تابع ( محمد الحيمي ) و ( صنعاء اليمن )
والشاعر الحيمي أجاد في الوصف في فترة الغنى الشعرى وللشعراء المحدثين في الوصف مجالات واسعة فشعراء الاندلس اجادوا في وصف الطبيعة وعلى رأسهم (ابن دراج) و (ابن خفاجه وشعراء المشرق اجادوا في جميع فنونه (فالحلى) شاعر الزهريات وأبو نواس وابن الرومي وابن المعتز من وصاف الخمريات وابو تمام والمتنبي والشريف من وصاف الوقائع والبحتري و الهمداني (صاحب الإكليل) والامير (نشوان ابن سعيد الحميري) جد المولف من وصاف الآثار و .. و .. و .. وكل أجاد باسلوبه القوى ولكل شاعر طابعه وجماله الذي يميزه عن الشاعر الآخر.
والحديث عن (صنعاء) اليمن طويل اذهي احدى جنات الدنيا القديمة وبها المآثر والآثار وبها العبر والاستعمار .. أرض سبأ و التبابعة والاقيال.
ويعجبني كلام الجواهري الشاعر العراقي المعاصر اذ يقول في قصيدة طويلة نشرتها الجرائد في حينه :
صنعاء يا وطن الحضارة والعلى ومقر كل سميذع ومليك
باريس دونك في الجمال ولندن وعواصم الرومان والأمريك
فجمال تلك مزخرف متکلف وجمالك المطبوع من باريك
سعدت بمراك العيون وهكذا لا زال تسعد عينه رائيك
ويقول الهمدانى صاحب الاكليل:
أرض تخيرها سام واوطنها واس غمدان فيها بعدما احتفرا
ام العيون فان عين تقدمها ولا علا حجر من قبلها حجرا
وما دمنا قد ذكرنا فئة من الشعراء الفحول الذين ملأوا الدنيا صيتا ودويا وكان لبعضهم مراكز هامة في الزعامة والامامة والخلافة ما دمنا كذلك فنحب أن نورد في هذا المقال شيئا مما قيل في الصفات على سبيل المثال والاختصار على سبيل الاستقصاء فذلك مما يحتاج الى مجلدات .. يقول ( ابن الرومي) في قصيدة يصف السحاب :
متهلل زجل تحن رواعــــــــ د في حجرتيه ويستطير بروق
سدت أوائله سبيل أواخر لم يدر سابقهن كيف يسوق
فسخا واسعد حالبيه بدرة منه سواعد ثرة وعروق
وتنفست فيه الصبا فتبجست منه الكلى فأديمه معقوق (۱)
حتى اذا قضيت اقيمان الملا عنه حقوق بعد من حقوق
طفقت روایان تجر مزادها فوق الربي ومزادها مشقوق (۲)
وتضاحك الروض الكتيب لصوبه حتى تفتق نوره المرتوق (۳)
و تنسمت نفحاته فكانها مسك تضوع فاره مفتوق (٤)
وتفرد المكاء فيه كانه طرب تعلل بالغناء مشوق
ويقول البحترى يصف الربيع :
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النوروز في غسق الدجى. أوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتقها برد الندى فكانه يبث حديثا كان قبل مكتما
ومن شجر رد الربيع لباسه. عليه كما نشرت وشيا منمنما ،
أحل فأبدى للعيون بشاشة وكان قدى للعين اذ كان محرما
ورق نسيم الريح حتى حسبته. يجيء بأنفاس الأحبة نغما
فما يحبس الراح التي أنت خلتها وما يمنع الأوتار أن تترنما
ويقول الشريف الرضى يصف سوداء :
احبك يا نون الشباب لأنني رأيتكما في القلب والعين تواما
سكنت سواد القلب اذ انت شبهه فلم ادر عن عز من القلب متكما
ويقول الحيمي حفيد نشوان من الفصل التاسع عشر ( في صنعاء اليمن) :
لما كان في يوم من الايام ، أردنا الانتزاح عن الخيام ، عازمين على فراق الوطن ، قاصدين الى صنعاء اليمن ، متشوقين إلى تلك المعاهد. موصولين من الانعام بكل متكرر وعائد ، يحتنا الاذكار الملازم : و تغازلنا الاماني بتغر باسم ، تميلنا نسیم
الارتياح ، وتجذبنا أيدى الانشراح ، وتعلقنا اللواعج ، وتنادينا إلى اقتصادها الهوادج . يوقظنا صبح اللذات من قوم العقلة ، ويرينا بياض طريق الاجتماع بكل عقيلة ويزجرنا عن العقلة، فقمنا مليين نداء المجيب معانقين الوداع كل يحصن رطيب ، مصافحين مع تعب القلوب من الثنائي راحة الرواح .
