-٢-
وكما برز وفاق وراق أهل جنوب الجزيرة العربية فى الشعر الموسح المسمى عرفا (بالحميني ) وفي باب الصفات الذى هو اوسع باب من أبواب الشعر واطوله نفسا فقد جاءوا بالعجب العجاب وخصوصا فى وصف الطبيعة وما تحتويه من مناظر على اختلاف الفصول وعلى قدر المواهب والقرائح والخيالات . وكما اجادوا فى هذين البابين فقد زاحموا بالمناكب رجال الحكمة والفلسفة من شعراء العربية . وكما اشتهر الشاعر الفحل اسماعيل الطغرانى بلاميته المسماة لاهية العجم والتى أولها :
اصالة الراس صانتني لدا الخطل وحلية الفضل زانتني لدا العطر
نرى محمد بن يحيى بهران الفحطانى القعدى والشاعر الكبير يعارضب بقصيدته الفدة :
الجد في الجد والحرمان في الكسل فانصب تصب عن قريب غاية الاهل
ومن العارئ يقول انها للادب المصرى المشهور صلاح الدين الصفدى فى قول مجيب
بدون عمط الفضل الصعدى والثانيه على أهل الادب فى مؤلفاته الممتعة اقول : ان هذه القصيدة اشتهرت فى املصادر اليمنية التاريخية بما لا يدع مجالا للشك فى انها لمحمد يحيى بهران الصفدى بالعين المهملة وهي تصحيف الصفدى بالفاء . وقد اشار الى ذلك ابن ابي الرجال والسوكانى ومجلة الحكمة التى كانت تصدر بصنعاء وعشرات المصادر وأطال النفس السيد العلامة محمد ابن زيادة فى الاحتجاج وذكر المصادر وأورد أيضا تخميسها لتلمذه الغمدى وأول التخميس :
لا تجنحن إلى الاهمال والملل
وتتبع النفس بالتسويف والعلل
واعمل بقول الذي اسما على زحل
الجد في الجد والحرمان في الكسل
فانصب تصب عن قريب غاية الامل
وهذا ما استقريته وحفظته من المصادر اليمنية ولعل فى موسوعة استاذنا الكبير الشيخ عبد القدوس الانصارى ابقاه الله ما يؤكد ذلك أو ينفيه
عود الى الموضوع
وقد عارض الشيخ اسماعيل المقرى الزبيدى لامية الطغرائى بلامية حشاها بالنصائح والحكم والامثال والشيخ اسماعيل المقري في ايام الملك والنسخ الرسولى كان من اساطير علماء اليمن ومؤرخيه يعد كابه " عنوان الشرق . من أروع ما الف فى الفقه ذوجا في جدوله بفنون أخرى
العربية . وقد شهد له شيخ الاسلام ( ١ ) بن حجر العسقلاني بالذكاء والحذق ومن شهد له خزيمة فحسبه وأول قصيدته:
زيادة القول تحكى النقص في العمل ومنطق المرء قد يهديه للزلل ان اللسان صغير جرمه وله جرم كبير كما قد قيل فى المثل
والشيخ اسماعيل المقرى الزبيدى غني عن التنويه ، وقصيدته منشورة فى مؤلفات كثيرة وعدة مجموعات أدبية . ومن المجموعات ( جواهر الادب ) ومجموعة ( نزهة الابعاد )
لامية ابن الوردى ومن عارضها من شعراء الجنوب
اما لامية الشيخ عمر الوردى رحمه الله فقد نالت حظا كبيرا عند العامة والخاصة لخفة وزنها وظهور معانيها وسلاسة الفاظها وكثيرا ما رأيت في مدن الجنوب شيوخا وشبانا وسمعت منهم ابياتا يستشهدوان منها والبعض يحفظها بكاملها هكذا رأيتهم وسمعتهم مع ان اللاميات الاخريات لا يحفظها الا الخواص ولا يستشهد منها الا الادباء . فمثلا وجدت من يستشهد ب :
