اختلفت مذاهب النقد ، وتعددت مراميه وتباينت اتجاهاته ، كان هذا مذ كان الادب . . وكان الانتاج فى الشعر والنثر الى يومنا هذا فى شتى أقطار العالم . . يقوم أحدهم - في الشرق أو الغرب - فيتزعم مذهبا فى الادب بعينه ، ويدعو له . . فيتكاثر الانصار وتقوم مدرسة بذاتها الى جوار اخرى الخ الخ .
تكثر المدارس او بالاحرى تتعدد اتجاهات الأدب ومناهجه وأغراضه ، فيجد النقد نفسه ملزما بملاحقة هذه الاغراض والمناهج والاتجاهات . . ومن هنا أصبح نقد الانتاج الادبي لا يرتكز على أساس واحد أو دعامة بعينها . . فهو لا يستطيع ان يخضع كافة الطوائف لذوق معين . . أو يجعلها - مختلفة - فى ظل ركيزة واحدة . . اذ كل طائفة قد شقت لنفسها فى الانتاج الادبي نهجا ما . . فلابد للنقد اذن أن يؤدى رسالته شريطة ان يراعي ملابسات واتجاهات كل طائفة . . بقدر ما يصبح - وقد اصبح - في هذه الحالة متشعب الاتجاهات متعدد الاغراض !
ومقالي هذا وما سيتبعه تحت هذا العنوان ليس - على كل حال - دراسة للنقد وأسسه ومناهجه بقدر ما هو استعراض لنوع عن النقد في الادب العربي القديم ، وانما سقت هذه المقدمة لأتيح للقارئ حرية المقارنة من هذا النوع من النقد الذى سأقدمه وبينه في ادبنا الحاضر !
وقد شدني إلى هذا البحث بالذات كثرة ما يمر بي في قراءاتي المتواضعة من نقدات لاذعة ، توجه لبيت أو آخر . . قصيدة او أخرى ، نقدات تدل على اصالة متناهية وتذوق للادب لا يضاهى !
وهنا احب - قبل ان اشرع فى بحثى هذا - أن اصحح فكرة احسبها عالقة فى أذهان العامة وهي . . ان النقد ليس فقط - كما يتوهمونه - ذم المادة المنقودة أو استهجانها واحتقارها . . بل هو ايضا استحسانها والاشادة بها ان كانت تستحق ذلك!
فالناقد انما هو فى الواقع غواص على الدرر . . يجد القوقعة خلوا من اللؤلؤ فيستهجنها ويرميها عرض البحر . . ويجد اللؤلؤة فيضمها الى منطقته فى حرص بالغ وحنان زائد فذلك هو استلطافها وتلك هي رسالة النقد !
النقد في الأدب العربي القديم وانما اعنى منه هنا ذلك الذى كانت تتحدث به الخاصة فى مجالسهم وغير الخاصة على انه حديث أو مجرد استحسان او استهجان تسنده بديهة حاضرة ، وخيال خصب ، وذهن وقاد ، ومعرفة بالمعاني ما ينبغي منها أن يكون فى مبنى أو آخر .
سمع اعرابي رجلا يقرأ " والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم " فقال : ما يبغى أن يكون هذا هكذا ! فقيل له : انما هو ( عزيز حكيم ) فقال : اذن هكذا ينبغي أن يكون !
فأنت ترى أيها القارئ ان هذا الاعرابي فى شملته لا يحفظ القرآن ، ومع ذلك لم يغرب عن باله ولا عزب عن ذهنه اللماح ان الآية لا يمكن أن يكون فى ختامها ( والله غفور رحيم ) بينما كان مطلعها ( والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ) فالرحمة والغفران لا يمكن ان يقرنا بالنكال في آية واحدة ، وانما هو خطأ من القارئ رده عليه الاعرابي !
وهذا في ذاته ضرب من النقد ، وهو النوع الذى يهمنى فى هذا البحث بصفة خاصة . . أقصد النقد الذى كان يقوله المرء فى مجلس - كما اسلفت - لمجرد التعليق على شئ يسمعه باستحسان او استهجان
وسأعرض لطائفة - فى سلسلة بحثى هذا - من اخبار صاحب الاغاني في هذا المعنى مدليا - جهد المقل - برأيى ازاء كل خبر على حدة مقارنا ذلك بادبنا الراهن ومفاهيمنا الحالية معلقا على ذلك ما يتطلبه المقام ولا يخرج عن نطاق ما أردته من هذا.
