك فى حوادث سنة ٧٢٥ هـ : " ورجع ملك التكرور موسى فخلع عليه السلطان " خلعة الملك " . . عمامة مدورة ، وجبة سوداء ، وسيفا مذهبا . " اهـ .
قلت : نزول سعر الذهب درهمين . . انما كان لوفرة ما جاء معه ومع حاشيته وحجاج بلده من هذا المعدن الثمين ، فتأثرت به ( بورصة زمانه ) تماما كما يقع ذلك في عصرنا هذا تحت تأثير العرض والطلب ، وفي هذا وغيره من النصوص التاريخية نعرف عراقة الصلة الاسلامية بين هؤلاء الاخوة المسلمين وأداء المناسك منذ أكثر من سبعة قرون وما زالوا ولله الحمد أهل تدين واعتقاد وبذل وايثار وحرص على شعائر الاسلام .
- ١٢٥٠ - ما هى " الشيرة " ؟
الشيرة : بكسر الشين وسكون الياء أنواع وهي من جملة ما اعتاد أكله أهل بلادنا من أنواع الاطعمة " اللقيمات " وهو معروف لفظا ومعنى ، وتصحب دائما بما تغمس فيه من الحلوى . . ويسمى " الشيرة " وهي السكر المعقود على الليمون .
ومصادفة قرأت في مقامة قديمة يرجع تاريخ كاتبها المسمى بأبي المطهر الازدى الى القرن الرابـــع. الهجرى ، بيتــا في قصيدة رائعة جاء فيه :
حتى اذا شبوا لها
وتلاحقوا مثل الصقور
وقعت عليهم شيرة
بالطول في يوم مطير
فرأتهم . . ولحومهم
في الدار تجرف بالمرور
والشاهد منها " شيرة " . . وقد تبين انها " الصخرة " المشرفة في جبل وهى عامية مولدة ، وتستعمل في لبنان حتى الآن . ا هـ .
قلت : فهل نجد ما يحل المشكل بين السائل والجامد في ( الشيرة ) عند بحاثتنا العلامة الكبير صاحب المنهل الأغر ، خشية أن يكتب لأحد منا أن يكون في لبنان يوما ما فيطلب الشيرة . . بمفهومه ، ويحضروها له بمصطلحهم والوقاية خير من العلاج . وعسى أنه يظفر لها بأصل صحيح من العربية أو ما يؤدى معناها ان شاء الله ( ٤ ) .
- ١٢٥١ - ما هو التبطيق ؟
نسمع الناس اذا حكوا عمن أفلس في ماله أو أموال غيره يقولون " ان فلانا بطق على ما لديه من الدراهم " . ويعنون بذلك أنه أكلها . . وتصرف فيها أو فرط أو أسرف أو احتكر ، كل ذلك من مفهوم " التبطيق "
غير أننى قرأت في ( ذيول العبر للذهبى والحسيني ) المتضمن أحداث ما بعد عام ٧٠٠ الى ٧٦٤ هـ ، ( وهو من مطبوعات
وزارة الأرشاد والأنباء ) بالكويت ، ما نصه ، ص ١٥٠ :
" ووقم النهب فى دارين أو ثلاثة لأعوان الوالى أى بالاسكندرية . قال : فبطق الامير الى مصر وغوث الخ . . - غوث - بفتح الغين وتشديد الواو المفتوحة - وذلك سنة ٧٢٧ هـ
قال الشارح : ( ومعنى بطق سرح الطائر بالبطائق " اهـ .
قلت : فهذا هو بريد الحمام الزاجل الطائر الذي كان يستخدم بعد التدريب والتمرين لحمل الرسائل بين البلدان والمسافات البعيدة ، وأصبح اليوم مجرد خبر وذكرى ، بعد أن أغنت عنه الطائرات النفاثة السريعة ، على أن من أنواع الطير السائح ما لا يزال يعلق في يده أو قدمه ألواحا من المعدن مكتوبة تدل على وقت هجرته من مواطنه الاصلية في مواسم ارتحاله المعروفة .
هذا وقد تبين أن استعمال الناس كلمة ( بطق ) بمعنى الاحتيال والنصب والمخادعة حادث لم أجد له تعليلا ولعل له سببا طواه الزمان ولم نعثر عليه . ولعله اشتق من نفس البطاقة المزورة ايضا . .
