كنا نشرنا فى عدد 10 جويلية 1968 قصيدا للطيب الرياحي ينكر فيه على شعراء تعلقهم بالغزل ويدعوهم الى طرق مواضيع أخرى وقد تصدى الطالب على الطرابلسى ينقد هذه الظاهرة فى مقال ننشره بحذافيره
جميل ان نرى الناس يتصدقون ، ويهبون ما كسبت يمينهم بعلائم باشة ، وقلوب هاشة . وجميل ايضا ان نرى الحانات خاوية قد هجرها قدماؤها . . ولكن لا بد لنا من السؤال التالي : علام يتصدق هؤلاء ، ولم هجر الحانات اولئك ؟ لهذا السؤال جوابان متناقضان
أ ) - يتصدق هذا لأنه شيخ قرب أجله . ويتصدق ذاك لأن له مريضا يريد شفاءه ٠٠٠
ب ( - يهجر هذا الحانة لانه لا يريد ان يقال عنه " كذا . . " فيمسه سوء ، وتلحق به نميمة . . . أما الجواب الثاني ، وهو الذى يجب أن يكون :
- يتصدق هذا لأنه يشعر فى قرارة نفسه بحاجة ماسة الى التصدق والعطف . يتصدق لأنه يرى فى السائل نفسه ، وفى اليتيم يتمه ، وفى العريان عربه . . وما أجل هذا التصدق وما اكرم صاحبه ، وما اسعده بنفسه : لأنه يظل يع من بحر الانسانية الصادقة كاسات دهاقا فى شرابها شعور صادق بذوبان الفرد فى المجموعة . كيف لا ما دام الواهب يرى ذاته فى ذات الموهوب
ب ) - يهجر هذا الحاله لأسباب منها ثقة بالنفس . ولعلى أراه لزوما على أن أتحدث عن رأى A . Comte و Emmanuel 'Kant الذين سعبا فى ايجاد الشخصية ثم تكوينها التكوين الصحيح وتطهير صاحبها من كل خسيسة . . والشقى فى نظرهما هو ذاك الذي يقوم بعمل ما ثم لا يريد تحمل ما سينجر عن فعلته . اى هو لا يعرف فى فعله ذاته ، وهو لعمري انقسام فى الشخصية
وتذبذب ينحر عنه الارتباك النفسى وعدم الشعور بأقنوم الفعل . اذ الفعل فكر ومسؤولية .
ولو قسنا سابق كلامنا على ما قاله الاخ الطيب الرياحي فى رده على شعراء الغزل لفهمنا ، ولأعرض عما هو باحث عنه - رسالتك - يا أخي - مرفوعة الى شاعر الغزل ذلك المأسور فى أبراج عاجية ، المتغنى بالحلمات ، المتعبد للنهد المصلي فى معابد الحب والجمال . ولكن - وبكل نزاهة - كان عليك ان ترفعها لنفسك لأنها دون شك ترسم خطة وتعبد طريقا لن يدرج عليها سواك . اذ هي تعبير عما تحسه أنت وما تحياه أنت ، ومن الجدير اذا ان تسير عليها ان كنت حقا مؤمنا بقداسية حرفك . ولا يمكن لك بأية حال من الاحوال ان تعاتب أو تلوم شعراء الغزل أولائك الذين لا يرسمون على القرطاس سوى وجودهم النابض الحي . . . ولست فى هاته الأسطر أتولى منصب الدفاع عن حرمة الشعر العاطفي الذي هو أنبل منا ، ومن سخرنا أو دفاعنا اذ هو وليد التجربة والتجربة وليدة الحياة . وان سخرنا منه فلقد سخرنا من الحياة من أنفسنا : من وجودنا . ومن منا استطاع أن يسخر من وجوده من من منا داس الحياة عن قصد ؟ ٠٠
لا يفوتنا ايضا أن ننبه الطيب الرياحي الى خطا وقع فيه وهو عدم التفريق بين الثورى والثائر . فالثورى هو ذاك الذي يثور ويتمرد ولكن لا تتعدى ثورته وتمرده حدود الورق والقلم - وهو ذاك الذي يعيش بحرقة التمنى الذى هو وليد الخبال والتخيل . . . أما الثائر فهو رجل يريد اخراج أفكاره الى الميدان العملي ، الى التنفيذ ، الى تجسيد المجرد الى الخروج بالحديث من الفكرة الى الفعل . قد تستطيع يا أخي كتابة عشرات الدواوين فى الوطنية ، ولكن هل تحدى نفعا . هل تعتقد أن مطولة شعرية رائعة ، كافية لان تحقق آمال شعب ما . . . كلا يا أخي وألف كلا . . فلنحرق القصائد ، ولنلهب الدواوين ، ولو كان كل شاعر ثائر ثوريا لتحصلنا على نتائج عظيمة ومكاسب ثمينة . ولنعلم - جميعا - أن الادب سجل للبطولات والهزائم لا وسيلة لكسب المعارك الدولية . . هل أتانا التاريخ يوما بنبا كهذا : قال شاعر قصيدة حرك فيها همم بنى وطنه ، فاطلعت عليها القوى الغاصبة ، واذا بها ترد التراب لاصحابه متأثرة بكلام الشاعر العبقرى . . كفانا طنينا ، لان عصف الهزيمة أقوى بكثير من رنين الكلمات المنتصرة . .
إذا فأمرك الشعراء بسلوك مسلكك ضرب من الغرور وحمى التيه . . اذ في أمرك تحد وافراط في اجبار الغير على ما لا طاقة له عليه فى ميدان هو للاجبار كالاضافة للتنوين . . ولا شك انك تذكر أقوال الدكتور محمد مندور
فى " مبادئ النقد " اذ هو ينفى اطلاقا وينكر على نقدة الادب اجبارهم للشعراء والكتاب على الكتابة فى مواضيع مضبوطة ، معينة . ولا بد أن نورد لك ردا للرسام الكنغولي paul apoyo صاحب ) الخط المسترسل ( Ligne Continue زميل كان يتأمل معنا فى لوحاته المعروضة بقصر البلدية . قال الزميل للرسام : " هاته اللوحة Exressionnisteوتلك impressionisle * . . فأجابه الرسام الكنغولى الشاب بلباقة : لا تخطئ اننى عندما ارسم لست أدرى ما أرسم ولتعلم أن نقدة الفن هم الذين استعملوا هاته الاصطلاحات حتى لا يعسر عليهم ترتيب أصناف الرسوم ويكفينى اننى أرسم كل لوحة عن شعور . . . كذلك نقول للطيب الرياحي : كفى الشاعر شرفا أنه لا يكتب الا عن صدق تجربة ولا يهمه أن يقال عنه شاعر غزلي ، أو شاعر مداح ، أو شاعر يمجد العروبة ! . .

