الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

شعرنا القديم والمعاصر

Share

كثيرا ما طالعت قصائد شعرية من يراع الشبان من مختلف الانحاء والبلدان ولاحظت بأن الحزن يخيم على اكثرها ويطبعها الاسى ، وكل شاعر قرأته - فيما عدا القليل - يحاول ان يعبر عما يكتنف عواطفه من شتى الانفعالات ازاء هجر الحبيب وصده ، وتذمره وعذابه من قسوته وعدم وفائه بوعده ... ولو ان الشاعر منهم يعبر عن خوالج نفسه والآمه بسبب هجر الحبيب بقصيدتين او ثلاث او اربع ويكتفى للانتقال لمواضيع أخرى ان لم تمس المجتمع فعلى الاقل تمس مشاعر اخرى من النفس تحفر فيها مختلف الاحداث اخاديد عميقة الغور فتجعل القلم المعبر ينتقل ما بينها معبرا عنها بشتى الصور والاراء . . .

شعراء مشوا من بداية الطريق فى هذه السبيل ولايزالون يستأنفون السير ومعذرة ان لم اورد الاسماء فهى كثيرة ..

ولعل ذلك راجع لتنقلهم من حب الى حب ومن غرام الى غرام ، وفى كل مرة يرميهم كيوبيد بسهمه ويجعلهم يعاودون التجربة وينفعلون بها ويعبرون عنها بابيات شعرية تمت الا الاوزان القديمة او الحديثة. فاذا هم يتنقلون من خيبة الى خيبة فيجئرون بالشكوى ويهتفون من اعماق قلوبهم للتعبير عما يحيط افئدتهم من بؤس وحزن عميق من ظلم الحبيب .. اجل ، ان هناك اقلاما تنتقل من موضوع الى موضوع وتصور مرائى عديدة وحوادث شتى تتفاعل بها نفوسهم منفردين أو مشاركين مجتمعهم فى مواقف شتى مختلفة تنعكس عليها صور العهد الذى يعيشون فيه بمختلف مشاكله وحوادثه ... ولكن هذه الاقلام قليلة بالنسبة لغيرها التى لم تجرب من الزمن الا تجربة الحب ، ولم تتعذب وتلق الهوان الا من جراء الصد والهجران ورجعت بفكرى الى الزمن البعيد ، الى ما قبل عشرات السنين لأسترجع اشعار الشعراء الفطاحل الاولين ، واتذكر بأن اكثرهم كانوا ينظمون فى الفخر والمديح والرثاء ، والقليلون منهم كانوا يتخذون من الشعر مطية للتعبير عما يخامر قلوبهم من فرح بلقاء الحبيب ومن شكوى مستمرة لكثرة هجره وتدلله ، ويكرسون نفوسهم له . . .

فهل هذا عائد لتحجر قلوبهم آنذاك وعدم شعورهم بالحب ، أم انهم كانوا يخجلون من الجهر بعواطف يعتقدون انها ملك لهم ، ولا يحق لاحد أن يطلع عليها ويحافظون عليها كسر خطير يحرسونه ويخشون عليه من غائلة الاعين ؟. ام انهم كانوا يعتبرون ان التشكى من صد الحبيب صنف من العار

ان يصرحوا به ، وان نفوسهم القوية لاترضى بالتذلل والاباحة وافشاء اسرار عاطفية لاتهمهم الا وحدهم ؟..!

واليوم نرى ان الآية انقلبت فكثر شعراء الغزل حتى بين النساء ، ولم تعد للعواطف حرمة عند اصحابها واصبح من حق كل انسان الاطلاع عليها ، فكرسوا شعرهم للتعبير عن الفرح بالوصال والترح لدى البعد والانفصال واصبحت هذه العاطفة هى المشكلة الوحيدة التى تسيطر على افكارهم وتنشئ حجابا كثيفا ما بينه وبين مشاكل اخرى تسيطر على حياة الافراد والجماعات وتجعلهم يعيشون لانفسهم فحسب ، وحين ينظمون شعرا فلكى يعرف الناس ما خفى من اسرارهم وعلاقاتهم الغرامية وحوادثهم العاطفية. وكان الشاعر من قبل حين يأتى بذكر الحبيبة لابد أن يتنقل من بعد لاشياء أخرى تتصل بحبه ونسبه واحداث زمانه