ناظمين في أجياد الأحبة دور المدامع نائية عن العقد والوشاح ، تطل العبرات على الطلول . وما أبرمناه من حبل الاصطيار فهو بأنامل البين محلول ، فاقتعدنا ظهور العيس . ولقد لفح من الأفئدة جمر الرسيس . وامتطينا منها أعلى السنام ، وحملناها أعباء الغرام .
واحمل الهم الذي حملته
نجبا نقيس الى الفلا بالأذرع (٥)
من كل حرف وقفها للساكني
تلك الربوع وعطفها للموضع
نطير بأجنحة الأشواق ، ونتقلى بنار الفراق ، ونباري الصبا في الاعتلال ، ونتعلل بما جادت به نسمة الشمال ، ولا نبكي الا المسرة تكون ،
فان بكينا فليس الدمع من حزن
لكن فرط السرور المحض يبكينا
وما زلنا نلطم بقوائم الشمر ذل (٦) وجه الغبرا ، ونطلقها في القفار ونحن بأيدي الغرام أسرى ، والحادي يزعجها بصوته الرحيم ، ويودع مسامعها من التغريد ما يهزأ بالدر النضيد ، يجدد لها ثوب أشواقها ، فتصغي له وتمد مديد أعناقها ، تمشي مشي المخمور ، وتجوب السهول والوعور ،
بصم الحصى ترمي الحداة كانما
تغار على محبوبها حين يذكر
فبينا نحن في واد رخص ملمسه غالى ، ومقام نضیره على نظير عالى ، معشب بكل رايق ، ومزهر بكل فايق ، دارت على دوحه سلاف الامطار ، فتر نحت أعطافها من الخمار ،
يصد الشمس انا واجهتنا
فيحجبها وياذن للنسيم
تروع حصاه حالية العذارى
فتلمس جانب العقد التنظيم
فانشرحنا لمنظره البديع ، وأنصتنا من طيوره للترجيع ، واستمال عقولنا عن الترحال ، وصدنا عما انطوت عليه الأمال، نتفيأ في ظلال أشجاره ، ونكرع من معين أنهاره ، فهيت نسمة ممسكة الجيوب ، طيبة الخطرات والهبوب ، عرفنا عرفها من أين ظهر ، واستخبرنا نشرها من أين نشر ، فأنارت الساكن ، ودعت بالمسارعة إلى تلك المساكن .
المت وما في الركب منا متيم
وعادت وما في الركب الا متيم
فقمنا مجددين برد السفر ، متمسكين بذيل النسيم الذي خطر وهى تسحب برد الأرج
والبرد ، وتحيينا بمتضوع الخزامي والورد، تشفي المهج وهي عليلة ، وتسند حديث طيبها عن زهر الخميلة ، يتبصر بها منا كل حائر ، ويهتدي بشذاها العاطر ،
وخذ يمينا لغني نهتدى بشذا
نسيمه الرطب ان ضلت بك النجب
حيث الهضاب وبطحاها يروضها
دمع المحبين لا الأنداء والسحب
ثم ما برحنا نقطع المهامه ، بكل جردل بازل، نسأل الغادين والرايحين عن المنازل ، فانتهينا الى نجد رافع ، وشمنا برق صنعاء وهو لامع ، ومناراتها قائمة ، وطيور السعد عليها حائمة ، وقصورها يقصر في مدحها ذلق اللسان، وأركانها محكمة البنيان ، كانما خلطت من المرجان الفاقع ، وفصلت من تقضيضها وتجصيصها بفصوص الماسع الناصع . تسجع في روضاتها الحمامات ،
وتحف بحافاتها الحمامات ، حمامات تبعث بتغريدها الحزن ، وحمامات تنقي عن الجسم الدرن ، كأنما علمها جابر (۷) صنعة الاكسير، وعرفها كيفية التصعيد والتقطير أجيادها غير عاطلة من أطراف المحاسن الفريدة ، وآبارها غير معطلة وقصورها مشيدة ، تطرب من سواقيها بالرجل ، اذا عشت في مهل بعجل ، كأنها تعلم نغمات الالحان ، وتطرب لرقص الاغصان ، كل بود (۸) منها تنزح معين دموعها، وتلقي على ظهر الارض ما أجنت تحت ضلوعها ،
كانما ماؤها في كل هاجرة
ريق الحبيب عقيب الهجر وهي فم
وهي في معقل رحيب ، وروضة ريا في حجرها
الغصن الرطيب، وجامعت خلالها الانهار ... و تفتحت في جوانبها الازهار ، وانتشر لؤلؤ الطل على ورقها الناعم ، وهامت على هامات أغصانها الحمائم ، طارت الجنوب المعطرة من أو كار زنبقها، ومرحت البواسق من قضبها .. في ديباج ووقها ، وعذرت خدود وردها بالمرسين ، وأضاء تحت ليل بنفسجها صبح الأقحوان المبين ، وزفت عروسها متحلية من المنشور بالجواهر، مصنفة بنضار البهار الباهر.
