نشوان بن سعيد الحميري
- ٦ -
فى عدد ذى الحجة من المنهل الغراء وعدنا باتمام القصيدة السابقة التاريخية التى أشاد بها السيد أحمد محمد المطاع احد نوابغ الجنوب ولكنه لا يفوتنا أن نذكر ان القاضى نشوان كان من رجال الحديث والتفسير فقد ذكر لى بعض علماء خولان بن عامر ان له مؤلفات لا تزال مخطوطة (١) وقد مدحه أحد أئمة اليمن الكبار من المتأخرين فى القرن الثامن وهو الهادى عزالدين الحسن المؤيد وانشد أبياتا لم تحضرنى عند كتابة المقال ومفادها ان نشوان أعلم أهل زمانه من جن وأنس فقد كان رحمه الله متضلعا فى جميع العلوم ولعل أقواله فى علم الكلام ضمن المؤلفات التى ألفها صاحب ( ايثار الحق على الخلق ) . وغيره أقوى دليل على تبحره فى كل فن وبحق انه لمفخرة من مفاخر الزمان وآية من آيات البيان .
( رجع الى القصيدة )
وفى مصر أملاك الفراعنة التى أباد الردى منهم ملوكا طواغيا
وبالغوطة الاملاك من آل منذر اجابوا جميعا للنداء مناديا
وكم قيل من بيت من الشعر فيهم (٢) مدائح أبقت ذكرهم ومراثيا
ومرت بأملاك المشقر صيحة من الدهر هدت سفله والعواليا
فما دفعت عنهم غطاريف كندة بخيل وفرسان تهز العواليا
وكان لاهل الحضر يوم عصبصب اتى ضيزنا (٣) منه بما كان خاشيا
وآل الجلندى فى عمان أبادهم من الدهر تكدير لما كان ضافيا
( وحمير ) أرباب الملوك رماهم زمان بسهم الحتف ما زال راميا
أباد الردى منهم ثمانين ( تبعا ) تتابع فى اقصى البلاد المغازيا
أغارت بأقصى المشرقين جنودهم وقادوا بأرض المغربين المذاكيا
وصاروا بلاد الروم يبغون خلفها هنالك للياقوت والدر واديا
وصاروا لبعد الشمس فى حد ظلمة (٤) تصير أيام الشتاء لياليا
وكم جاوز العمران من مسند لهم (٥) وخط به لا مذهب من ورائيا
ووافى قريشا بعد ذاك نصيبها فلم تلق من ذيب الحوادث واقيا
اناخ على الاملاك من خلفائها (٦) فضعضع ركنا منهم كان عاليا
فتلك ملوك الأرض بادت واهلكت فضاعت رعاياهم ومن كان راعيا
وأضحوا جميعا بعد عز ومنعة ترابا يطأه اليوم من كان واطيا
وأفناهم ذو العزة الملك الذى أذل من الأملاك من كان عاتيا
فيا آمنا للدهر لا تغترر به فما احد من حادث الدهر ناجيا
ويا خائف الاعداء ان كنت خائفا فحاذر عدوا بين جنبيك ثاويا
وحاذر ذوى العصيان والظلم واخشهم كما تحذر الجذمى وتخشى الافاعيا
ويا بايعا بالتافه النزر دينه هبلت لقد أرخصت ما كان غاليا
ويا باكى الاموات نفسك فابكها واذرف من العين الدموع الجواريا
ويا أيها المسرور لا تنس غمة إذا بلغت عند النزاع التراقيا
عجبت لمغتر بأيام عمره يرى ناسيا للموت أو متناسيا
وذى غفلة فى ليلة ونهاره يبيت يمنى النفس منها الامانيا
ألا رب لاه لو درى ما امامه من القدر المحتوم ما كان لاهيا
إذا ما ذكرت الموت والبعث والبلا شجانى وأحمى فى فؤادى المكاويا
وأرقنى ذكر المعاد وخوفه ومنشور أعمال لها كنت طاويا
فيا ليت انى كنت غير مكلف فأصبح نسيا لا علي ولا ليا
ولم أك موعودا بنار وجنة على كل فعل لى أخاف مجازيا
فيا رب انى مستجير وعائذ بعفوك من يوم يشيب النواصيا
ويا رب ما لى غير عفوك جنة يقينى فكن لى من جهنم واقيا
اللهم يا رب اجعل عفوك جنة تقينا من نار جهنم وارحمنا ووفقنا لما فيه الخير . ورحم الله ، نشوان بن سعيد فان اسلوبه الوعظى فى هذه القصيدة مؤثر جدا وفيه متعة وسلوة وعبرة . ومن تمعن فى معانيها خنقته العبرة . والى اللقاء فى العدد القادم ان شاء الله .
الطائف

