الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

شعر الصادق شرف بين، الرؤية والفن

Share

الشاعر الصادق شرف ، واحد من شعراء تونس الذين تدفق عطاؤهم فى عقد السعينات ، حيث أصدر فى أربع سنوات مجموعات شعرية متتالية هى : ( شواطئ العطش ) 1978 ، و ( الحب . . مع تأجيل التنفيذ ! ) 1979 ، و ( حروف تجر الفعل الماضى ) 1980 . و ( بحجم الحب أكون . . ) 1981 . وله قصائد كثيرة لم تجمع بعد فى مجموعة شعرية .

والمتتبع لشعر الصادق شرف يلحظ معاناة هذا الشاعر وتجريبه ، وتوقه لايجاد عالم شعرى متنام ، يمتزج فيه الواقع والخيال ، ويصير الواقع أكثر تجاوزا لما هو كائن ، حيث يتسامى نحو الارقى والانفع ، ومن ثم كانت رحلاته الشعرية المتتابعة بحثا عن عالمه الخاص ورؤياته المتفردة .

يقول فى قصيدة ( .. بين بيتين قتيلا ) معبرا عن طبيعة علاقته بالفن .

لم أزل فى زحمة الفن أغنى

يا سلاما .. يا سلاما .. يا سلاما

أنا فى جوفه فوج

وهو فى جوفى أفواج لها مد الخياما

فى مجال قزحى ، كلما قاربت حدا

منه ، شاهدت حدودا تترامى

لم أزل أرحل فى بعد المدى

والريح شبح وخزامى

يا لريح حركت أوتار عودى !

عزفتنى نغما عذبا .. اذا السامر ناما

ثم من تجويفة العود أطارتنى حماما .. وحماما

فاذا بى سابح فى أفق العشاق أجتاز الغماما

نشوة العشق تشربت مداها (1)

إن هذه القصيدة تعبر عن علاقة الشاعر بفنه وعشقه له ، وجري الشاعر  وراء فنه ، وامتزاجه به ( أنا فى جوفه فوج ، وهو فى جوفى أفواج ) .. ثم تتنامى هذه العلاقة على امتداد سني عمر الشاعر ( لها مد الخياما ) ، والعلاقة غير محددة ( فى مجال قزحى ) ، لا يمكن أن يدرك الانسان العادى مداها وحدودها  (كلما قاربت حدا منه ، شاهدت حدودا تترامى ) . - ٣ - - ٣

ومن خلال هذه العلاقة ندرك الموروثات الثقافية والاجتماعية التى يتحرك الشاعر فى إطارها ( أوتار عودى ) ( السامر ناما ) ، وقدرته على التشكيل بالصورة ( من تجويفة العود أطارتنى حماما .. وحماما ) .. ونعرف أن علاقته بالفن ليست علاقة عابرة ، بل هى علاقة عشق ، بكل ما فيه من توهج لا تخبو ناره أبدا ( نشوة العشق تشربت مداها ) ، وكلمة ( تشربت ) هنا ، توحى بطول المعاناة ، فهى ليست عشقا عابرا ، سيتركه الى عشق جديد اذا أتاحت له الظروف ذلك !

إنه يرى أن علاقته بالشعر لن تنتهى أبدا ، يقول فى نهاية هذه القصيدة :

ربما أسقط يوما

بين بيتين من الشعر قتيلا (2)

وهذه القصيدة ترينا أن الصادق شرف قد اختار الشعر قضية حياة يعانيها حتى الموت ! ولكن أية قضية تلك التى يعانيها !؟ إننا لا نكاد نبصر فى شعر الصادق شرف غير هموم الوطن العربى ، وهو لا يتحدث عن وطنه من الخارج ، ولكنه شعر عشق يعانى قضية الانتماء :

هو الحب عشق بدائى

ولا يعرف الحب غير انتماء الحبيب الى من أحب

بدون اختفاء وراء التعابير عن ترهات الوفاء (3)

