ولد ، وكان لمولده قصة ، واجتاز مرحلة المهد فالطفولة حتى اذا ما بلغ أشده ، واستوى ادراكه قليلا ، واشتد ساعداه ، أخذ يصافح وجه الحياة ، ويقلب وجهه فى جمالها ، وهو فرح وسعيد . .
كان ، يعى ، ان القوى الآلية ، هى من نتاج القوى العلمية ، جسمها الانسان لغاياته ، ولما ربه الاخرى ، فأخضعها لوسائل نقله ، برا ، وبحرا ، وجوا ، عوضا عن الاولى من ذوات الحوافر والقرون ، والسنام ، فكان له منها نار ، ومنها نور ، ودمار ، ومنها ما لا يعد ولا يحصى . .
اختار قوة من تلك ، وراح يستشف دقائقها ، ويحيط بواقعها . . فتغشاه من أمر هاما تغشى . . فعشق صخبها وضجيجها ، ونبغ فى ادارتها ، وتركيبها ، ومن ثم راح مع الحياة ، يعزف على أوتارها انغاما شجية . .
وكزهرة متفتحة ، تتسم للحياة شوقا ، وتلثمها املا ، بدأ يسير فى دروب الحياة عبر الزمن . .
كان صاحبنا . . مهندسا ميكانيكيا جيدا ، لم يكن له مضارع فى مهارته وفنيته . وكان يغار على آلته من أعين المتطفلين ، كما تغار الزوجة من ضرتها . . وكان خبيرا الى درجة انه حتى لو ن بعيدا عن موقع آلته ، لادرك أى خراب حدث فيها ونوعه ومكانه دون شك او ربط لكامل أجهزة الآلة . . وكان
يمنى نفسه ان سيكون مخترعا فى يوم من الايام " وما كل يتمناه المرء يدركه فقد تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن " . .
وجرت سفينته عكس الرياح ، فتحطمت فوق صخور الحياة ، ولأسباب مجهولة ، فقد رشده ، وهام على وجهه ، وأصبح شريد الدار ، قعيد الشارع ، يجوب طرقات الحي ، وعليه ثياب رثة بالية ، قد مزقت تمزيقا . . لا يدرى عن الحياة شيئا ، مرة يرى - وقد اقتعد الطريق أو افترش الاديم ، وحينا يلف حول نفسه ، ويأتى بحركات صوتية غريبة ، والناس بين ضاحك منه ، ومعرض وراث وباك ، وآخر يغلظ له فى الكلام آمرا وزاجرا ! ! أما هو فقد كان هادنا ، لا يؤذى احدا مطلقا ، وفى " حلة السعادة " فى شارع طارق بن زيادوب بالقرب من فندق الاقتصاد كان مأوى صاحبنا غالبا . . وكان اغلب الناس هنا ، يعرفون ان فى امره لا شك سببا ، قد يكون يد القدرة وقد يكون يد انسان . .
انه مواطن لنا ، قبل أن يكون اى شئ آخر ، فمن حقنا وحق الدولة ان ترعاه وان تفتح له أبواب الامل ، أجل اقولها مخلصا أن معالى وزير العمل لقادر على درس حالته ، وتخصيص معونة له ، كذلك ان وزير الصحة قادر على معالجته حتى ولو كان فى اقصى الارض وعلينا تسجيل تاريخ حياته وقياس ذبذبة واقعه الاليم . .
هل بلغت . . اللهم فاشهد . .