ملك كسرى تغنى عنه كسره
وعن البحر الكفاءة بالوشل
اكثر ممن يستشهد ب
فيما اقتحامك لج البحر تركه
وانت تغنيك عنه رمة الوشل
شاعر الجنوب والمعارض للشيخ ابن الوردى
اما شاعرنا فهو الحافظ الشاعر الثائر حسين بن على بن المتوكل ذكره السيد محمد زيادة في الجزء الاول من " نشر العرف " بالصفحة ٥٧٣ وحكى أن مولده في ضوران سنة ١١٧٢ ه وأطال في ترجمته ومما قال ( هو الكريم المفضال الشاعر البليغ الرئيس العظيم القانت الآواه ) . وقال الامام محمد بن على الشوكاني رحمه الله فى آخر ترجمته فى مؤلفه ( البدر الطالع ) بعد ان ذكر علمه وحفظه وقوة شاعريته واسلوبه الرفيع قال : ( وله فى المكارم أحاديث خاتمية تلتذ لسبماعه الاسماع . وكان اذا لم يجد النقد تصدق بثيابه وفراشه ) . ويا حبذا لو اقتدى الزعماء بهذه الشخصية التاريخية ( والذكر للانسان عمر ثان ) كما قال امير الشعراء شوقي او كما قال أحمد بن الحسين
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته
ما فاته وبقايا العيش أفضال
وقد ترجم للشاعر العالم كثير من المؤلفين منهم صاحب نغمات العنبر وابن اسحق فى الروض الباسم وصاحب ذوب الذهب وصاحب نسمة الشجر الخ . . وذكر السيد المؤرخ المعاصر أحمد الشامى فى مؤلفة ( قصة الأدب في اليمن ) شيئا من
شعره على طريقة التصوف فيما ذكره
أه كم أطوى على الضيم جناحى
وأداري في الهوى قال ولاح
ولكم القي بوجه باسم
معشرا ما اندملت منهم جراحي
ولكم ألوى على الجود يدا
برة ما ألفت غير السماح
وبرغم المجد ان ألقي العدا
واحدا من غير ضرب وكفاح
وبرغم المجد أن أسقيهم
ساعة من أكؤس الهم صواحي
وبرغم المجد أجفو جيرة
حجبوا عني باطراف الرماح
نزحوا شخصا وهم طي الحشا
وخفوا ذاتا وهم ملء النواحي
مزجوني بهواهم مثلما
تمزج الصهبا بالماء القراح
لم يريحوني من البعد على
أنهم روحي وريحاني وراحي
بهم افتر شيب الدهر عن
لؤلؤ رطب وطلع وأقاح
الى آخر القصيدة . وله غزل رقيق سم عن عاطفة جياشة وانفعالات نفسية مع التفكه بالجناس الذى يأتيه عفوا كقوله
سمعت في روض الحماية بلالا
اثارت الاشجان والبلابلا
وذكرتني في اللوى لياليا
كانت لنا من حسنها اصايلا
ولست انسى فى الحماية عقيلة
سارت لها فلوبنا معاقلا
القصيدة اللام
هذه القصيدة عارض بها الشيخ عمر الوردى رحمه الله وهى من أبلغ الشعر وأروعه فى عصره ، وأعلاه طبقة فى الحكمه والموعظة وضرب الامثال . وقد استحسنتها ( مجلة الحكمة اليمانية ) التى كانت تصدر بصنعاء فنشرتها مع مقدمه ضافية زيارة ولنابغة الشباب فى عصره أحمد الوريث رئيس تحريرها رحمه الله ( وقد أخترت منها ما يليى:
طلق الدنيا ودع عنك الامل
طالما عن نيله حال الاجل
صاح طلقها طلاقا بائنا
غير رجعي وعنها لا تسل
كيف يهواها فتى يرويه من
مائها المالح ما يروى الوشل