انا محيوك يا سلمى فحيينا وان سقيت كرام الناس فاسقينا

وان دعوت الى جلى ومكرمة يوما سراة كرام الناس فادعينا

انا بنى نهشل لاندعى لأب عنه ولا هو بالابناء يشرينا

وليس يهلك منا سيد ابدا تلق السوابق منا والمصلينا

ان تبتدر غاية يوما لمكرمة الا افتلينا غلاما سيدا فينا

انا لنرخص يوم الروع انفسنا ولو نام بها فى الامن اغلينا

اذا الكماة تنحوا ان يصيبهم حد الظباة وصلناها بايدينا

ولا ترى وان جلت مصيبتهم مع البكاة على من مات يبكونا

افلا تهز هذه الابيات الانسان هزا اكثر مما تهزه ابيات وصف جمال العيون والغزل والتشكى من الجفا والدلال ؟ .. لقد كان الشعراء ايام وصلت الامة العربية الى سامق المجد ، ونالت الفتوحات تلو الفتوحات وانتشت بالانتصارات تلو الانتصارات ، يتباهون بكرمهم وبطولتهم وسخائهم وعفتهم ويبذلون جهودهم ليجعلوا اسمائهم بعيدة كل البعد عن العار ، تجللها اكاليل العز والفخار ، فلا يكاد يذكر احدهم اسم الحبيبة حتى يتنقل الى ذكر المجد والبطولة والاباء!..

أجل ، لقد كان هناك عمر بن ابى ربيعة وابو نواس وغيرهما ولكنهم كانوا معدودين من الشعراء الماجنين الذين لا يأنفون من التشبيب وفضح الاسرار للمتاجرة بها كما يتاجرون بالبضائع والمواد ، ويتندرون بسردها

وهذا المتنبى الذى لايزال مالكا لقلوب الكثيرين من قراء الشعر العربى ، فلقد انف ان يذكر ولو قصيدة واحدة فى الغزل على كثرة قصائده وتعدادها .. كان العرب منتشين بالفتوحات مزدهين بخصالهم الحميدة يخوضون المعارك فى سبيل اوطانهم وينظرون للموت نظرة سخرية وازدراء:

اقول لها وقد طارت شعاعا من الابطال ويحك لن تراعى

فانك لو سألت بقاء يوم على الاجل الذى لك لن تطاعى

فصبرا فى مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع

ولا ثوب البقاء بثوب عز فداعيه لاهل الارض داعى

ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون الى انقطاع

وما للمرء خير فى حياة اذا ماعد من سقط المتاع

ثم اخذت اركان الامة العربية تتداعى وتفتتها الازمات والحدثان وتقهقر الشعراء للانكماش داخل قماقم لا ينطقون منها الا بما يصيبهم من شر وعدوان ، وبعضهم يعلن عن يأسه فى الحياة لا لشى سوى لان الحبيب ضمن عليه باللقاء ، وآخرون يصفون الجمال النسوى حسبما يسمحه لهم خيالها الشعرى ليعلنوا بأنهم ينفذون بالجمال ويحيون بالوصال ويقضون أسى بالنفور والهجران فأين مما تقوله ام الصريح الكندية:

ابوا ان يفروا والقنا فى نحوهم وان يرتقوا من خشية الموت سلما

فلو انهم فروا لكانوا اعزة ولكن رأوا صبرا على الموت اكرما

مما تخطه اقلام النشىء الحديث عن الجنس وعن وصف علاقات غرامية وكان حياة المرء مرتبطة بغريزته الحيوانية التى لا تعرف السعادة الابدية الا عن طريق ترضيتها بكل الوسائل ، واين ليلى العامرية التى تقول للامير ابن عوف الذى اتى ليطلب يدها لقيس الذى كانت تحبه من اعماق قلبها :

........ انه منى القلب او منتهى شغله

ولكن اترضى حجابى يذال وتمشى الظنون على سدله

ويمشى ابى فيقض الجبين وينظر فى الارض من ذله

يدارى لاجل فضول الشيوخ ويقتلنى الفم من اجله

يمينا لقيت الامرين من حماقة قيس ومن جهله

فضحت به فى شعاب الحجاز وفى حزن نجد وفي سهله

فخذ قيس ياسيدى فى حماك والق الامان على رحله

من الشاعرات الحديثات اللاتى يذكرن بدون خجل خلانهن ويصفن فى ابياتهن الشعرية حرارة القبلات ؟..