نسيمها يعثر في ذيله-
وزهرها يضحك في كمه
عذب مشهدها للناظر، وراق مقامها للخاطر وأشرقت ربوعها ، وطابت أصولها وفروعها، وزهت مدارسها ، وارتفعت مجالسها ، وشفي منها ، وشقي ظاعنها، اشتملت على كل معنى لطيف ، واكتنف قبابها شجر السرق المنيف ، لبست أحجال الانشراح أسواقها ، وطاب في ذراها من القبول انتشاقها ، بدورها حلت بدورها ، وخودها تفتن بمرورها ، ظباؤها أوانس ، وحوارها کواني ، عيون غيدها جوارح ، وأردانها بالنوافج نوافح ، أسهم رشاقها رواشق ، وأفئدة نازليها من ارقة خوافق ،
لله صنعا انها جنة
محفوفة بالزهر والزهر
والروض تحفها بكل عذب الوارد ، وراق للقاصد ، تنشر بين أيديها الوية الأوراق السندسية ، المحمولة على رماح الاغصان الزبر جدية ، تفاخرها بجامعها الذي جمع
المحاسن ، وجذب الخواطر بشكله الفاتن،
لا تحسب الجامع في روضة
وانما الروضة في الجامع
فهو أبهج من الروضة (٩) ذهبتها شمس الأصيل غب الشحب ، وقلدتها أيدي الربيع من الزهر قلائد حكت جواهر الشهب ، ينشد الناظرين اليه بعين الاحسان المتنزه في جوانبه الحسان.
یا جامعا كل المحاسن شكله
و مقامه فيه أضاء ونورا .
قلبي بحبك لم ينزل متعبدا
من صرت جامعه البيع الأزهرة
والجراف (۱۰) ينفق من خزائن السرور جزافا ، ويبذل الرغائب لمن وافي ، وضله على بابها مستخدما ، وطاف حولها معظمه نهره كالمعصم ، أو خمائله كا حمائل وهو لهذم ، أو مرآة مصقولة ، أو ذوب فضة على غصن زمرد محمولة ،
فيا جنتي شعب الجراف وروضة
الا لكما نهر ، يعد نهور
يطبع لها العاصى وتخضع دجلة
وترضى بنيل المصريين ستود
ثم انا دخلناها آمنين، وأنخنا حوافدنا (۱۱) شاکرین ، يستميل عقولنا لطف شمائل . أعلها الكرام ، وتميط سجاياهم عن وجود آمالنا اللثام ، نعانق مقصورات انسانی ، و نحتسي من ثغر المسرة خمر الامامي .
ولما أردنا الخروج عن حماها الحسيب ، ومصافحة كفها الخضيب ، أبي سيف مدحي لغيرها أن يجاوز حده ، وان طالت في فراقها عن ربعها المدة ، خرجنا ونحن نسأل عنها . الرايح والغادي ونقول في العلاة محاطين للحادي :
رد الركاب لأمر عن في خدى
وسمه في بديع الحب ترديدا
- انتهى-