وحب الصادق شرف لوطنه العربى تلمحه فى كل قصائده ( فى الشكل التقليدى ، والشكل التفعيلى ) . . فلا يكاد يمر حدث على أمته العربية الا ويؤرقه . ومن قصائده المبكرة قصيدة ( الساقية الشهيدة ) التى كتبها عام 1960 يصور فيها ما جرى يوم 1958/2/8 حين ادلهمت الاجواء بالطائرات المدمرة القادمة من الجزائر ( المستعمرة الفرنسية فى ذلك الحين ) وانهالت على شعب ساقية سيدى يوسف بقنابلها تحرقه . يقول فى هذه القصيدة مصورا غضبته على المستعمرون الغادرين :

للحق نحن ، وهم للظلم أنصار       للسلم سرنا ، وهم للحرب قد ساروا

ساروا لسياقة الخضراء .. قد خرقوا   فى الجو حدا ، حرام خرقه ، عار

ساروا اليها كسرب البوم فى زمر      من طائرات ، ونسفا فى الحمى ، غاروا

شنوا هجوما ، وناس القرية ازدحموا    للكدح .. والسوق بالعمال موار

شنوا على شعبنا شعواء دامية          لها يخر البناء الصلب ، ينهار

شنوا على عزل حربا .. بها رجم        بها الدمار ، وفيها الموت ، والنار

واه ..! لقد غدروا أطفال مدرسة        لم يرحموهم وجيش الظلم غدار !

يا للشنار ! فهذى فعلة نقشت         فى صفحة الاثم .. للتاريخ تذكار

يا للبشاعة ! إذ جاروا على وطن       حر .. له علم ..  يحميه أحرار  (4)

وبعد الهزيمة التى منيت بها أمتنا العربية عام 1967 كتب قصيدته  ((الأخطبوط .. وأسماك العروبة )) والأخطبوط هو العدو الصهيونى والاسماك هى دولنا العربية المشتتة المتشرذمة :

الأخطبوط يريد أسماك الفرات .. فهل ينال ؟

لو قلت : هذا ممكن .. ستقول : ما هذا الخيال ؟

هو مجرم .. والمجرمون بخبثهم بلغوا المحال

فى النيل مد أصابع الصيد الحرام ، أم الحلال ؟

اتظن أقبل يستحم هناك فى ماء القنال ؟

ليظهر اليد من دماء الانبياء من الضلال

كلا ! متى عرف الطهارة ؟ والفضيلة ؟ والجمال ؟

بل جاء ينذر كل أسماك العروبة بالوبال (5)

وهو حزين للحال التى آلت اليها امتنا العربية التى نيفت على مائة مليون ، وهو يرى أن الهامات لم تعد مرتفعة فقد أذلتها اسرائيل ، صنيعة الغرب ، ولهذا ، فهو يقف على أطلال هزيمة 1967 باكيا العروبة ، مذكرا بالأمجاد التى صنعها أجدادنا :

حسب الجدود فخارا كان بالامس           ما حسبك اليوم ؟ هل تغدو كما تمسى ؟

بالامس كم كانت الهامات شامخة !           واليوم زلت .. فديست أيما دوس

أين الحمية ؟ هل باتت تدغدغها              أيدى التبجح بالامجاد من أمس ؟

شعب العروبة ، إن الحزن أخرسنى            عن ذكر مجدى ، ومجد الذكر في القدس

والقدس زفت لاسرائيل ، واأسفى !          العرس تم وكان الغصب في العرس  (6)

ولا ينسى الشاعر أن يغنى لتونس أعذب قصائده ، وكيف ينسى وطنه الذى طعم خبزه ، وعايش أعياده ، وعاش مع البسطاء أفراحهم وأتراحهم . يقول فى قصيدة (( أحبك تونس .. والحب دينى )) :

أحبك تونس ، هذا دمى فى الشرايين .. يعرف أنى

أحبك حتى التدفق ،

حين أصفق :

            ((يحيا الوطن ))

أحبك تونس ، حين أحدق

فى وجه شعبك يرسم بالزيت .. والليل :

          (( يحيا الوطن ))

أحبك تونس ، حين أحملق

فى دهشة البسطاء

أراك ربيعا تموج لا فى الحقول ، ولكن عيونا : (( تحب الوطن ))

أحبك تونس ، والحب دينى

وليس على الارض كالحب أبقى ،

هو الحب يبقى

طريق اليقين

هو الحب دينى

وحين احتوانى ، خلقت المعانى ،

فما أعظم الحب إذ يحتوينى !