اجل ، لقد هبطت الامة العربية من حالق وشتت شملها الاستعمار وتناهبتها الفتن والاحداث ، انقلب شعر المجد والفخر والبطولة ووصف الجود والكرم الى غزل رخيص للمتاجرة فى السوق ، ولم يعد للشاعر من شاغل الا انتصاراته الغرامية وفوزه فى ميدان الحب ..

وما اكثر الذين يتباكون ويتذللون ويمرغون رؤوسهم تحت اقدام الفاتنات ، ويجعلون همهم الانتصار فى ميدان الحب فاذا فازوا فيه سعدوا ، واذا خابوا بكوا وتألموا ويئسوا . . وبعد أن كانت المرأة ترفض الرجل الذى يتشبب بها فى اشعاره رغم حبها له لان ذلك يلبسها عارا لايمحى ، اذا بأمرأة اليوم تتشبب بالرجل وتصف علاقتها معه بدون اى تحرج . . بينما كان الشاعر من قبل يتغنى ويقول:

اذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه فكل رداء يرتديه جميل

ان هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس الى حسن الثناء سبيل

تعيرنا انا قليل عديدنا قئول لما قال الكرام فعول

صفونا فلم نكدر واخلص سرنا اناث اطابت حملنا وفحول

فنحن كماء المزن مافى نصابنا كرام ولا فينا يعد بخيل

اذا سيد مناخلا قام سيد قئول لما قال الكرام فعول

نجده اليوم يتغنى بالليلة التى قضاها مع معشوقته ، ويبكى حزنا واسى ان هى لم تحضر فى موعده معها ، وتعلن عزمها على فرقته

واذا شئنا أن نعزى نفوسنا رجعنا لنذكر ابيات شعرائنا الاقدمين الفطاحل لنملا منها خواء قلوبنا . . . لقد فطن شاعرنا الفذ ابو القاسم الشابى الى ما يحيق بالشعوب العربية من تحلل وخنوع تعودتهما من الاستعمار الذى خنق عزة النفوس الابية بكلابته الحديدية فهتف:

ايها الشعب ليتنى كنت حطابا فأهوى على الجذوع بفأسى

ليتنى كنت كالسيول اذا سالت تهد القبور رمسا برمس

ليت لى قوة العواصف ياشعبى فالقى اليك ثورة نفسى

انت فى الكون قوة كبلتها ظلمات العصور من امس امس

والشقى الشقى من كان مثلى فى حساسيتى ورقة نفسى

فلتصف القلوب ، ولتسم الاخلاق ، ولنستعد الخصال العربية الكريمة التى كان اجدادنا يتمسكون بها اكثر من تمسكهم بالحياة ..

ولتنطلق الالسنة ببديع القول فواحة بعطر العزة والكرامة ، والاستعداد للدفاع عن الشرف حتى الموت . فكفانا من البكاء من صد الحبيب وهجره, فكل انسان يحب بالغريزة وهذا أمر يهمه وحده ، ولكن لايكون الانسان كاملا الا بعد عمل متواصل ومجهود شاق . . ولتتصاعد اغاريد المجد والكرامة والوفاء . . ولنسع لنكون كما قال شاعرنا القديم بصدق ويقين :

صفوفنا فلم نكدر واخلص سرنا اناث اطابت حملنا وفحول

فنحن كماء المزن مافى نصابنا كرام ولا فينا يعد بخيل

اذا سيد مناخلا قام سيد قثول لما قال الكرام فعول

اشترك في نشرتنا البريدية