الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

شعر وشاعر, أحمد محمد، محسن الحيمى

Share

سبق أن قلنا ان أحمد الحيمي كاتب فذ وشاعر فحل ، وقد ترجم له الكثير من العلماء والمؤرخين . وقبل أن نذكر شعره نبتدىء هنا بنثره الفنى ، اذ كان اشبه ببديع الزمان الهمذانى وابن العميد وابن عباد وغيرهم من اشتهروا بالترسل والمقامات القصصية .

واليك في هذا المقال فصلا من كتابه " عطر نسيم الصبا " وهو كتاب جليل ، أشرنا اليه في المقال السابق . وقبل أن نشرع في موضوع النثر نتحف القارىء الكريم ببعض ما قدمه السيد النابغة أحمد بن أحمد المطاع عند طبع الكتاب بمطبعة دار السعادة بصنعاء ، وتعد هذه الطبعة كالكتب الخطية لنفادها ، ولم نتحصل على نسخة منها الا بعد بحث طويل .

قال السيد المطاع : " وبعد ، فانى أقدم لجمهرة الادباء والمثقفين تحفة أدبية رائعة ،

ودرة من درر الفصحى استخرجتها من بحر الآداب عبقرية لامعة ، وفكرة وقادة ، وزهرات عبقة فواحة ، قطفت من حقول البيان ، ومروج البلاغة ، بل أتقدم اليهم بركاز ثمين ضمن به الدهر كل الضن ثم سخا به ، وهو كتاب (عطر نسيم الصبا )

واذا صح ما يقال من أن الكتاب يقرأ من عنوانه ، كما يستدل على الروض بأريج زهره وريحانه ، فهذا " عطر نسيم الصبا " وكفى . جمع فيه مؤلفه ، بين جززالة البداوة ، ورقة الخيال ولطف الحضارة ودقة التعبيروحسن التصوير ، وبراعة الوصف ، وسعة الاطلاع ، وجودة الصناعة ، ومتانة الاسلوب ، بعبارات فنية عالية ، وتشبيهات بديعة ، فيها من

جهامة وفخامته ، ورقة اللفظ وحلاوته . ما يحرك العواطف ويهز النفوس فكأنه شعر منثور ، وعقد منظوم (يشتمل على غرر من حر الكلام كقطع الروض غب المطر ، وفقر كالغني بعد الفقر ، بدائع أحسن من مطالع الانوار . وعهد الشباب ، وأرق من نسيم الاسحار ، وشكوى الاحباب ) .

حكم سحابتها خلال بنانسه

هطالة وقليبها من قلبه

كالروض مؤتلفا بحمرة نوره

وبياض زهرته وخضرة عشبه

وكانها والسمع معقود به

شخص الحبيب بدا لعين محبه

والكتاب مؤلف من ثلاثين فصلا ، كل فصل منها يحوى طائفة متناسبة من أنواع الكتاب وضروب القول ، وشتى الصور ، ومختلف المعالي ، نحا فيه مؤلفه منحى الشيخ الحسن ابن عمر الحلبي في كتابه " نسيم الصبا " . فلم يطش سهم المؤلف بل قرطس ، وأصاب المحز ، وطبق المفصل ، ووضع الهنا موضع النقب ، وأجاد كل الاجادة ، وأتى بطرف البيان وعيون الآداب ، وسحر البلاغة ، في صور متنوعة ، وأساليب مختلفة توحى الى نفس القارىء بما يلذ الاسماع ويبهج الافئدة .

افتن بجمال الطبية ومناظرها الخلابة واستهوته الرياض ، وقد قامت خطب الاطيار ، على منابر الاشجار ، ومجامر الزهر ، تعطر أودية النسائم في الاصائل والاسحار ، وصوادح الطيور تثير بأنغامها كوا من النفوس ، واسرار القلوب ، فاستوحى من جمالها وطيبها ونسيمها واطيارها واننهارها وأشجارها وما عليها من طل ، وما تنشره من ظل ، ما شاء له شعوره الرقيق وخياله الخصب . تغنى بالجمال وشدا بالحب ، وعام بليل العذار ، وبرق الثغر ) الذي يكاد سنا

برقه يذهب بالابصار ) واكثر من وصف لوعته وغرامه بعيون الصباح ، وقدود الملاح . وأحاديث الوصال ، وشكوى الاحباب " وذكر الفراق والعتاب ، ومعاهد الصبا ، وملاعب الشباب ، الى آخر ما ذكره السيد أحمد فى وصف هذا الكتاب .

أما الفصل الذى اشرنا اليه فيما سبق فهو يتضمن من الحكم والنصائح وارسال المثل ما يعجب به القارىء ، ويعرف لأخيه المواطن العربي في بلده ما يعتز به . ويجعله يتتبع ذخائر أسلافه النفيسة لكي ينشرها على الملأ ويخرجها للناس فى أثواب قشيبة باهية زاهية تروق الناظر والسامع .