العصا اللينة انشد بشار قول الشاعر:
الا انما ليلى عصا خيزرانة
إذا غمزوها بالأكف تلين
وكان الرياشي الشاعر فيمن يسمع فقال : والله لو زعم - يقصد الشاعر - انما عصا مخ أو عصا من زبد لقد كان جعلها جافية خشسنة بعد ان جعلها عصا الا قال كما قلت :
ودعجاء المحاجر من معد
كأن حديثها ثمر الجنان
إذا قامت لمشيتها تثنت
كأن عظامها من خيزران
وكان الحق مع الرياشى . . فالشاعر بعد
أن جعل من للاه ( عصا ) لا ينفعها أن تكون خيزرانة أو حتى من ( زبد ) كما قال الرياش . . والذوق الادبي لا يمكن ان يستسيغ ( العصا ) وهي الخشنة فى معنى اللين ، ولو قال الشاعر ان ليلاه " غصن البان " مثلا او نحوه لصح له المعنى . . على اننى مع ذلك أميل الى التماس العذر للشاعر فقد قال أن ليلاه ( عصا ) ثم اردف ( خيزرانة ) فكانه اراد ان يقول ان ليلى عصا من خيزران إذا غمزتها الاكف تلين ، وعصا الخيزران حقيق بها هذا الوصف . ولكن الرياشى كان اشعر منه وأقرب الى الذوق في صياغة هذا المعنى حيث قال :
اذا قامت لمشيتها تثنت
كأن عظامها من خيزران
ادبار الدنيا واقبالها دخل ابو العتاهية على المأمون فأنشده :
ما أحسن الدنيا واقبالها
ذا اطاع الله من نالها
من لم يواس الناس من فضلها
عرض للادبار اقبالها
فقال له المأمون ما أجود البيت الاول . . أما الثاني فما صنعت فيه شيئا . . فالدنيا تدبر عمن واسى منها أو ضن بهاو انما توجب السماحة بها الاجر والضن بها الوزر . قال : صدقت يا امير المؤمنين
فقال المأمون : ادفعوا اليه عشرة آلاف درهم لاعترافه بالحق! فلما كان بعد أيام عاد فانشده :
كم غافل أودى به الموت
لم يأخذ الاهبة للفوت
من لم تزل نعمته قبله
تذعر النعمة بالموت
فقال له أحسنت الآن طيبت المعنى وأمر له بعشرين الف درهم
قلت : ولي على هذا الخبر اكثر من تعليق واحد .
الاول : هذا السخاء في تشجيع الادب من الملوك والرؤساء وسراة القوم - في ذلك العصر - يخطئ الشاعر فيعترف بخطئه فيأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم ، ويعود فيصحح خطأه فيأمر له بعشرين الف درهم !
فمثل هذا السخاء وأمثاله هو الذي خلف لنا هذا التراث الادبي الضخم .
ولا غرو فقد قيل ( اللهى تفتح اللهى ) !
والتعليق الثاني : هو ما كان عليه الخلفاء من امثال المأمون وعبد الملك بن مروان وغيرهما من شغف بالادب وتذوق له بل ونقده كما فى هذا الخبر وغيره ،
فضلا عن الاثابة عليه وتشجيعه .
ولكن الاثابة لا يمكن ان تحصل الا عن رضى ، والرضى عن الأدب لا يحصل الا عن تذوق وفهم . . فلا غرابة ان يتخلف الادب العربى فى عصرنا هذا ، وان كانت هناك أسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا !
وأما تعليقي الثالث : فدلالة الخبر على تواضع المأمون ، وعدم زجه لسلطة الخلافة فى شؤون فكرية وأدبية فذلك حيث اعتبر مجرد اعتراف الشاعر بخطئه شيئا يستحق الاثابة عليه . . فكأنه كان يتوقع - ولديه الاستعداد النفسي - أن لا يعترف الشاعر بخطئه فهو يريد ان يجادله كالند للند ما دام الميدان ميدان ادب . . وما دام على ثقة برسوخ قدمه في هذا الميدان ايضا . . بخ بخ!
والى اللقاء في العدد القادم ان شاء الله