فاعتزل عن زخرف الدنيا التى
لم ترق الا لمن عنها اعتزل
واعمرن بالذكر عمرا خاربا
قد تقضى فى هموم وشغل
واجعل التوحيد حصنا يوم لا
ينفع المرء الاخلا والخول
واتق الله فتقواه التي
ترفع العبد الى أعلى قحل
واترك التسويف فالعاجز من
لم يزل في ليت مغرى ولعل
واغز أبليس بجيش جالب
للرجا واقدم واياك الفشل
واجعل الارماح ذكر الله في
جيش الظافر لاسمر الاسل
ثم قل فوضت أمرى كله
دائم الدهر الى من لم يزل
واذا ما خفت من أمر فقل
حسبي الله لتكفي ما نزل
وآل عن تذكار ظبي غازلت
مقلتاه كل أرباب الغزل
بقوام جائز في حكمه
ليس يرضى حكمه من قد عقل
هز أعطافا له فاعطفت
نحو خير فاله عنه وتسل
ودع الخمرة ما يشربها
غير ذى جهل عن الله غفل
بدلت آراءه تبر الحجى
بنحاس الجهل يا بئس البدل
واحفظ العين فلا تنظر بها
غير ما جاز له الشرع وحل
وكذا السمع فلا تسمع به
كل ما قاد الى اثم ودل
واحفظ النطق فلا تنطق بما
ليس يعنيك فكم نطق قتل
واجعل المطعم جلا واقتصاد
فيه كى تبقى صحيحا لا تعل
واترك الفخر باباء (٢ ) وضوا
فخرهم أدبي على هام زحل
( ٢ ) وقد احسن الرصافي في قوله :
فشر العالمين ذوو خمول
إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا
وخير الناس ذو حسب قديم
اقام لنفسه حسبا جديدا
تراه انما ادعي في الناس فخرا
تقيم له مكارمه شهودا
انما فخرك ما جئت به
انت والدنيا مع الناس دول
ودع الحقد فما يحمله
غير ذى لوم وحقد ودغل
وافق عن حسد الناس ففي
حسد الناس هموم وشغل
تحسد الناس على أمر به
قد قضى الله تعالى فى الأزل
ودع الغيبة للناس ممن
غابهم واغتابهم قل وذل
وكذا الاغراء لا تغر به
فهو فى ركن التقى اى خلل
" والرباء والعجب دع هذا وذا
فالريا شرك وفي العجب ذلل
واطرد النمام عن بابك ان
نم بالناس فمن يسمع يخل"
وضع النفس ووطنها على
عدم الكبر لتحظى وتجل
واجزل البذل الى الناس فقد
فاز بالقدح المععلى من بذل
وصل الارحام فالوصل به
طول عمر المرء ان حان الاجل
رب من قصر فى عمر له
زيد في العمر له لما وصل
وافعل الخير ولكن شرطه
تركك الشر لكى يبقى العمل
ان فعل الخير سهل هين
انما صعب الذرى ترك الزلل
لا يتم الرفع للبنيان ان
كان في الاسفل ضعف وخلل
ودع الاشرار طرا فلهم
من جنون الغدر أجفان تسل
وهم كالنار ان اسعرتها
فى محل اسعرت كل قحل
وهم كالصل رطب لمسه
وبه السم الذى يدنى الاجل
خل ذا الوجهين واترك وده
انه غير وجيه فى العمل
باسم الثغر عبوس قلبه
كامن الشر كسم فى عسل
ولعل القارئ الكريم يتمع مع لذيذ الشعر القومى الجيد الشديد الاسر بالنصائح الغالية فى دينه ودنياه . والرجل عصامى فهو وان كان شريفا يدعو الى معالي الامور وينهى عن سفسافها :
انما فخررك ما جئت به
انت والدنيا مع الناس دول
والى اللقاء مع شاعر اكبر وامام من أئمة اللغة فى الجنوب العربى وقد اشتهرت مؤلفاته فى الدنيا ولم ينشر من شعره فى الصحف الا ما لا اعلمه
جازان