وإنى لأزرع فى الحب طفلى ، وأزرع بنتي

وأزرع أختي

وأزرع فى الحب حتى جنيني

أحبك تونس والحب ديني  (7)

( 2 ) يقول الاستاذ البشير بن سلامه عن الصادق شرف : (( عانى باطنيا قضية الشعر العربى فى أطوارها المختلفة ، وعاشها بكل جوارحه وكيانه ، وأكاد أقول : إنه يحمل الشعر العربى على أكتافه عبءا ثقيلا ، فكل قصيدة تبرز الى  الوجود ليست الا قطعة من هذا الحمل تنزاح عنه لتشاركه فى هذه الكيمياء من الالفاظ التى كثيرا ما توحى ، وتريد أن توحى ، لتفصح بالقدر الذى يستقيم به المعنى ويتم الغرض )) (8) .

ومن الملاحظ على القصيدة عند الصادق شرف أنها مغامرة أسلوبية ، تختلف كل قصيدة عن الاخرى ، بقدر ما تتطلب التجربة ، فنجد عنده أحيانا الصياغة المباشرة التى تقترب من النثر - فى مثل قوله :

كفرا بشعب ناهز المليون بات بلا سكن

فقد الحياة .. وكيف يحيا الشعب إن فقد الوطن ؟

أيموت تحت خيام ( غوث اللاجئين ) ويمتهن ؟

يا مجلس الامن : الخيام هى البيوت ؟ أم الكفن ؟

( هتلر ) أباح دم اليهود ، وشعبنا دفع الثمن ! (9)

لكن ما يجعلها تبتعد عن النثر ، بنفس القدر الذى تقترب به من الشعر : بساطتها ، وتلقائيها ، وصدقها .

والصادق شرف حينما يلجأ الى الرمز ، فهو يكتب وفى لا وعيه تتمثل شعرة معاوية - هذا الخيط السرى الرفيع - بينه وبين القارىء ، وهذه الشعرة لا تدعه يفلت من أسر التجربة ، أو التجربة تفلت منه ، ومن هنا رأينا ميله الى استدعاء التراث ومحاورته فى قصائده فيقول فى قصيدة  ((سارق الريح وفى يده شمعة )) :

غاص السكين الى الوجه الآخر من صدرك يا ظهر الهارب

لم يسلم من عمق الطعنة لا الحبل ..

ولا من (( ألقى الحبل على الغارب ))

لا فاصل بين السكين اليوم ،

وبين شرايين علي بن أبى طالب  (10)

إن ( عليا بن أبى طالب ) هنا ، ليس مجرد اسم يجىء تفرضه القافية ، وإنما لان القصيدة تستدعى مفردات عصره ( ابن ملجم - أبا موسى - الحرس الأموى ... الخ ) .

وفى القصيدة نرى تراجع صوت الايمان والطهر .. أمام جلبة وغلبة الحرس المدجج بالسلاح . وتصل القصيدة - الادانة الى مرأى الفجيعة :

وانبثق الرمل من السلات ، وشرشر مضغوطا من ضرع القهر .

فلا فاصل بين المسكوب ، ونوع السكب ، وكف الساكب

الا كالحد الفاصل بين الطعن ، وسل السكين ،

لتنساب دماء علي بن أبى طالب (11)

إن ديوان ((حروف تجر الفعل الماضى )) للصادق شرف خطوة نحو الشعر  - كمغامرة إبداعية - لا تنفصل عن هموم صاحبها ، وهموم مجتمعه العربى من المحيط الى الخليج متجاوزا ما هو (( واقع )) طامحا لرؤية غد ( عربى ) أكثر إشراقا يصنعه الانسان العربى الذى عليه أن يتجاوز ما هو كائن .

اشترك في نشرتنا البريدية