الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

شذرات الذهب

Share

- ١٣٢٢ - ضرب الحجر

قال أعرابي لابنه : يا بني كن يدا  لأصحابك على من قاتلهم ، ولكن اياك  والسيف فانه ظل الموت ، واتق الرمح فانه  رشاء المنية ، واحذر السهام فانها رسل الهلاك ! قال : فبماذا أقاتل ؟ قال : بما قال القائل :

( جلاميد ) ترتاد الأكف كأنها

رؤوس رجال حلقت في المواسم

قلت : ما أشفق هذا الأب على ولده ، وما  أراها الا من مفاكهات القدماء ، وان كنا  أدركنا أول عهدنا بالحياة « الهوشات » بين  الحوائر .. فهي اذا اشتبكت كانت بالعصي  الغلاظ « المزقرات ».. فاذا ابتعدوا عن  بعضهم فبالحجارة التي تحاكي المنجنيقات)  وكم لها من صواب واصابات . وكان من  جملة ما يتفق عليه أهل الاغارات ، منع  استعمال القذف بالحصى، والاكتفاء بالعصا ،  واذا تلازم اثنان من الفتيان اشترط كل  منهما أن يكون اللكم والشكم والكدم فيما  يشج ويرج ، ولا يتصل بالمقاتل أو  ( المحاشم ) وان كان ذلك اخلالا بنظام  المصارعة ، تدخل أنصارهما في المقارعة ، و كانت ( القارعة) دون ( الفارعة ) .

- ۱۳۲۳ - من حفظ حجة على من لم يحفظ

يسائلني أخى الكريم من ( الأفلاج )  السيد ( وقيان بن عمر آل لحيان ) .. هما  اذا كان البيت الذي أوردته في منهل ربيع  الثاني سنة ۱۳۹۱ : « وذلك في بريد المنهل الأغر عدد شعبان ۱۳۹۱ هـ » :

تخيرت من نعمان عود اراكة

لهند ، ولكن من يبلغه هندا ؟

منسوبا لعمر بن أبي ربيعة .. هل هو  له حقيقة أم ( لورد الجعدى ) أم ( للمرقش الأكبر ) ؟ أم لغير هؤلاء ؟

واني مع الاغتباط والتقدير لأشكر للأخ وقيان تعقيبه هذا وتساؤله ، وأعتذر ببعد المصدر الذي عزوت اليه أو نقلت منه .. ونسيانه لطول المسافة الزمنية .. وأعتقد أن الأدب كله انما اتصل بنا قديمه بالرواية والنقل من أصحاب الموسوعات العربية التي اليها الاسناد ، وعليها الاعتماد .. وما يملك المحدثون الا الاعتراف بفضل القدامى في هذا المجال الفسيح .. فما نقله صاحب الحماسة

من نسبة البيت ( للجعدى) احق وأولى بالتسليم . . الا ان يعلو عليه مصدر آخر اقدم منه . .

ومهما يكن فان الهدف من ايراد البيت  ليس هو تحقيق من هو القائل له .. وان كان  التحرى في ( العزو) واجبا على كل حال ..  بل كان الاستفهام عن عود الاراك الابيض ، والاخضر .

فأما قرينة الصدق في نسبته لابن أبي  ربيعة فهو ( نعمان ) والأراك لقربه من مكة،  ومن مراتع عمر ومرابعه ..

وقرينة اخرى انه يخاطب فيه ( هندا)  وما أحسبها الا هي التي قال عنها :

( ليت هندا انجزت ما تعد)

وأعد صديقي العزيز بأنني اذا ظفرت مرة أخرى بالمصدر فسأعيد الكرة .. لاثباته أو نفيه وأرى أن العمدة يجب أن تكون على ما رواه ( صاحب الحماسة ) حتى نجد ما يعارضه من السابقين الأولين . وهذه احدى المراجعات التي ستضطرني الى مراعاة ذكر المرجع المنقول عنه ما استطعت ان شاء الله وشكرا .

- ١٣٢٤ - دق راسك في الحجر!