- ١٢٥٢ - أصل المشبك
قال ابن الرومى يصف ( قالى ) الزلابية :
ومستقر على كرسيه تعب
روحي الفداء له من منصب نصب
رأيته سحرا يقلي " زلابيــة "
في رقة القشر والتجويف كالقصب
كأنما زيته المقلي حين بدا
كالكيمياء التى قالوا ولم تصب
يلقي العجين لجينا من أنامله
فيستحيل شبابيكا عن الذهب
قلت : ومن هذا تفهم ان المشبك ، انما سمى بذلك لما يكون عليه من التشبيك والاستدارة والالتفاف ، وانــه فرع من الزلابية ، كأخيه " القيمات " وكان ذلك منذ ألف ومائة سنة ، وعوضنا الله خيرا عن هذه " الاغذية " الشائخة ، وعن الزنجبيل والكمون والنانخة .
- ١٢٥٣ - ( الدهمقة) . . لها أصل عربي
روى التاريخ قصة عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ، تتلخص فيما يلى : " وفد على عمر قوم من أهل العراق منهم جرير بن عبد الله فأتاهم بحفنة قد صبغت بخل وزيت . . وقال : خذوا ، فأخذوا أخذا ضعيفا ، فقال : ما بالكم تقترمون قرم الشاة الكسيرة ؟ أظنكم تريدون حلوا وحامضا وحارا وباردا ثم قذفا في البطون ، لو شئت أن ( أدهمق ) لكم لفعلت . ولكننا نستبقى من دنيانا ما نجده في آخرتنا ، ولو شئنا ان نأمر بصغار الضأن فتسمط . . ولباب البر فيخبز ، ونآمر بالزبيب فينبذ لنا في الاسعان حتى إذا ضار مثل عين " اليعقوب ، أكلنا هذا وشريتا هذا - لفعلت . . والله انى ما أعجز عن كراكر وأستمة وصلائق وصناب . لكن الله تعالى قال لقوم عيرهم أمرا فعلوه . - أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا " . واني نظرت في هذا الامر لجعلت ان أردت الدنيا أضررت بالآخرة ، وان أردت الآخرة
أضررت بالدنيا ، واذا كان الامر هـــكذا فأضروا بالثانية "
قلت : ومع ما في هذه القصة من أدب رائع وخلق عال وورع وزهد وتقوى فان منها كلمة استوقفتني وهي " أدهمق " ، وماتزال ربات البيوت وشيوخ القوم يكررونها بمعنى " التظاهر " أو التجمل ، أو التزيد ، أو المخادعة ، كل ذلك من مدلول هذه الكلمة ، حتى يوم الناس هذا ، ومنهم من يحرفها الى " الدهقنة " وما لها من أساس فيها ، ولعل أستاذنا العلامة " أبا نبيه " يزيدنا بيانا عنها من حيث النص اللغوى . . فما بيدى عند كتابة هذا من المعاجم الا المنجد . . وقد خلا منها ( ٥ ) .
- ١٢٥٤ - الخزر - والشذر
يقال : نظر اليه شذرا ، إذا حدجه ساخطا بمؤخر عينيه يمينا مرة وشمالا مرة أخرى وخزرا - بسكون الزاي - وبفتحهـــا . . وكلاهما بمعنى واحد ، قال الشاعر :
اذا تخازرت وما بى من خزر
ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألــوى بعيد المستمر
أحمل ما حملت من خير وشر
وهذه النظرة لا تكون الا فى حالة الغضب ويستعملها الكبار مع الصغار غالبا عند الزجر والردع بأوضاع مختلفة زاجرة رادعة . وقد يتصنعها من لا يعد في العير ولافي النفير ، وانما هو مجرد التقليد لصاحب الشأن الخطير ، فاذا أبدلت بعين الرضا ، فانها لكليلة عن العيوب كل العيوب وخير منها نظرة العدل والحق والمودة والانضاف . . اللهم الا ضد العدو ، فانه جدير بالخزر، والشزر والقطع والبتر ، والشفع الوتر ، ولكن بالصارم القاطع ، والسنان اللامع .
- ١٢٥٥ - حساب الربح والخسارة
كان ابن أبي يعلى ، يساير رجلا من وجوه أهل الشام ، فمر بحمال معه سلة رمان فأخذ منها " رمانة " جعلها فى كمة ، فتعجبت
من ذلك ثم رجعت الى نفسي وكذبت بصرى حتى مر بسائل فقير ، فأخرجها من كمه وأعطاه ، فعلمت أنى رأيتها وسألته عن ذلك فقال : أما علمت أن الاخذ سيئة واحدة . والاعطاء عشر حسنات فكسبت تسعة . اهـ .
قلت : ولو راعي كل الناس هذه الطريقة الغريبة ، لانتقض الاساس ، واختصـم الناس واحتدم السياس ، واحتكم الوسواس ، وانما هي من الطرف والأفاكيه ، وقد قسم الله الآجال والارزاق والخير كل الخير فيما شرعه لعباده . وهو ارحم الراحمين .