الفصل التاسع والعشرون  في النصائح والحكم

اعلم أيها الانسان ، أن النصيحة من الايمان ، فأصح لما أورده من قولى ، واقبل بقلبك وسمعك على ما أملى ، لا تصادق غير العلم والعمل ، ولا تتمسك عنهما بذيل التوابي والامل ، لا يغرك حلو مساعدة الزمان ، فلعله يجرعك من بعد ، مرير الحرمان ، فقد يتغافل الليث حتى يدنو الصيد من غابه ، ويتجمع للوثوب يتبعه عضو أنيابه .

وما الدهر في حال السكون بساكن

ولكنه مستجمع لوثوب

لا نركن الى نفسك أو الى صديق صادق ، ولا تستعن في أمورك بغير الخالق ، فهو صورك من العدم ، وأخرجك من الظلم ، أيسهل عليه تكوينك من ماء الاصلاب ، ولا يسهل عليه أن يفتح لك من الاعانة الابواب ؟

من استعان بغير الله فى طلب

فان ناصره عجز وخذلان

لا تكبت الحساد بغر المعالى ، لا نكن بما فاتك من الرزق الا غير مبالى

باليسير فهو اليسار ، ومن اراد الهيبة فهى الوقار ، ما ذاق الدهر وصبر للغلبة غير الصابر ، من عمل لآخرته فهو أربع تاجر ، اصنع المعروف ، ولو الى غير معروف ، ولا تحزن على ما أنفقت فهو مخلوف ، من هو لزمام الملك  مالك ، لا تحرج على ما تخرج من مالك ، لا يضق صدرك اذا صدر من لا يستحق التصدير عليك ، ونفق فى سوق السوقة من بكسيد ما لديه بما لديك .

لما ترى البحر تعلو فوقه جيف

وتستقر بأقصى قعره الدرر ؟

لا تباشر أمورك بالعجل ، فريما ندمت بعد الزلل . ملازمة الذكر حياة القلوب ، ما تورث الغموم سوى الذنوب ، لا تنطق بما يكلم القلوب من كلامك ، واشكر من سعى فى قضاء مرامك

فاذا امرؤ أهدى اليك صنيعة

من جاهه فكانها من مالة

أكتم أعمالك الحسنة ، لا تعاقب بغير برهان وبينة ، بئس الطبع الحقد ، الادب فى جيد المعاني كالعقد ، تعرف نكر من لايعاتبك على معايبك ، لا تأكل طعاما قيل هضم سابقه فقد يوردك حمام مشابك ، أقبح الملل الملل ، وأشرفها الصفح عن الخط .

إذا ما أتت من صاحب لك زلة

فكن انت محتالا لزلته عذروا

المفضل على أترابه محسود ، الغافل عن ذكر الموت فى مسلك من لا عقل له معدود ، لا تكثر من عداوة الرجال ، لا تستحقر كيد الضعيف فربما له فيك مجال ، من حاذر عدوه ، أصاب السلامة رواحه وغدوه ، لا تغترر من حاسدك ببرق الثنية ، فعل فنبعه وابل الوبال والمنية .

قرب تقطب اتى من غير بغض

وبغض كامن تحت ابتسام

المجدل بالحق غلاب ، من أكثر الحيل انقطعت دونه الاسباب ، من زرع الاحسان ، حصد الحمد بكل لسان ، بالغ فى أن نار الفتنة تخمد ، وتواضع لكى تحمد

والكبر والحمد ضدان اتفاقهما

مثل اتفاق فتاء السن والكبر

قبائح الناس تغافل عنها ، فقد يكون عندك أقبح منها ، عاشر بالمستحسن ، وفارق بالتي هى أحسن ، صن نفسك عن ذكر الرذائل بلسانك ، ففيه تعظيم لك بل لشانك ، يعز على المرء أن يفارق طباعه ، وعلى البخيل أن يلزم الشجاعة .

لا تطلب من البخيل شجاعة

ان البخيل يخاف أسباب الردى

اني يجود بنفسه يوم الوغى

من لا يجود بنفسه يوم الندى

الدهر عدو الافاضل ، والعمر ظل زائل

ونكتفى بهذا القدر من هذا الفصل من النصائح والحكم وفي عدد قادم ان شاء الله نتبعه بفصل جميل فى الوصف ، ثم ما عثرنا عليه من شعره اذ لا يزال ديوانه مفقودا أو فى بعض خزائن الاثرياء وعسى أن يخرج قبل أن تقضى عليه الارضة أو تمزقه الفئران أو تتطرق اليه رطوبة الماء من خلال الاحجار .

وهكذا لا تزال منتجات افكار عظمائنا مطمورة وعسى أن يهيئ الله من يحسن البحث والتنقيب وبتوفق الى اقناع الملاك بالمصلحة العامة ، والله ولي التوفيق .

اشترك في نشرتنا البريدية