انها جملة عامية دارجة يستعملها  المتنازعون ، اذا تعذر بينهم التفاهم ، وغلب  التشاجر .. وما أراها في الواقع من  محدثاتهم أو لم يسبقوا اليها ، في صورة أخرى .. قال الشاعر القديم :

كناطح صخرة - يوما - ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

واذا تلطف أحدهم قال : اشرب من البحر . . أى ملحا أجاجا ، ومن فضل الله

تعالى أن هذه الكلمات قد أخذت في الاختفاء  والانزواء على قاعدة » اللي تقتله بالسم ،  اقتله بالسكر » ! وهو مثل رائع عريق .  ومما سمعته من حكم الأقدمين ، أن أحدهم  قال لرفيقه أو مشاكسه : والله ان قلت  كلمة اسمعك عشرة .. فرد عليه الآخر :  مكانك . والله لو قلت عشرة ما تسمع منى كلمة.  ا هـ

- ١٣٢٥ - كل هواء

اذا تنازع اثنان . . ولم يتفقا قال أحدهما للآخر ، غاضبا :( كل هوا) . .

ومصادفة وجدت من الحيوان من لا يشرب مطلقا . . ويكتفى باستنشاق الهواء .

قالوا : انه الضب . . قال أبو العلاء في ( لزوم ما لا يلزم) :

كان الضب كان له سجيرا

فحالفه على فقد الأوام

والسجير هو الصديق . والأوام هو العطش . والضب لا يرد الماء . . فكذلك السيف الموصوف في قافيته .

وأحسب أن الاكتفاء بالهواء في الشرب ، أكثر غرابة منه في الطعام .

والحاصل أن من يقول لصاحبه :( كل هوا) فكانما يجعله بمثابة الضب . . وهي شتيمة ملفوفة أو مغلفة .

وليس ببعيد عنا ما كان يصنعه ربات الحجال في البيوت ذوات العيال من ( مرقة الهواء ) عند اشتغالهن بما هو أهم من الخدمات المنزلية .. غير أنها لم يعد لها ذكر منذ عهد بعيد .. وهي تؤلف غالبا من مجرد الغلي ممزوجا بشيء من البصل المكسن والدهن الزهيد .. ثم يترد عليها فتكون غذاء أو غداء لا عنت فيه ولا مشقة .

وعلى كل حال فان اكل الهواء خير من اكل سواه ، إذا تخانق اثنان ، وتفلت اللسان .

- ١٣٢٦ - لا تردن

يسخط أحد المتحادثين ، أو المتخاصمين  فيولي عابسا ، وتنطلق شفتاه بكلام غير  مفهوم .. فيقول له صاحبه : « لا تردن » ..  أو يتكلم معه بسرعة ، وانزعاج ، وغضب  شديد ، فيقول له : ( ايش هذا الردن ) ؟

وقرأت فى شعر المعري قوله :

الغزل ، والردن ، للغواني

خلقان عدا من الجزاله

والشمس غزالة . . ولكن

خففت الزاي في ( الغزاله)

وهنا أدركت فائدتين ، أولاهما أن الردن صحيح فصيح ، والأخرى انه من خلق الغوانى ، منذ مئات السنين.

وما كدت أحسبنى اكتشفتها ، حتى عدت  أدراجي ، فان الردن الذي قصده أبو العلاء  انما هو من ( زدن ردنا) الاشياء نضدها  وردنت المرأة غزلت على ( المردن ) - وهو المغزل .. وبقدر الخيبة من هذا النص ،

كانت الفرحة بوجود (الردن ) وهو صوت  وقع السلاح بعضه على بعض ، ومن هنا ربما كان  الاستعمال المعروف في الكلام المختلط  وغير المفهوم . وأخيرا : فانه لا علاقة  ( لحواء ) بما يريد البعض أن يخصها  به من الردن ، الذي هو كثرة «الرغي (۱) »  وحاشاها منه ، في الجيل الجديد على الأقل ...

- ١٣٢٧ - إذا فرغت لم أحتج اليك

قال عبيد الله بن سليمان ، لابى العيناء :( اعذرني فانى مشغول عنك) .

فقال له أبو العينا : " إذا فرغت لم احتج اليك " . .

وهو يعنى : ان شغلك متصل بولايتك ، ولن تفرغ ، الا اذا (عزلت) فاذا عزلت لم تبق لى حاجة اليك .

قلت : وكان الله في عون اصحاب المناصب والمسؤوليات الكبرى ، فما لهم من عذير . .

وكما قيل :( صاحب الحاجة أعمى - لا يرى الا قضاءها) .

وفي هذا المجال تتميز الاخلاق وتتفاضل الأقدار والرجال:

١٣٢٨ - أصل الاستذمام من (( البارد)) :

روى ( أحمد بن طاهر ) عن نفسه ،  وكان مؤدب (كتاب) ، ويقول عنه البحتري  انه « كان كثير اللحن والسرفة في شعره ، جميل الاخلاق ، ظريف المعاشرة » .

قال : « خرجت من منزل أبي الصقر  ( أحد وزراء المعتمد) نصف النهار في ( تموز ) ، فقلت ليس بقربي منزل أقرب  من منزل ( المبرد ) ، اذ كنت لا أقدر أن  أصل إلى منزلى بباب الشام فجئته، فأدخلني الى حويشة له - وجاء بمائدة فأكلت معه

لونين طيبين ، وسقانى ماء باردا ، وقال  لى : أحدثك الى أن تنام .. فجعل يحدثني  أحسن حدیث ، فحضرني الشؤمى وقلة  شکری بیتان ، فقلت : قد حضرنی بیتان أنشدهما ؟ فقال : ذلك اليك ، وهو يظن أني مدحته ، فأنشدته :

ويوم كحر الشوق في صدر عاشق

على انه منه احر ، وأومد

ظللت به عند المبرد قائلا

فما زلت في ( الفاظه) أتبرد

فقال لي : قد كان يسعك اذا لم تحمد أن لا تذم ، وما لك عندى جزاء الا أن أخرجك ، والله لا جلست عندى بعد هذا . قمضيت الى منزلي بباب الشام ، فمرضت من الحر الذى نالني مدة . . وعدت باللوم على نفسى " .

قلت : واستوقفتني في هذه الأقصوصة القصيرة عدة ملاحظات . .

أولها : ان أصل ( البرودة) والنعت بالبارد انما جاء في هذا الخبر ، فما سبق نص قيله بمعناه فيما اطلعت عليه .

وثانيهما : ان ابن أبي طاهر ، ما كان يقصد ( ببرودة ألفاظ المبرد) الا المدح . . لا القدح . . فانها بقرينة الحرور والقيظ تكون صيغة للذة لا الألم . .

وثالثها : أن تداول ( البرودة) حتى في الشعوب الغربية ، بمعنى الذم ، أى السماجة ، أو عدم المبالاة . . أو التبرم من صاحبها لا يزال معروفا حتى في أوساطنا العربية .

وقد أدركنا أهل ( المباسط ) وباعة الشراب - بفتح الشين - والماء المبرد في الشراب - بكسر الشين - أيام المواسم يصيحون بالحجاج في المشاعر حتى يومنا هذا : « يا  حاجی بارد - یا حاجي بارد » وكان من لا

يعرفها من الأعاجم لا يهتمون بها ، أما من  كان من أخواننا أهل مصر ، فانهم كانوا  يزجرون البائع .. ويعتبرون الموصوف  بأنه ( بارد ) منهم ، أو أنهم المعنيون بذلك،  وربما قامت المشاجرات بينهم في الانزعاج  بهذا الوصف ، حتى لكان أحدهم هو القائل :

يا من رأى رجلا واقفا

أحرقه الحر من ( البرد)

وخامسها : ما جاء في عجز البيت الأول من كلمة ( الومد) فانه معروف لدينا في فصلي الاسد والسنبلة بتراكم السحاب ، وركود الهواء ، وتقاطر العرق وانحداره ، و ( السلسة) الثياب على الاجسام لاسيما في الموانئ البحرية ..

وسادسها : " ان على المرء أن لا يستعمل ألفاظا مشتركة المعنى ، ويخشى أن تفهم على غير وجهها ، ويتأولها السامع بما هو الى الإساءة أقرب منه الى الاحسان ، وان يأخذ بالحديث المشهور : " دع ما يريبك الى ما لا يريبك " .

وأخيرا - فاني أكتب هذه الشذرة وللومد سلطان اضفاه عليه ازدحام الجو بالسحاب المتراكم ، حتى لتكاد ( السنبلة) تضيق بها الأنفاس والمناسم ، وأرجو المعذرة من القراء ، إذا استبردوا هذه الشذرة . .

فهي من تأثير تلك البذرة . . وهل ينضج الرطب ويؤكل التمر ، الا بعد أن يتوقد السموم ويتسعر الجمر ، ولله الخلق والأمر ، تبارك الله احسن الخالقين .

- ١٣٢٩ - أنت أمير الشعر بعدي

قال البحترى : أنشدت أبا تمام شعرا لى . فى بعض ( بنى حميد) وصلت به إلى

مال له خطر ، فقال : أحسنت ، أنت أمير  الشعراء بعدي ، فكان قوله أحب الي من جميع ما حويته . .

قلت : والظاهر أن هذه الامارة التي  انحدرت عبر القرون حتى انتهت الى « أحمد  شوقی » ، انما كان أصلها هذا الخبر (۲)  ، وما هي بامارة حكم ولا سلطان .. وانما  هي مجرد تقدير واكبار .. وما تزيد على  القول المأثور .. قبلها : « فلان أشعر  الناس ، أو العرب » . وفي المثل قولهم :  يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر » ..  يتقدم بها والعبرة بالاجادة والاحسان ..  الشاعر على الاقران . ورب بيت واحد كان أبلغ وأخلد من ديوان .. ) والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) .

١٣٣٠ - النيم - نييمان

قرأت كتاب الاستاذ حمد الجاسر -  -المسمى : ( في سراة غامد وزهران ) في  فصل « النبات » في تلك السروات ، ما يلى:

( النيم ) - بكسر النون فياء ساكنة  فمیم - شجر قريب الشبه بالعوسج لا  شوك له ، له ثمر أسود كصغار النبق  يؤكل ، في طعمه حلاوة بحموضة .. قال : ونقل في « اللسان ، عن أبي حنيفة : النيم  شجر له شوك لين ، وورق صغار ، وله  حب كثير متفرق أمثال الحمص حامض ،  فاذا أينع اسود وحلا ، وهو يؤكل ومنابته الجبال .

قال ( ساعد بن جؤية الهذلي ) ووصف وعلا في شاهق :

ثم ينوش اذا آد النهار له

بعد الترقب ، من نيم ، ومن كتم

قلت : ولم أجده بهذا الوصف منطبقا  على ما نسميه ( النيم ) في زماننا هذا - وهو  الذي تغرسه البلديات على جوانب الطرق  والشوارع فانه لا ثمر له يؤكل لا حلو (۳)  ولا حامض - وانما هو ذو رائحة عطرة اذا  حان موسمها تضوع اريجها حيثما مر عليها النسيم ، ولاسيما في الليل والسحر ..

وانه لجدير بأن يعم ويشمل السهل والجبل  للاستغلال والاسترواح ولما فيه من  خصائص طيبة نافعة باذن الله .. ومن  ذلك فهمت أن هذا النيم الفواح مستورد  أصله من بلاد الهند غالبا وفي زمن قريب  جدا لأنه لم يكن معروفا من قبل . اما نيم  السروات ، أو الجبال ، فلم أره ولم أتذوقه  بعد ، والعجب أن يسمى كل منهما ومن  عهد قديم جدا ، وفي العربية ( بالنيم ) ..  ولعله من قبيل الزيتون البري المتروك  والآخر المأكول ، يجمعهما الاسم ويفترقان  في الطعم .. والله أعلم .  والله أعلم

اشترك في نشرتنا البريدية